قبر و شاهد من رخام هما كل ما يملك من هذه المدينة التى طالما حلم بالعودة إليها، و بعض من ذكريات طفولية محي الزمن أكثرها مثلما محت الأيام تضاريس مدينته و غيرت ملامحها فلم يعد يها شيء مما كان ، أختفت الحارات المرصوفة بالبازلت الأسود ، البيوت الخشبية ، المشربيات ، رائحة البحر فى شعابها الضيقة ، كورنيش البحر الممتد من أولها حتي القناة ، استبدلتها الأيام بالمباني الخرسانية تتسابق نحو السماء و تتراص فى عشوائية متعمدة ، حتى الوجوه تغيرت ، و تغيرت حوارات الناس فى الشوارع و كستها لغة غريبة بل لغات لم تكن هنا من قبل ، حين وقف على قبر أبيه الذى مات متأثرا بجراحه فى حرب الاستنزاف ، لم يجد شاهد القبر الرخامي ، و لا فسيلة من جريد على قبره ، تنهد و تلا ما تيسر من أيات ، و سيل من الدعاء لأبيه ، قاطعه مجموعة من الرجال يحملون أكياس بلاستيكية و جيوب جلاليبهم منتفخة مما تحمل من حصيلة اليوم ، سألوه أن يقرأوا للميت ، فرفض و ناولهم قطعا من نقود ، نظر أحدهم إلي هذه القطع النقدية الزهيدة و ابتسم ساخرا ، فتلفت له و سأله من أنتم و من أين أتيتم ، فأجابوا جئنا من بلاد بعيدة ، أرهقنا الفقر و الجوع و وجدنا فى هذه البلدة خيرا كثيرا ، عاجلهم بالسؤال عن شاهد القبر فأخبروه أن الكثير منها فقد و لا يدري أحد إلي أين ذهبت ، تركهم و استدار يكمل دعاءه فتركوه و ذهبوا ، لملم أوصاله ثم سار خارجا من المقابر ، سار فى الشوارع لا يري فيها سوي وجوه الرجال الذين قابلهم فى المقابر ، كلهم متشابهون رغم أنهم جاءوا من بلاد متفرقة ليستوطنوا هاهنا ، أخذته قدماه وسط هذا الزحام إلى حارتهم القديمة فلم يجدها ، و وجد عندها قوما لا يكادوت يفقهون شيء من حديثه ، عندما سألهم عن دكان عم خضري العلاف ، عم سيد بتاع الوشنة ، الترعة ، كانوا ينظرون إليه فى غرابة و اشمئزاز ، فأعرض عنهم و ظل يهيم فى شوارع تلفظه و لا يعرفها ، إلي أن وجد نفسه أمام موقف السيارات فألقي بنفسه فى أحداها ، و حين سأله السائق إلى أين ؟ أجابه .. مهاجر