منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 18-09-2025, 12:38 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبد الرحيم الجزائري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبد الرحيم الجزائري غير متصل


افتراضي فن التكرار..

في صباح بارد، اجتمعت الحيوانات في ساحة الأمم كأنها تحضر جلسة برلمان شكلي لا أحد يصدّق نتائجه. جلس الأسد على صخرته العالية، يوزّع المهام بصوت خافت، أقرب إلى الموظف الحكومي الذي يقرأ نصًّا محفوظًا، لا يملك تغييره:

الحمار يجلب الحطب والماء (ولما لا؟ فكل الدساتير القديمة تؤكد أن الحمار خُلق ليُحمَّل).

الكلب يحرس ويصيد (الأمن قبل الخبز).

الخنزير يحرث الأرض (الزراعة دائمًا من نصيب من يهوى الطين).

الأرنب يوقد النار (قربان صامت لدفء الآخرين).

البقر والماعز يسكبان الحليب (إنتاج أبدي، لا ينقطع، ولا يطالب بأجر مطلقا).

كل شيء بدا طبيعيًا في عالم يتقن فن التكرار. لكن عند آخر الصف، حيث يقف الذئب متأملًا الغابة، حدث شيء عجيب: التفت إليه الأسد وقال بجفاء:
"أنت… سترعى الجديان."

ارتجف الذئب، ثم انفجر ضاحكًا ضحكة قصيرة تشبه ضحك سجين يسمع عن لجنة عفو:
"أنا؟ راعٍ للجديان؟! لم أولد لهذا. اختر غيري."

الحيوانات كلها أدركت أن الاعتراض خطر. فنظروا إلى الأرض بجديةٍ مصطنعة. الكلب عضّ ذيله كمن يقول في سره: "اللهم لا تجعلها نصيبي." الأرنب قفز قفزة عصبية كأنها ترفيه مسرحي. أما الأسد، فبقي على حاله، متقنًا دور الحاكم الذي يكرر جملته الأبدية:
"الأوامر لا تُناقش."

الذئب لم يسكت، تحدث عن مزاجه، عن صعوبة الجديان، عن أنه غير مناسب. لكن الأسد اكتفى بنظرة سريعة، ثم أغلق الجلسة، كما تُغلق جلسات برلمان لا يغير قرارات معدّة سلفًا.

في المساء، أُرسل رسول يسأل عن قرار الذئب. وجده عند حافة الغابة، رأسه بين كفيه، كمن أفاق أخيرًا على فداحة المهمة.

سأله الرسول بدهشة بريئة:
"ما الذي يبكيك أيها الذئب؟"

رفع الذئب رأسه، ابتسم ابتسامة شاحبة وقال:
"بكيت… لأنني خفت أن تكون مجرد كذبة. لكن ما يخيفني أكثر… أن تكون حقيقة."







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 19-09-2025, 06:30 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر متصل الآن


افتراضي رد: فن التكرار..

الكثير من الرمزية هنا
والكثير من الاسقاطات السياسية ..
لغة منسابة وأحداث ظاهرة تخفي خلفها أحداثا أخرى يعلمها من ألقى السمع وأيقظ الضمير والقلب ..

اللغة سلسة كعادتك
تقول بعبارات قليلة الكثير مما تود قوله
ويصل المتلقي المعاني كاملة بسبب دقة اختيارك للفظ من بين مرادفاتها ..

أعان الله من يعيش في الغابة
ستبقى الغابة غابة
والحكم والأمر والنهي والغلبة في الغاب للأقوى
والأقوى هنا بمعنى ( الأكثر بلطجة )


تحيتي وتقديري للقاص المبدع أستاذنا / عبد الرحيم الجزائري ..







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
غير مقروء 19-09-2025, 06:31 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر متصل الآن


افتراضي رد: فن التكرار..

أثبت النص مع التقدير لأستاذنا المكرم







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
غير مقروء 21-09-2025, 03:54 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عبد الرحيم الجزائري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبد الرحيم الجزائري غير متصل


افتراضي رد: فن التكرار..

في صباح آخر، بدا المشهد كما هو: الأسد على صخرته، والبقية مصطفّون في صفوف مطيعة، يرددون واجباتهم اليومية كأنها أذكار عبودية قديمة. غير أن مكان الجديان صار فارغًا، كفراغ سرّ لا يُسأل عنه. لم يتجرأ أحد على ذكرهم، وكأنهم لم يكونوا يومًا.

الذئب، وقد اعتاد مذاق اللحم الطري، صار أكثر هدوءًا، وأكثر دهاءً. ابتسم للأسد باحترام زائف، ثم قال بصوت متهدج يشبه صوت من يُلقي تقريرًا رسميًا:
"مولاي، الحمار لم يعد يطيع. يتأفف من الحمل، ويتذمّر من الماء. وربما يفكر في العصيان."

تجهم الأسد قليلًا، وهزّ رأسه بحكمة مصطنعة:
"لا مكان لمن يعصي. أبعده عن القطيع."

انطلق الذئب، وعاد مساءً يمسح فمه كمن عاد من مهمة عسكرية ناجحة. قال للأسد بنبرة باردة:
"الحمار… صار بعيدًا. لن يقلقك بعد اليوم."

في اليوم التالي، وقف الذئب بين الصفوف، وألقى بشكوى جديدة:
"الخنزير، يا مولاي، صار يعبث في الحقول، لا يحرث كما ينبغي. وكأنه يفسد أكثر مما يصلح."

كرّر الأسد الجملة نفسها، بصوت متعب:
"الأوامر لا تُناقش. أبعده."

ومرة أخرى، غاب الخنزير كما غاب الحمار.

هكذا مضى الأمر: الأرنب "يختبئ"، الكلب "يشك في ولائه"، البقر والماعز "لم يعودا منتجين كما في السابق". والذئب في كل مرة يعود من مهمته بابتسامة شاحبة، يردد عبارته المعتادة:
"لقد أبعدتهم… بعيدًا."

مع مرور الأيام، خلت الساحة من الأصوات، ولم يبقَ إلا الذئب والأسد. جلس الأسد على صخرته، يحدّق في الفراغ، كأن شيئًا يثقل صدره.

اقترب الذئب بخطوات بطيئة، ثم جلس أمامه وقال بهدوء مريب:
"مولاي، لم يبقَ أحد… غيرك."

لم يردّ الأسد، لكنه شعر لأول مرة برعشة غامضة. كأن كلمة "بعيدًا" التي طالما صدّقها، صارت الآن تقترب منه.







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 12:50 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط