في صباح بارد، اجتمعت الحيوانات في ساحة الأمم كأنها تحضر جلسة برلمان شكلي لا أحد يصدّق نتائجه. جلس الأسد على صخرته العالية، يوزّع المهام بصوت خافت، أقرب إلى الموظف الحكومي الذي يقرأ نصًّا محفوظًا، لا يملك تغييره:
الحمار يجلب الحطب والماء (ولما لا؟ فكل الدساتير القديمة تؤكد أن الحمار خُلق ليُحمَّل).
الكلب يحرس ويصيد (الأمن قبل الخبز).
الخنزير يحرث الأرض (الزراعة دائمًا من نصيب من يهوى الطين).
الأرنب يوقد النار (قربان صامت لدفء الآخرين).
البقر والماعز يسكبان الحليب (إنتاج أبدي، لا ينقطع، ولا يطالب بأجر مطلقا).
كل شيء بدا طبيعيًا في عالم يتقن فن التكرار. لكن عند آخر الصف، حيث يقف الذئب متأملًا الغابة، حدث شيء عجيب: التفت إليه الأسد وقال بجفاء:
"أنت… سترعى الجديان."
ارتجف الذئب، ثم انفجر ضاحكًا ضحكة قصيرة تشبه ضحك سجين يسمع عن لجنة عفو:
"أنا؟ راعٍ للجديان؟! لم أولد لهذا. اختر غيري."
الحيوانات كلها أدركت أن الاعتراض خطر. فنظروا إلى الأرض بجديةٍ مصطنعة. الكلب عضّ ذيله كمن يقول في سره: "اللهم لا تجعلها نصيبي." الأرنب قفز قفزة عصبية كأنها ترفيه مسرحي. أما الأسد، فبقي على حاله، متقنًا دور الحاكم الذي يكرر جملته الأبدية:
"الأوامر لا تُناقش."
الذئب لم يسكت، تحدث عن مزاجه، عن صعوبة الجديان، عن أنه غير مناسب. لكن الأسد اكتفى بنظرة سريعة، ثم أغلق الجلسة، كما تُغلق جلسات برلمان لا يغير قرارات معدّة سلفًا.
في المساء، أُرسل رسول يسأل عن قرار الذئب. وجده عند حافة الغابة، رأسه بين كفيه، كمن أفاق أخيرًا على فداحة المهمة.
سأله الرسول بدهشة بريئة:
"ما الذي يبكيك أيها الذئب؟"
رفع الذئب رأسه، ابتسم ابتسامة شاحبة وقال:
"بكيت… لأنني خفت أن تكون مجرد كذبة. لكن ما يخيفني أكثر… أن تكون حقيقة."