منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > منتديات اللغة العربية والآداب الإنسانية > منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي

منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي هنا توضع الإبداعات الأدبية تحت المجهر لاستكناه جمالياته وتسليط الضوء على جودة الأدوات الفنية المستخدمة.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 04-09-2006, 12:22 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالجليل الشيخ
أقلامي
 
إحصائية العضو






عبدالجليل الشيخ غير متصل


افتراضي تجليات المكـان: الفنون الإريترية أنموذجاً ..

تجليات المكـان: الفنون الإريترية أنموذجاً ..
مقاربة بين الكـتًـاب و التـلفـزة

(1)


فاصلة : الـثـقـافـةٌ ليست خبزاً يـؤكـل ، و إنما تشكيل للوعي الإنساني مـن أجـل حـياة سـعـيدة في الـداريـن. و اليراعٌ سيلٌ عارمٌ ، فاصلٌ بين جبلين ، ناقلٌ لتجارب الإنسانية بين القلم و الصورة.

كتب فرديناندو مارتيني أول مقطع مـن إنطباعاته عـن إريتـريـا ، و هو على ظهر الباخرة المتجهة صوب البر الإريتري تبدو لي بمظهر الكثير من مدن المشرق ، و ان كانت أكثر مرحاً و أكثر نظافة. أمامي قصر القائد ، إلى اليمين منازل تضيئها أضواء جنوبية بيضاء كالثلج بين تلك البيوت و رأس جبل " قدم " المغطى بضباب زهري شفاف يظهر خليج "حرقيقو" هادئاً صافياً و كأنه إحدى البحيرات الأوروبية بين مدينتي "غرار و طوالوت" كانت تتصاعد قـبـب و سطوح معدنية براقة بين خضرة الأشجار . هناك في العمق البعيد تلال " سمهر" جبال " حباب و الأسورتا" المعتمة (1)، هـذا ماكتبه مارتيني في كتابه ارتريا في أفريقيا الإيطالية - انطباعات و ذكريات، إصدار منشورات فرانيللي تريفس – ميلانو 1896م(2).

و اليوم ، أجد تكراراً لهذه الصورة الفنية التي رسمها مارتيني لأولى أنـطباعاته لأن مـن يشاهـد التـلفـاز الإريتري ، و خصوصاً إبـداع الكامـيرا لتصوير البيئة الإريترية بـمـا فيها من طبـيعة خلابـة تـفـرض على العـين تـجلـيات المكان بما حـباها الله من خـيرات الطبيعـة ثم أصـالـة الإنـسان الإريتري لمواصلـة الإبداع بـدءاً مـن مسيرته النضالية و عـشقـه للحريـة و انـتهـاءاً بـالبـناء و التـنمـية التي نشـاهـدهـا عـبر التلفـزة الإريترية 0 و هـذه الطبيعة ليست ولـيدة اليـوم ، بـل ذات إرتباط وثـيق بالإنسان عبر مسارات التاريخ ، لـذلك نجدها تشكل صورة جمالية في وجـدان الشعراء ، و تشكل صورة خلفية لأرض المعركة في ذهـنـية الراحل الشاعر محمد عثمان كجراي ، و قصيدته ( لحـن الإنتصار(3) :
فـاذا مـا هــدر البارود نـارا ... و دخـان
و اذا مـا رف ظـل المـوت في كـل مكان
يستعير الـزئـبـق الأبيض
لـون الأرجوان
يغـمر الـساحة عـطرا
مـن ريــاض الأقـحـوان .

و في هذا التـوجه الكجراوي ، تبرز ظـاهـرة العشـق للمكان و أثـره الوجداني نتيجة الصورة الجنالية المؤثرة في مخيلة الشاعر ، و الذي يبحر معها عبر ( شـهـقـة الـفـجـر فـي وطــن الأغــنـيات) ، مـن أجل عيون الحرية(4) :
ما عـاد كـفـاحـك يا وطـني *** صفحات نضال مـطويـة
ابـطـالك في ساحـات البذل *** عــواصـف نــار رعـدية
فـارفـع رايـاتـك يا شـعـبي *** في المرتفعات الصخرية
في حـقل الحنطة مخـضرا *** وعلى الأحراش الغابية
مـن سـاوة حـيــث الأرض *** هناك قلاع نضال خلفية
في بركة و في وديان الـقاش *** و في الطرقات الرملية
في البحـر الأحـمر مرهوبا *** فـوق الأمـواج الفـضية
في كل بـقـاعــك يا وطــني *** يـتـردد لــحـن الحـريـة
مـن أجـل الـعـزة يا شـعـبي *** تــلـد الأبـطـال ارتـريـة
هـذه الصورة الجمالية للمكان بـين البحر و الجـبـل ، و اللون الأخـضر عـبر المسـافـات ، مـرسـومـة على الورق مـن وحـي أصحاب الأقلام في مطبوعة بين الصحيفة و الكتًاب ، و لكن التـقـنـية المـعـاصـرة و ثـقـافـة الصورة بـلغـة جـديـدة و إبـداع الكاميراً ، أصـبحـت الرسـالـة ، تـخـترق الفـؤاد عـبر مشاهـد الطبيعة المتحركة سـواء ضمـن فـقـرات فـاصـلة بـين الـبـرامــج أو مـقـاطـع تـشـكـل ظــلالاً جـمالـيـة . و تكـون النتيجـة إيحـاءات للمشـاهـد للرحيل و الإرتحـال و تـقـريـب المسـافـات ، يجـدهـا في ثـوانـي قـلـيلة مـع فـضـاء أثـيري أرضـاً و جـواً ، مما يجـعـله يناجـي ، و يـتـذكر أجمل المقاطع الكجراوية (5) :
ترقص الأرض اخضرارا
حــيـث تفتر البراري
و تموج الغابة الخضراء
في ضوء النهار .

و يـجـد المـرء إحساساً ً فـنـياً لنـقـل الصورة أو مـحـاكـاة الطبيعة ، و أكـثر جـمـالاً أن يكـون الحـرف أكـثر دقـــة مـن حـدقة الكاميراً ، لأن الصورة مجردة طبيعية تفتقد المشاعر و الـدفء ، خصوصاً إذا كـانـت الصورة نفسية لشخصية تتوكأ العصى ، ترعى الغنم ، و يـشـده الحنين للعودة تأركـاً خلجـاتـه بين السماء و الأرض ، حـيـث ينظـر عـبر الأفـق في عـين الكاميـرا ، نتذكر من خلالها قصيدة ( ذُكـاء ) قصيدة سـكـاب الـحـداثـية (6):
يـا نـجمـتي التـي سـرت
فـي عـلوهـا خـفـاقـة ســنـيه
مـقـاطـعـا رقـراقــة نـديــه
شـجـا أنـيـن نـأيـهـا الـشـجـي .

و تظل حدقة الكاميراً عـيناً ، يـقـف وراهـا إنسان متمرس إحترافيا لتجاوز الجروح المفتوحة في الجسد الإريتري ليس بحكم الإخراج الفنـي و إنما بسبب طبيعة الأفلام التسجيلية التي تم تسجيلها خلال الثلاثين عاما مضت و التي يحركها إنسان مناضل يؤمن بالقضية ، فكأنت لا تستطيع الهروب من لحظة الـحدث أثـناء التصوير إلى عوالم خيالية و لا تختبئى خلف شخصيات تسعى للظهور الإجتماعي ، و إنمـا شخصيات تعيش لحظات التوهج و التضحية من أجـل إريتريا، و ترسم لوحة فنية على التراب بشخوص إنسانية و مـمـوسـق بـأمطار الرصاص و أجساد معفرة بالدماء ، و يتم توثيقها وفـقـاً لرؤى الكاميرا الملتقطة لجزئيات الواقع المسجل خلال مراحل النضال ، و المونتاج الـذي يـعـيد بـنـاؤهـا الـيـوم في صيغة فنية جمالية تحمل بصمة المناضل الإريتري لأحداق الواقع الملتهبة في ذلك الوقـت مـن أجـل مـستقبل شعاره الحرية لإريتريا . و هـو إلـغـاء للـذاتـية و الإنـتـقـال إلى الضمير ( نحـن ) لأن القادمون في ذهـنـيـة كـجـراي (7) :
نحـن خـضـنا في طريـق
النصـر آلام الـبداية
و رفـعـنا رايـة الحـرية
نستـقبل أمـجاد النهاية
و توحدنا عـلى الـدرب
هـمـوما و قــلوبا و نـوايـا .

مع الكاميراً ، نـجـد بـيئـة خـلابــة لا تـقـاوم ، تِـشـعـل جـذوة الإبـداع الأدبـي ، و الذي نجده في كـافـة مناشط الحـياة الإريترية و تـراثها الحضاري ، حـيـث يعـتمـد الأدب الإريتري عـلـى عـدد مـن اللغات المحلية للتعبير عـن التجربة الشعورية للإنسان ، و اللغة مـن أهم العوامل المؤثرة في كافة التحولات الجارية على خارطة اريتريا الجغـرافـية الحالية ، و بنائها الاجتماعى و الثقافي و انعكاساتها على الأدب بـدءاً مـن الأدب الشفاهي وصولا الى أدب مدون بـالـلغات المكتـوبـة(8).

و ما يلفـت المشاهـد لهذة الفضائية توظيفها للغات الثلاث ( العربية ، و التجرينية ، و التجري) ، و هـو الملاحظ في نشرات الأخـبار ، و يضاف إليها الحصة الإخبارية باللغة الإنجليزية 0 أمـا اللغات الأخـرى فـتبرز مع تجـلـيات المكان و الإنسان ، و مراحـل النضال و الحرية ، التي أفـرزت تـراثـاً إريتـريـا بكافة اللغات المتداولة . فإذا اسـتثنينا اللغة العربية و أدابها و فنونها و ما سطره الإريتريون مـن إبداع في الخطاب التاريخي و السياسي و الأدبي فـإنـنـا نجد التجرنية ذات بـصمة واضحـة المعالم اليوم علىالساحة الإريترية لتكون نـبض لماضي لغُـوي متطور مـن لغة التجري ولـيدة لغة جـئـز (جعـز) التي أنـقـرضـت نظراً لإندماجها مع اللغات المحلية للسكان ، و لم يبق منها إلا خطهـا المسند القديم الذي أنتشر في جنوب الجزيرة العربية ، و أنـتـقل إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر مع الهجرات السامية الأولى ، حيث كتب به الجعزيون/ قبائل الأجاعـزة الـعـربـية ، الذين حوروا بعض الشئ في أشكال حروفه (10) . و جمعت نصوصهم بين اللغات المحلية و اللغة العربية . و يــرى بعض اللغويين أن تسميات الحروف و ترتيبها فيما أحتفظت به الأبجدية الحبشية قد تـلـقـى ضـوءاً عـلى تسميات و ترتيب الحروف في الجنوب العربي القديم نظراً للصلات المكانية و البشرية بين الجانبين (11).

و تـأتـي لـغـة التـجـري لتكون الوسيط المتطور للغة جـئـز بعد إندماجها مع اللغات المحلية الأخرى إلا أنها تحتفظ بخصائص و أسـس اللغة السـامـية الأولى ، لذلك نجـد تـقـاربـاً واضحـاً بينها و بين اللغة العربية مـن حـيـث الأسلـوب و تشـابـة المفردات و صيغ الأفعال حتى يظـن السامع أنه يستمع إلى مقاطع مـن لهجـة عـربية في بعض الأحيان (12). و حـسـب تـصنـيف المصادر العلمـية فـإن التـجـري لـغـة شـعـر راقية ، ( و قد جمع المبشر الألماني (ليتمان) أغاني و أشعار التجري في خمسة مجلدات ، و نشرها في عام 1910م و برهن على أن التجري أغنى بالمفردات من أي لهجة سامية أخرى في شمال شرقي إفريقيا . و كتب عنها دلمـان كتابه المعروف عن اللغات السامية في إريتريا و شرحه منزنجر في منتصف القرن التاسع عشر(13).

ان اللغات الإريترية الأخرى ، تبرز ضمن النسق العام للفنون الإريترية ، حيث نشاهد لمسات فنية لرقصات أفريقية ذات إيقاع موسيقي متوازن بين فـنـون الغابـة و المـاء ( النيل ) مما ينعكس على الأداء الفني بين العنف و الحيوية .. و الجمال ، و هي فنون تؤديها الشعوب النيلية ( النارا – الكوناما ). فإذا انتقلت الكاميرا من مكان لأخـر على ساحل البحر الأحمر ، فـإن فـن الرقص الدنكلي( لآلـي )، و ( قـودا )، و هـما مـن الفنون المعروفة في جنوب الجزيرة العربية ( سيف عزاوي ، و الرجحة)، و كذلك فـن شعـر المعـارضـة أو المحاورة ، حيث يؤرخ الـدـناكل بطولاتهم شعراً ، و يستخدم لديهم لأغراض ثلاث( الهجاء - التحدي - التحـذير) و يعـرف هذا النوع من القصائد الشعرية بإسم ( َكاًسُو Kassow ) تـردد فيه المقاطع عند الألـقـاء عـدة مـرات ، و قـد يغـير الشاعر كلمة في أحـد الأبيات من القصيدة ، و ذلك للتخفيف من عملية التكرار و المعنى واحد لا يتغير ، و الصورة العامة للحدث واحـدة ، حيث أن العامة تـقـوم بالاستماع و الحفظ و الإلـقـاء على ضوء فهم الصورة العامة للقصيدة (14).







التوقيع

سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 04-09-2006, 12:42 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبدالجليل الشيخ
أقلامي
 
إحصائية العضو






عبدالجليل الشيخ غير متصل


افتراضي تجليات المكـان: الفنون الإريترية أنموذجاً ..

تجليات المكـان: الفنون الإريترية أنموذجاً ..
مقاربة بين الكـتًـاب و التـلفـزة

(2)


يلاحظ افـتـقـاد الفضائية الإريترية إلى مـذيع ربط الـفقرات ، حيث يتم النـقـل من فـقـرة إلى أخرى بصورة مباشرة أو بعد فـاصل مموسـق مـع مشاهـد مكانية و إنسانية و توثيق لأحداث نضالية أو أغاني عاطفية و حماسية بكافة اللغات المحلية ، و إن كان يبرز أحياناً مقاطع غنائية بالبجاوية لمـا تملكه من شعر راقي تتناقله الألسن ، النموذج الـذي يـراه الإريتريون إحـدى نغمات الإيقاع ، الذي يحركهم و يتحركون مـعـه كل على حـده جـرس إيـقاعـي منفرد للمفردة ، و تشكيل الجملة من الكلمات ذات المعنى البليغ ، لأنهم شعب رقيق المشاعر ، يتأثر بحركة الحياة و سكونها لما يتميز بـه حساسية مفرطة لمؤثرات المكان مـن عبادات و طقوس ، و تمجيد للماضي في الأناشيد و الأغـاني التي تستخدم لأغـراض دينية أو للتـرفية عـن حياتهم أثـناء السمر ، و المـناسـبات الإجتماعية مما يظهر سعـة المخيلة الإريترية في صـياغة الحدث و الأخـبـار مـن حقائق أو أساطير و حكايات خـرافـية مـن نسج المخيلة الإريترية في الأدب الشفاهي . و ربما تدرج أسطورة ( لعنة المنسع ) ضمن الأدب الشفاهي ، حيث يروي فرديناندو مارتيني قـصـة الأسطورة " أوولتيزاي " أي إبنة الإمبراطور (15).

ان أثـر المكان واضح في كافة مضامين السرد الشفاهي من شعر و حكايـة ، و ان كان الغناء يسيطر أكثر على مخيلة الإنسان الإريتري ، و يـبـرز على أرض الواقع بتصويـر فـني لواقع الحياة المعاش بـإيقاع موسيقي مكتسب من اللغات السامية ، حـيث يـنطـبق عليهم الـرأى الوارد في كتاب الساميون و لغاتهم ص : 144) ، حيث يقول ( و ليس ببعيد أن تكون العرب قد جرت منذ الحـقـب السحيقة على قول الشعر بأوزانه السامية القديمة ، التي لم تكن أوزانا بحساب الحركات و السكنات الدقيق الذي في علم العروض ، و إنما كانت نوعا من التقسيم في عناصر الفكرة أو الصورة أو المعنى ، يترتب عليه بالضرورة تقسيم في الألـفـاظ المعـبرة عـن ذلك ، على نـغـم أقـل رتـوبـا و تـكرارا مـن أوزان العروض المعـروفة ، و لعل هذا الشعر العربي القديم قـد أرتطم أول الأمر بالرجز ، الذي كان وزنا مـوسـيقـيا للصياح و التـرجيع و التـهليل الجماعي المنتظم ، في الحروب ، و عند سير القـوافـل ، و استنباط الماء من جوف الأرض و نحو ذلك ، و في الأراقيص و أغاني النساء و عـنـد تـدليل الأطـفال). و هـو مـا نـجـده لـدى الإنـسان الإريتري الـبـاحـث عــن رحلة الصيف و الشتاء (سـاقم) الـرحلة التي يقوم بها بـحثا عـن الـرعي و الماء و الكلأ مـن المنخفضات الى المرتفعات أو العكس و لا يكون معـه الإ تـسلية النـفس بـالغناء (16). و أنعكس ذلك على الفنـون الأدبية الإريترية سواء أدب شفاهي تتـنـاقـله الذاكرة الإريترية مـثل قصائد إدريس ود أمـير الأسطورة الإريترية مع أنه شخصية حقيقة من أبناء منطقة سمهر ، عمـل في مصؤع ، و هاجر للسعودية حيث عمل في جـدة و الـدمـام ، و أرتحـل بعـدهـا للكـويــت . و هـو مـن رواد الشـعـر الـغـزلـي ، و قصته أشبه ما تكون بقصة قيس و ليلى ، حيـث ذاق الغربة و الترحال و تـوفي مغترباً في الستينات من القرن الماضي (17). و كذلك قـصائـد ود جعـيف، و الكثـير مـن المطولات مـن أشعـار الساهـو التي يصاحبها رقصات بالسيوف في الأتراح و الأفراح ، و أخرى مثـل جـباجـيب و التهليل ، و المدائح الـنبويـة (18).

و مع التقنية الحديثة ، و تطور الفنون في عالم الموسيقى ، فـإن التراث المحلي يتماوج فـنـياً مـع آلات فـنـية و موسيقية سواءاً كانت صناعة محلية أو مستوردة ، حيـث نـجـد الغـنـاء يموسـق بـالـربـابـة ( كرار / مسانقو )، و الـناى / المزمار ( عـندر / شـامبـقو) ، و استخدام آلات حـديـثـة مثل الجيتار ، و الأرغـون ، سيكسافون (19) ، و الـعــود (خارج النًص) ذو النغمات الشجية . و تمثل الموسيقى جـسـراً بـين الماضي و الحاضر ، بين المكتوب و الـتـلفـزة ، تـمـاشـياً مع تـقـنـيات الـقرن الحادي و الـعـشريـن و إبـداعات الـفـرقة الـفـنية ( الأوكسترا الإريترية ) بزيها العسكري المميز . و الملـفت للنـظـر ملامح هؤلاء الفتية و تـعـابـير الـوجـوه عندما يتم العزف لسمفونيات عالمية ، و سمفونية وطنية من ضمنها النـشـيد الوطني الإريتري لا توصف إلا بـالإنـبهـار .

و تـتـألـق الكاميرا في طريق حلزوني بـين أسمرة و مصؤع ، و بخلفية موسيقية لأغنية شجية ( بـابوراي ) ، و حركة القطار و التلفريك (قديماً) و سيارة تويوتا التي نعرفها بمصطلح ( ونـيـت عراوى ) أو فـئـة صـالـون تويوتا ، و تـقـنـية الآلـة بـيـن الـجـبـل و الوادي صعوداً و هبوطاً ، و ألوان الطبيعة الخضراء أرضاً و جمالاً ، مما يعطي إيحـاءاً بـجـيد الحـسـان لــونــاً فـضـيـاً في قـمـم الـجـبـال ، و مشاهد تـفـوق الوصف لأنه ملموس لمـن يعشق السفر عبر الزمن و إرتحالات الماضي مع الإيـحـاء بجماليات المكان و حكايات ألـف ليلة و ليلة و أنفاس النجوم ، التي تعجز الكاميراً عـن نـقـلهـا تـاركاً المخيلة تعيش أصداؤها لحالة نـفـسـية شاعرية بين صفحات الكتاب أو مقطع من قصيدة أحمد عمر شيخ (20) :
و عبر أنفاس النجوم
يتوغل الليل الرفيق
نرتدي ذل الهموم
و انحناءات الجراح
زوارق للفجر تنشق الغيوم
فتتجلى ( سود الصحائف)
خلف أردية الصباح
ومض يداري شهرزاد
و ينطوي الصمت المباح .

هـذه الصورة الجمالية للواقع الإريتري قبل التحرير ، أصبحت واقـعـاً مـلمـوسـاً يـتـجـدد كـل عـام مـع إبـــداعـات الكـامـيرا التي تعيد صورة إريتريا في حدقة العين أنذاك ، لأنها الأرض التي تـذوب فـيها اللغات و الثـقـافات و الـفنون تـحـت عنوان واحـد (إريتريا) ، المزيج الفـنـي الذي تشهده من وقـت لأخـر ، حـيـث التوحد بين الإنسان و الـفن و تجليات المكان التي أسقطت أوراق الخـريـف لتكون ساحة الـوفـاء للطيور الإريترية المغردة بأنشودة الوطـن مـع إشـراقـة الربـيع في إبريل 1993م ، حيث يـذوب الجميع بإختلاف ألسنتهم و ألوانهم ضمن أنشودة واحـدة زاهـية بألوان براقـة لـزهـرة مـشرقة مـن تجليات المكان في حدقة الكاميرا و توقيع التلفزة الإريترية .

و تشهد إريتريا إحتفالات و إبداعات الفنون الإريترية بأبعادهـا الإجتماعية و النفسية و الفكرية في لوحة فنية رائعة متواصلة إعتباراً من 24 مايو حتى الأول من شهر سبتمبر من كل عام ، حيـث تـلـتـقي فـئـات الشـباب بمختلف الميول و الثقافات و الفنون الإريترية ضمن إيقاع فني يشكل محوراً واحـدة لمجموعة مـن الـدرر و الآلـي و أزهـار الليلك في عـقـد واحـد على جـيد الحـسـنـاء ، حيـث يـجـد المرء في كـل درة رقصة ، و في كـل لـؤلـؤة أسطورة ، و في كل زهـرة حـي و عـشـق للأرض . و هـذه اللوحـة البانورامية تتشكل رؤية جيل جـديد و مستقبل جديد لماضي تراثه ثقافة البر و البحر و فنوان تناثرت هنا و هناك مـن أجـل تراث إريتري مكتسب عبر السنين ، و مرتبط بثقافة الأرض تميزاً مـن أن جذوره عريقة ضاربة في أعماق الأرض و له فروع في دول الجوار من فـنـون الـشرحـة في الـيمن ، و اليولة و تمريحة الناقة في الخليج ، و فنون البحر مـن الكويت إلى بورسعيد ، و البحر الإريتري مزيج حضاري لماضي يبدعه شباب اليوم فـنـاً بنكهة الـبـن السمـراء على طاولة بـيضـاء مـزركـشة بغصن الزيتون و أوراق النعناع ، و بساط أحمر تتراق عليه فناجين القهوة مع إيقاعات شـيـاب سـاوة ، الذين يرسمون صورة الوطن بحركات استعراضية تصاحب أنغاماً مع أغاني وطنية بمختلف اللغات في صورة جماعية متميزة ، و بداخلها نموذج الفرد الإستعراضي الرائع بإيقاعات جسدية و مهارة في التعامل مع العصي ، و أخرى بالسيوف بمرونة و خفة متناهية . و هـذه الرقصات بلغة واحدة ( إريتريا) ماضياً و حاضراً و إستشراف للمستقبل ، صورة نهائية من الكلمة إلى النغم ، إلى الصورة البصرية مثلها مثل كافة إيقاعات و فنون البشر ، نشاهدها يومياً في الفضائيات حتى أننا نشعر أن ما نراه تراثنا ، و تراثنا تراثهم ، هـذه الصورة البصرية في حـدقـة الكاميراً ، يجيدها الإنسان في مكان واحد مـن هـذا الفضاء الإنساني لتكون رسالة محبة مـن ساحة الوفاء إلى الفضاء العالمي في عصر القرية الكونية (23). و هـذا الإنسان بين نـقيضين ، خـلف الـكاميرا ، أو أنـامل تـحـترق مع الكـلمـة ، و في كلا الحـالتـين تـكـون الـنـتـيجة واحدة مع التجليات المكانية و أثـرهـا على المخيلة الإريترية بـين أداء فـاعـل و رؤيـة الإنـسان و ( أغنيات الضوء (24) للشاعر أحمد عمر شيخ :
و الحلم يـنـدي عبر أحراش الصبا *** و يـســيل في رحـم الـغـناء غـنـاء
إن كان في الـدرب بـقـايـا أحـرف *** يـغـفـو على شـفـة الـزمـان نــداء
فـليـورق الـفـجـر المـنـاوي خلسة *** و الـفـلـك يـوغـل ، و الدروب لقـاء

ان الفن الإريتري المرسوم على خارطة إريتريا يبرزه التـلفـاز الإريتري بين الحـين و الأخر ، تظهر الصور الفنية و لا يظهر معها أصحابها ، تظل الصورة خالدة في الذاكـرة لتكون سحراً يسلب الألبـاب كلمـا تكررت لكنها لا تـؤدي للمـلل بـل تظـل تنـبض بالمـاضـي عسى و لعـل يعـود ، و ربما هذا الأمـر أدى إلى أن يحلم مارتيني و هو يغادر إريتريا ، حـيـث كـتب أما اليوم فإن شعوراً بالوحشة ، يرافقه شوق للعودة إلى بلدي ، يعصف بي : الوحشة لأنني ساترك افريقيا ... و ستبقى في قلبي رغـبة حارة بالعودة اليهـا حالمـا تتاح لي الفرصة )، ( على ظهر الباخرة فلسطين الراسية في مصؤع المنتظرة لتعود بنا إلى أوروبا تذكرت ، و أنا أنظر إلى خيال الباخرة الأبيض في البحر ، منحدرات الحباب و الأسورتا الرمادية ، و رحت أردد فيما كانت الباخرة تتحرك : وداعاً ايتها الأرض الحرة حـقـاً ، و داعاً أيتها الوحشة العزيزة المقدسة(26).

خرج مـارتيني حزيـناً مـن إريتـريـا لأنـه لـم يدرك المعنى الحقيقي من أسطورة المنسع " أوولتيزاي " ، لأن قيمة الـوجـود في إريتريا ينبع من الإنسان المتأثـر بتجليات المكان ، الذي يـرفـض أن يظل حبيسـاً لـواقـع مـغـاير لـواقـعـه التراثي ، و بالتالي يرسم إبداعاته الثقافية في لـوحــة سريالية تبهر العالم المستيقظ على أغنيات تتهاوى على القلوب في قصيدة الليل و الحنين للشاعر أحمد سعد في قصيدته الليل و الحنين و صحـوت .../ أطـرد اللـيل بـعـيدا / و أغـنى راقـصا كالـعـندليـب / قـد لــمحت .. / في خـيالي لـوحة الـفجـرالـقـريـب / وخطـى الـنصـر الـكـبير / تـتهـاوى أغــنـيات في الـقـلـوب (27).
و تظل الكلمة عنصراً أبـديـاً للتعبير عـن المشاعر الإنسانية مهما تفوقت و تطورت الألة و تقنية الصورة لأن الكلمة مـن القـلـب إلى القـلـب تنبض بالحياة لا جمود فيها و هذا سر تفوقها ، و سر إبداع من عرف أسرارها فهنيئاً للمبدعين أقلامهم و كلماتهم ، و كأن الله في عونهم في مسيرة تطويع الكلمة للتعبير عن رؤاهم و فكرهم .

** هذه المقاربة بين الكتاب و التلفزة - دراسة عـن الفنون الإريترية ، و ستصدر قريباً في كتاب مطبوع بإذن الله ، لذلك يجد القارئ أرقام بين الأقواس ، حيث أنها دلالات للمصادر و المراجع التي تم الإستناد إليها أو الإقتباس منها.







التوقيع

سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 06-09-2006, 10:02 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
خالد جوده
أقلامي
 
إحصائية العضو






خالد جوده غير متصل


افتراضي مشاركة: تجليات المكـان: الفنون الإريترية أنموذجاً ..

الشكر موصول لكم علي هذه الإطلالة الذكية ، والتبحر الواعي نحو هذا القطر الإفريقي الهام ، استمتعنا بالتحليل والقراءة .







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 08:06 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط