#انتقاء البحر
قصة قصيرة بقلم نور الدين بليغ
قضى يوسف ستين عاماً في مدٍّ وجزر، يتنقّل بين المرافئ كإسفنجة برّية تشرب كل ريح، وتستضيف كل عاصفة. آمن أن نبل الروح في فتح النوافذ بلا حارس، والإنصات لكل ضجيج.
حتى تملّحه الإعياء، وتآكلت جدرانه من حكاياتٍ وخيباتٍ لا تعنيه. حينها عاد إلى شاطئه القديم، وبنى صومعة سكينته.
لم تكن بيتاً، بل معماراً للصفاء: جدران من حجر الصوّان، بيضاء كالرخام، بلا تفصيل يخدش الأفق. رأى في بياض الجدار مساحةً تنمو فيها الروح دون أن تصطدم بغريب.
في ليلة خريفية هاج البحر، وأعاد ترتيب قاعه بضربات قاسية. جلس يوسف على عتبته يراقب جموح الماء. قذفت موجة جذع شجرة ميّت، وقوقعة مكسورة، وزبداً، ثم انسحبت ساكنة إلى غورها.
أغمض عينيه. لم يعد صرير الموج ضجيجاً، بل ترتيلاً كونياً من ذاكرته الأولى. وفي رعشة نور عبرت وجدانه، همس له البحر:
> "الاتساع لا يعني استقبال كل شيء. بل أن تعرف ما تتركه يمرّ مع الموج، وما يستحق أن يرسو في أعماقك. ليست كل الأمواج رسائل، ولا كل الموانئ أوطاناً."
تطلّع إلى الجذع الملفوظ، ثم إلى الأفق. فهم سرّ البحر: يتسع لأنه ينتقي، لا لأنه يستسلم. يلفظ البالي ليحفظ الدرّ.
أمسك فحماً وخطّ العبارة على بياض جدار رخامه. تنفّس كمن خلع عن كاهله عواصف مستعارة.
منذ تلك الليلة صار يرى السفن في الأفق فيبتسم لها، دون أن يلوّح لربّانها أو يغادر عتبته. صار يمرّر الضلال فوق سمعه كما يمرّ الموج على الصخر الأصمّ. أغلق قلبه على بضع حقائق نقية كالنجوم، وترك للعالم مداه، دون أن يسمح للعالم بخدش طمأنينته.
*المغزى*: الحكمة ليست أن تكون مفتوحاً للجميع، بل أن تكون منارةً تنير لمن يستحق الرسو، وترشد الباقي إلى موانئهم.
#نور_الدين_بليغ