موسى
عليه السلام
عليه السلام
رابعا : فرار موسى عليه السلام إلى مدين ([1]) - بداية المرحلة الجديدة ( مرحلة الإستواء ) – المرحلة الوسيطة بين ما قبل الرسالة وما بعد الرسالة
شب موسى عليه السلام في رعاية دينية ودنيوية على يدي خير نساء الأرض([2]) وأتقاهن فقد أرضعته أمه إمرأت عمران دين إبراهيم واسحق وإسماعيل ويعقوب ويوسف عليهم السلام وأرضعته كره الكفر وأرضعته كره الظلم ونصرة الضعيف والمستضعف([3]) وأرضعته الحنان والحب وأرضعته حب قومه
الموحدين كما كان في ذات اللحظة ينشأ أميرا في قصر أمنحتب الثالث ( فقد أصبح ابن الفرعون وولده )([4]) ونشأ وتربى بين ظهراني آل فرعون وتحت سمع وبصر فرعون بذاته فتعلم علومهم الدينية والدنيوية على حد سواء وتمرس على فنون قتالهم حتى أصبح جلدا قويا لا يباريه أحد إلا غلبه ولا يجاريه أحد في أمر إلا سبقه وحظي بكل ما يحظى به الأمراء وكل ذلك دفعا من أمه الملكة آسية وما كان ذلك إلا تدبيرا من الله عز وجل
فتمرس على القيادة ولا أستبعد أنه استلم مراكز قيادية في إدارة الدولة([5]) فكان ذلك القائد الخبير الأريب عن علم ومعرفة ومما ساعد ذلك قبول الناس وحبهم له ([6]) وما كان ذلك كله ليصير إلا بمشيئة الله عز وجل وحده وصناعته فقد كانت ترقبه العناية الإلهية وتسير أمره ولم تتركه وحيدا تتلاطمه أمواج كفر آل فرعون بل كانت كالسفينة تنقله من أمان لأمان وحملته من الكفر إلى الإيمان والإسلام فاختار الآخرة الباقية على نعيم الدنيا الزائلة وملكها وهذه هي صناعة الله عز وجل ليكون موسى عليه السلام الرسول العظيم .
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴿طه: ٣٩﴾
وكان كل ذلك يزيد من استعار أفئدة حساده وتحديدا الملكة تي وابنيها فاحتقنوا عليه غلا وحقدا وحسدا وزاد كمدهم وحزنهم مما آل إليه ([7])
نقطة التحول …
مات ولي عهد أمنحتب الثالث الأمير تحتمس ( أو أغتيل([8]) )
فانتصر نبي الله موسى عليه السلام للإسرائيلي الذي من شيعته على رجل من آل فرعون الذي من عدوه فقتله بوكزة واحدة وبعدها تسارعت الأحداث …
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ([9]) وَاسْتَوَىٰ([10]) آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ([11]) ﴿١٤﴾ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ ([12])مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴿١٥﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦﴾ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ﴿١٧﴾ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ۚ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴿١٨﴾ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٩﴾ وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢٠﴾ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢١﴾ القصص
... عندما بلغ موسى عليه السلام أشده([13]) واستوى أوتي الحكم والعلم([14]) وأصبح في تلك اللحظة قادرا ومهيأ لمرحلة جديدة للإنتقال لها
بداية المرحلة الجديدة ( المرحلة الوسيطة بين الدعوة واللادعوة) ...
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا
ودخل : كأنه كان خارجها أو أن قصر الفرعون خارجها وقد يكون على أطرافها فقد كان يسكن موسى عليه السلام مع أمه ( آسية ) في قصور الفرعون([15]) ، ولا ننسى أن الذي جاء يحذره من آل فرعون جاء من أقصى المدينة ( طرفها ) والدخول يكون من باب معين وفي العادة يكون على الباي حارس لها فمن البدهي أن تكون بوابات المدينة على أطرافها([16]).
في المدينة([17]) : المدينة تحتوي عدد من الديانات أحدها دين التوحيد دين بني إسرائيل ( كما وضحنا في بحث الفرق بين القرية و المدينة ) ومصطلح المدينة يوحي على وجود صراع بين فئتين دينيتين بين أهل التوحيد ممثلين ببني إسرائيل وآل فرعون والمدينة المقصودة هي مدينة الصولجان مدينة طيبة عاصمة أمنحتب الثالث قبل أن تنتقل العاصمة في عهد ولده أخناتون إلى أخيتأتون ، ولذلك لا أستبعد فرضية اغتيال تحتمس ولي عهد أمنحتب الثالث لإحداث فتنة بين الطائفتين على يد طائفة من بني إسرائيل التي كانت منهاجها وشرعها القتل ولو كان غيلة والحرب([18]) ومنهم الغوي الإسرائيلي الذي سنتحدث عنه لاحقا إن شاء الله عز وجل .
على حين : فترة زمنية توحي – سياق الأحداث – أنها في ساعة متأخرة من الليل
غفلة([19]) : توقف المتابعة والرعاية والانتباه والتدبير والتحكم والضبط لشيء ( كليا ) بسبب أن التركيز والإهتمام والإنتباه الكلي أصبح متجها نحو شاغل([20]) شغل مستقبلاتهم الحسية الخارجية أو تعطلها ( قد يكون مدبر([21]) أو غير ذلك ([22])) مما يسبب حالة من الإرباك والفوضى العامة وحالة من عدم الإنضباط أو الإتزان في المدينة و الخروج عن السيطرة .
ومما يوحي أن حالة الغفلة المؤقتة التي أصابت المدينة([23]) أنها فعل مدبر وأنها مفتعلة تخلخل الأمن و النظام في ( ذلك الحين ) .
قتل تحتمس ولي العهد؟! واقتتال الذي من شيعة([24]) موسى عليه السلام مع الذي من عدوه([25]) وإصراره في اليوم التالي على الإقتتال([26]) مع فرعوني آخر
الذي من شيعته : هم طائفة من شيعة موسى عليه السلام التي تؤيده وهم طائفة تؤيد الحرب والإقتتال ( وليس كل جماعة موسى عليه السلام تؤمن بذلك ) و كانوا يرون أحقية موسى بولاية العهد لإعادة ملك بني إسرائيل المسلوب من آل فرعون .
فالسؤال المحور([27]) الذي يتراود لنا :
ما هو الشاغل الجلل الذي أدى إلى غفلة المدينة كاملة بكل طوائفها الدينية والقومية في ( ذلك الحين ) ؟
عند استقراء التاريخ فإني لم أجد أن مدينة طيبة أصابتها الغفلة كاملة إلا بعد موت ولي عهد أمنحتب الثالث ( الأمير تحتمس – اغتياله واختفاء ذكره من التاريخ فجأة ) واستمرت هذه الغفلة حتى تولية ولي عهد آخر وهو أمنحتب الرابع وصعود نجمه الآفل والغير معروف من قبل حتى استقر الأمر وأستتب النظام من جديد .
فالحين من الزمن : كانت وقت موت ( إغتيال ) تحتمس ابن أمنحتب الثالث وولي عهده ووجود وليي عهد يتنافسان على ولاية العهد موسى عليه السلام و أمنحتب الرابع وامتدت زمنيا حتى هروب موسى عليه السلام إلى مدين وتولية أمنحتب الرابع ولاية العهد .
إذن فالأحداث تسارعت بعد موت ولي العهد تحتمس ( اغتياله ) حيث أصبحت عاصمة أمنحتب الثالث ( طيبة ) تعج وتلج بالفوضى والاضطراب وانقسم أهل المدينة لشيعتين شيعة تؤيد ولاية عهد موسى ابن آسية وشيعة تؤيد أمنحتب الرابع ابن الملكة تي وبسبب هذا التشاحن لابد أنه أصبح هناك نقاط تشابك وتعارك بين الفريقين في أرجاء المدينة .
وصادف في تلك الأجواء المملوءة بالاضطراب والتنازع والفوضى في ذلك الحين أن موسى عليه السلام دخل المدينة ليلا وعند مدخلها تحديدا شاهد رجلين واحد من شيعته([28]) ( من فريقه المؤيد لولاية عهده ) ورجل من عدوه ومنافسه ( الفريق المؤيد لولاية عهد أمنحتب الرابع ) ، يتقاتلان فاستغاثه ([29])الذي من شيعته على الذي من عدوه ، ولكن الملاحظ أن الغلبة كانت للذي من عدوه فكأنه كان متمرسا على القتال أو مسؤولا عن الأمن (أو المسؤول عن دخول وخروج الناس من بوابة المدينة ) بسبب أن الإقتتال كان على أطراف المدينة ( مدخل المدينة([30]) ) وبعيدة عن مساكن الناس وهناك عادة ً يتواجد الحرس والعسس والجلاوزة ، وساعة الإقتتال حدثت في وقت متأخر من الليل بدليل انه لم يكن سوى ثلاث أشخاص في ذلك الموقف الذي يحتاج فترة طويلة نسبيا من الزمن ( مشاجرة الإسرائيلي والفرعوني ثم مجيء موسى عليه السلام وقتله للفرعوني )
( مع أن المكان هو مدخل المدينة والأصل أن يعج بالناس الداخلة والخارجة للمدينة ) ولكن فترة دخول موسى عليه السلام المدينة كانت في آخر في ساعة متأخرة من الليل وهي الفترة التي لا يوجد فيها أو تقل حركتهم ، وهي أفضل الساعات لقتل الحارس الأمني الفرعوني غيلة من قبل الإسرائيلي لكي يتستر عليه الليل ([31]) .
﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ … فحال دخول موسى عليه السلام للمدينة وجد رجلين يقتتلان
الإقتتال كان على أشده حتى أن الذي من شيعته ( قد يكون له ضلع في قتل ولي العهد) وأراد أن يغتال الحارس الأمني للمدينة المتطرف على أطراف المدينة ولكن لم تأتي الرياح كما يشتهي فعصفت عكس ما تمناه وأراد وكانت الغلبة للفرعوني فتشبث وتمسك به بشدة فكان في شدة وضيق وضنك شديدين لم يستطيع الفكاك منه ولم يستطع حتى موسى عليه السلام الذي بلغ أشده إبعاد الذي من عدوه إلا بالوكز .
وما كان يحسب موسى عليه السلام أن تلك الوكزة تؤدي إلى موت الذي من عدوه فلم يكن في باله أو خاطره أو كان مخططا للقتل أساسا وهو أصلا لم يكن أحد أطراف الإقتتال الدائر ولا يعرف سبب الإقتتال – إلا أنه كان يعرف جيدا الذي من شيعته وإلا كيف انتصر له فور طلبه الإستغاثة .
فقضى([32]) موسى عليه السلام على الفرعوني أي حكم بين المتخاصمين وقدر ونفذ حكمه بالإعتماد على ظنه([33]) واستعجله الشيطان ولم يستند لشرع الله عز وجل ومنهاجه قبل الوكز ؟! .
… نبي الله موسى عليه السلام بعدما قتل الإسرائيلي تدارك الوضع اعترف بخطئه ونسب فعله 1لنفسه و2للشيطان وطلب من الله عز وجل أن يغفر له ( فغفر الله عز وجل له ) وألزم نفسه بقسم بأنه سيُحكّم شرع الله ومنهاجه في حكمه وأنه لن يستخدم قوته ( التي استخدمها في قتل الفرعوني ) في نصرة وعون المجرمين([34]) .
… وهنا ( اعتراف ضمني أن الذي من شيعته كان خارجا عن الشريعة المأمورين بها وكل من لا يطبق الشريعة في هذا الباب يكون من المجرمين الكافرين([35]) ) ، وكأن الشريعة و المنهاج التي كانوا يسيروا عليها بني إسرائيل ومنهم موسى عليه السلام تحرم الفتنة والقتل والخروج على الحاكم - وهي شريعة الله عز وجل؟! إلا إذا كان مكرها أو عن غير قصد – ولذلك غفر الله عز وجل له ، بينما كانت شريعة الذي من شيعته تستند إلى الحرب والقتل فهم يعبدون العجل بوخيس إله الحرب والقتال وهي عباد وثنية مصرية ولذلك حكم موسى عليه السلام على فعل الرجل الغوي بأنه من المجرمين الكافرين .
﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تفسير البغوي - إحياء التراث (3/ 527)
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّ الَّذِي أَعَانَهُ مُوسَى كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ قَوْلُ مقاتل
والملاحظ أن شريعة موسى عليه السلام التي جاءت ناسخة لشرع بني إسرائيل حتى ( أمر الله عز وجل دخولهم الأرض المقدسة ) كانت تحرم الفتنة والقتل والخروج على الحاكم وتعد من فعل ذلك أنه من المجرمين وكان سبيلها الوحيد الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة .
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿الأعراف: ١٢٨﴾ … لم يزد عن اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا
ولم يؤمر بني إسرائيل بقتال أعدائهم أو قتلهم ولو حتى غيلة إلا بعد التيه أي خارج مصر([36]) ، مع أن بني إسرائيل كانوا متغلغلين في جميع ثنايا دولة فرعون وكان منهم حتى الخدم الخاص لفرعون وآله .
… وحتى رسالة التكليف من الله عز وجل لموسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون …
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴿٤٤﴾ …. وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ ﴿٤٧﴾طه
ومن وضوح سلمية دعوة موسى عليه السلام
في الآيات التالية إشارة قوية إلى النزاع على الحكم والأرض بين قوم بني إسرائيل وآل فرعون … نلاحظ الفرعون أخناتون كيف يلوي رقاب الحقيقة ويلتف عليها كثعبان ويدعي أن قوم موسى عليه السلام عجزوا بالقوة عن الوصول للحكم والإستيلاء على الأرض فجاء موسى عليه السلام ( ومن خلفه قومه ) (بطريقة أخرى - السحر ) لإخراجكم
o يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿الأعراف: ١١٠﴾
o يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿الشعراء: ٣٥﴾
o قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ ﴿طه: ٥٧﴾
ولكن يكون رد موسى عليه السلام ( سلميا وأن ما يقول به فرعون ويدعيه ليس من دعوته ولا دينه ) فيقول ليست غايته الحرب والقتال أو طمعا بالحكم و الأرض وإنما نشر دعوة التوحيد وما أدل على ذلك فإن يطلب من فرعون السماح لبني إسرائيل الخروج من مصر وترك الحكم و الأرض له ولآله ؟‼
حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿الأعراف: ١٠٥﴾
عودة…بعد قتله الحارس الليلي في تلك الليلة … كأن موسى عليه السلام لم يبت ليلته متوجسا خائفا من أن يشيع خبر قتله للفرعوني من المجرم الإسرائيلي([37]) الكافر فيجر عليه الويلات ، فخاف موسى عليه السلام من أن يفشي سره فالمجرمين لا يحفظوا الود ولا يستأمنون على سر ويخونون لمصالحهم ولو ساعده موسى عليه السلام أو كان من شيعته([38]) فلا أمان لمجرم كافر ؟!
ومما زاد تقلب هواجسه واضطرابها مكانة الفرعوني المقتول ومنصبه والزمن الذي حدث فيه القتل ( فالمدينة لا زالت في حالة من الترقب والإنتظار مضطربة ومشتعلة لم تهدأ بعد مقتل تحتمس ولي العهد ) ، فاضطربت نفسه وأصابها الهم و الغم والحزن ، فخاف بأن يرموه بجريمتين جريمة قتل الفرعوني وجريمة قتل ولي العهد تحتمس .
… خرج موسى عليه السلام في الصباح – قبل طلوع الشمس قبل وقت حركة الناس يترقب([39])والخوف يملأ قلبه ليستمع ما ستتناقله ألسنة الناس من أخبار وما حدث في الليل عند باب المدينة ...!
فوجد نفس الإسرائيلي الذي استغاث به ليلة الأمس وانتصر له ( يستصرخه([40]) وهو ممسوك من فرعوني آخر ( حارس النهار ) عند جثمان الفرعوني المقتول ( حارس الليل ) ويضربه ولا يستطيع الإفلات أو النجاة منه فهذا الذي من شيعته لم يكتفي بمحاولة قتل الحارس الأول ولكنه بقي في مكانه يتربص الحارس الثاني([41]) الذي يستلم مكانه في النهار وكأن ساعة تبديل الأدوار بين الحارسين قبل الصبح بقليل وتصادفت([42]) ساعة دخول موسى عليه السلام المدينة صباحا يترقب .
… فقال موسى عليه السلام للإسرائيلي إنك لغوي([43]) مبين([44]) فلما أراد أن يبطش([45]) بالحارس الثاني النهاري ليبعده عن الذي من شيعته ظن الذي من شيعته أن موسى عليه السلام بعزيمته وقوته وبأسه الذي بدت عليه أنه أراد أن يقتله هو فقال له أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ( ودليل على أن الذي قال أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس هو الغوي المبين أنه لا يوجد شاهد على حادثة القتل السابقة إلا الله عز وجل وموسى عليه السلام والذي من شيعته الغوي المبين ) … ويكمل الغوي المبين …
إنما تريد إلا أن تكون جبار من الجبابرة كفرعون الذي يقتل أبناء شعبك ويستحيي نساءهم ولا تريد أن تكون من المصلحين ( أي أنك لا تريد أن تكون مع تيار الغوي المجرم وطائفته الذين يبيحون الحرب والقتال([46]) ضد فرعون وآله – فهو يصف نفسه أنه من المصلحين ) الذين يرفعون البلاء عن شعبهم([47]).
… وهنا كانت القاصمة فقد شاع خبر قتل الذي من عدوه على يد موسى عليه السلام فلا موسى يستطيع قتل الذي من عدوه ( لأنه محرم في شرعه ) ولا يستطيع كتمان الخبر فانطلق الذي من عدوه لفرعون وآله يستطير بالخبر ويشيع ويذيع ([48])
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢٠﴾ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢١﴾ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿٢٢﴾ القصص
تآمر الملأ على موسى عليه السلام (المسؤولين على إظهار موسى عليه السلام ومن معه بصورة المتآمرين المجرمين الخارجين عن القانون لفرعون ‼)
فبعدما كُشف أمر موسى عليه السلام بقتله للفرعوني ( الحارس الليلي ) استغلت الملكة تي وابنها أمنحتب الرابع واتباعهما ( الملأ وليس فرعون ) بإلصاق تهمة التآمر والمشاركة في ( إغتيال الأمير تحتمس و الحارس الليلي ) لموسى عليه السلام ورموه بتهمة تكوين ( جماعة لقلب نظام الحكم والاستيلاء عليه ) مما أدى لهروب موسى عليه السلام إلى مدين ([49])، وقيام فرعون وآله بعملية ( تطهير ) قتل كل من أتهم بمعاونة موسى عليه السلام ومساعدته وتواطأ معه على حد زعمهم ومنهم ( آسية بنت مزاحم([50]) ) ( وهذه هي المؤامرة التي كان الملأ يدبرونها على موسى التي حذره منها الرجل الذي جاء من أقصى المدينة([51]) ) .
خاتمة
ركزت في بحث موسى عليه السلام قبل الرسالة وجود موسى عليه السلام في مصر قبل رسالته وتحديدا منذ ولادته وحتى هروبه إلى مدين وأسأل الله عز وجل أن يعينني ويمدني بالصحة والعافية و العمر على تكملة البحث ويتضمن
- فترة جود موسى عليه السلام في مدين
- وفترة موسى عليه السلام بعد الرسالة
والله أعلم
نهاية السلسة …………