تجليات المكـان: الفنون الإريترية أنموذجاً ..
مقاربة بين الكـتًـاب و التـلفـزة
(1)
فاصلة : الـثـقـافـةٌ ليست خبزاً يـؤكـل ، و إنما تشكيل للوعي الإنساني مـن أجـل حـياة سـعـيدة في الـداريـن. و اليراعٌ سيلٌ عارمٌ ، فاصلٌ بين جبلين ، ناقلٌ لتجارب الإنسانية بين القلم و الصورة.
كتب فرديناندو مارتيني أول مقطع مـن إنطباعاته عـن إريتـريـا ، و هو على ظهر الباخرة المتجهة صوب البر الإريتري
تبدو لي بمظهر الكثير من مدن المشرق ، و ان كانت أكثر مرحاً و أكثر نظافة. أمامي قصر القائد ، إلى اليمين منازل تضيئها أضواء جنوبية بيضاء كالثلج بين تلك البيوت و رأس جبل " قدم " المغطى بضباب زهري شفاف يظهر خليج "حرقيقو" هادئاً صافياً و كأنه إحدى البحيرات الأوروبية بين مدينتي "غرار و طوالوت" كانت تتصاعد قـبـب و سطوح معدنية براقة بين خضرة الأشجار . هناك في العمق البعيد تلال " سمهر" جبال " حباب و الأسورتا" المعتمة (1)، هـذا ماكتبه مارتيني في كتابه ارتريا في أفريقيا الإيطالية - انطباعات و ذكريات، إصدار منشورات فرانيللي تريفس – ميلانو 1896م(2).
و اليوم ، أجد تكراراً لهذه الصورة الفنية التي رسمها مارتيني لأولى أنـطباعاته لأن مـن يشاهـد التـلفـاز الإريتري ، و خصوصاً إبـداع الكامـيرا لتصوير البيئة الإريترية بـمـا فيها من طبـيعة خلابـة تـفـرض على العـين تـجلـيات المكان بما حـباها الله من خـيرات الطبيعـة ثم أصـالـة الإنـسان الإريتري لمواصلـة الإبداع بـدءاً مـن مسيرته النضالية و عـشقـه للحريـة و انـتهـاءاً بـالبـناء و التـنمـية التي نشـاهـدهـا عـبر التلفـزة الإريترية 0 و هـذه الطبيعة ليست ولـيدة اليـوم ، بـل ذات إرتباط وثـيق بالإنسان عبر مسارات التاريخ ، لـذلك نجدها تشكل صورة جمالية في وجـدان الشعراء ، و تشكل صورة خلفية لأرض المعركة في ذهـنـية الراحل الشاعر محمد عثمان كجراي ، و قصيدته ( لحـن الإنتصار(3) :
فـاذا مـا هــدر البارود نـارا ... و دخـان
و اذا مـا رف ظـل المـوت في كـل مكان
يستعير الـزئـبـق الأبيض
لـون الأرجوان
يغـمر الـساحة عـطرا
مـن ريــاض الأقـحـوان .
و في هذا التـوجه الكجراوي ، تبرز ظـاهـرة العشـق للمكان و أثـره الوجداني نتيجة الصورة الجنالية المؤثرة في مخيلة الشاعر ، و الذي يبحر معها عبر ( شـهـقـة الـفـجـر فـي وطــن الأغــنـيات) ، مـن أجل عيون الحرية(4) :
ما عـاد كـفـاحـك يا وطـني *** صفحات نضال مـطويـة
ابـطـالك في ساحـات البذل *** عــواصـف نــار رعـدية
فـارفـع رايـاتـك يا شـعـبي *** في المرتفعات الصخرية
في حـقل الحنطة مخـضرا *** وعلى الأحراش الغابية
مـن سـاوة حـيــث الأرض *** هناك قلاع نضال خلفية
في بركة و في وديان الـقاش *** و في الطرقات الرملية
في البحـر الأحـمر مرهوبا *** فـوق الأمـواج الفـضية
في كل بـقـاعــك يا وطــني *** يـتـردد لــحـن الحـريـة
مـن أجـل الـعـزة يا شـعـبي *** تــلـد الأبـطـال ارتـريـة
هـذه الصورة الجمالية للمكان بـين البحر و الجـبـل ، و اللون الأخـضر عـبر المسـافـات ، مـرسـومـة على الورق مـن وحـي أصحاب الأقلام في مطبوعة بين الصحيفة و الكتًاب ، و لكن التـقـنـية المـعـاصـرة و ثـقـافـة الصورة بـلغـة جـديـدة و إبـداع الكاميراً ، أصـبحـت الرسـالـة ، تـخـترق الفـؤاد عـبر مشاهـد الطبيعة المتحركة سـواء ضمـن فـقـرات فـاصـلة بـين الـبـرامــج أو مـقـاطـع تـشـكـل ظــلالاً جـمالـيـة . و تكـون النتيجـة إيحـاءات للمشـاهـد للرحيل و الإرتحـال و تـقـريـب المسـافـات ، يجـدهـا في ثـوانـي قـلـيلة مـع فـضـاء أثـيري أرضـاً و جـواً ، مما يجـعـله يناجـي ، و يـتـذكر أجمل المقاطع الكجراوية (5) :
ترقص الأرض اخضرارا
حــيـث تفتر البراري
و تموج الغابة الخضراء
في ضوء النهار .
و يـجـد المـرء إحساساً ً فـنـياً لنـقـل الصورة أو مـحـاكـاة الطبيعة ، و أكـثر جـمـالاً أن يكـون الحـرف أكـثر دقـــة مـن حـدقة الكاميراً ، لأن الصورة مجردة طبيعية تفتقد المشاعر و الـدفء ، خصوصاً إذا كـانـت الصورة نفسية لشخصية تتوكأ العصى ، ترعى الغنم ، و يـشـده الحنين للعودة تأركـاً خلجـاتـه بين السماء و الأرض ، حـيـث ينظـر عـبر الأفـق في عـين الكاميـرا ، نتذكر من خلالها قصيدة ( ذُكـاء ) قصيدة سـكـاب الـحـداثـية (6):
يـا نـجمـتي التـي سـرت
فـي عـلوهـا خـفـاقـة ســنـيه
مـقـاطـعـا رقـراقــة نـديــه
شـجـا أنـيـن نـأيـهـا الـشـجـي .
و تظل حدقة الكاميراً عـيناً ، يـقـف وراهـا إنسان متمرس إحترافيا لتجاوز الجروح المفتوحة في الجسد الإريتري ليس بحكم الإخراج الفنـي و إنما بسبب طبيعة الأفلام التسجيلية التي تم تسجيلها خلال الثلاثين عاما مضت و التي يحركها إنسان مناضل يؤمن بالقضية ، فكأنت لا تستطيع الهروب من لحظة الـحدث أثـناء التصوير إلى عوالم خيالية و لا تختبئى خلف شخصيات تسعى للظهور الإجتماعي ، و إنمـا شخصيات تعيش لحظات التوهج و التضحية من أجـل إريتريا، و ترسم لوحة فنية على التراب بشخوص إنسانية و مـمـوسـق بـأمطار الرصاص و أجساد معفرة بالدماء ، و يتم توثيقها وفـقـاً لرؤى الكاميرا الملتقطة لجزئيات الواقع المسجل خلال مراحل النضال ، و المونتاج الـذي يـعـيد بـنـاؤهـا الـيـوم في صيغة فنية جمالية تحمل بصمة المناضل الإريتري لأحداق الواقع الملتهبة في ذلك الوقـت مـن أجـل مـستقبل شعاره الحرية لإريتريا . و هـو إلـغـاء للـذاتـية و الإنـتـقـال إلى الضمير ( نحـن ) لأن القادمون في ذهـنـيـة كـجـراي (7) :
نحـن خـضـنا في طريـق
النصـر آلام الـبداية
و رفـعـنا رايـة الحـرية
نستـقبل أمـجاد النهاية
و توحدنا عـلى الـدرب
هـمـوما و قــلوبا و نـوايـا .
مع الكاميراً ، نـجـد بـيئـة خـلابــة لا تـقـاوم ، تِـشـعـل جـذوة الإبـداع الأدبـي ، و الذي نجده في كـافـة مناشط الحـياة الإريترية و تـراثها الحضاري ، حـيـث يعـتمـد الأدب الإريتري عـلـى عـدد مـن اللغات المحلية للتعبير عـن التجربة الشعورية للإنسان ، و اللغة مـن أهم العوامل المؤثرة في كافة التحولات الجارية على خارطة اريتريا الجغـرافـية الحالية ، و بنائها الاجتماعى و الثقافي و انعكاساتها على الأدب بـدءاً مـن الأدب الشفاهي وصولا الى أدب مدون بـالـلغات المكتـوبـة(8).
و ما يلفـت المشاهـد لهذة الفضائية توظيفها للغات الثلاث ( العربية ، و التجرينية ، و التجري) ، و هـو الملاحظ في نشرات الأخـبار ، و يضاف إليها الحصة الإخبارية باللغة الإنجليزية 0 أمـا اللغات الأخـرى فـتبرز مع تجـلـيات المكان و الإنسان ، و مراحـل النضال و الحرية ، التي أفـرزت تـراثـاً إريتـريـا بكافة اللغات المتداولة . فإذا اسـتثنينا اللغة العربية و أدابها و فنونها و ما سطره الإريتريون مـن إبداع في الخطاب التاريخي و السياسي و الأدبي فـإنـنـا نجد التجرنية ذات بـصمة واضحـة المعالم اليوم علىالساحة الإريترية لتكون نـبض لماضي لغُـوي متطور مـن لغة التجري ولـيدة لغة جـئـز (جعـز) التي أنـقـرضـت نظراً لإندماجها مع اللغات المحلية للسكان ، و لم يبق منها إلا خطهـا المسند القديم الذي أنتشر في جنوب الجزيرة العربية ، و أنـتـقل إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر مع الهجرات السامية الأولى ، حيث كتب به الجعزيون/ قبائل الأجاعـزة الـعـربـية ، الذين حوروا بعض الشئ في أشكال حروفه (10) . و جمعت نصوصهم بين اللغات المحلية و اللغة العربية . و يــرى بعض اللغويين أن تسميات الحروف و ترتيبها فيما أحتفظت به الأبجدية الحبشية قد تـلـقـى ضـوءاً عـلى تسميات و ترتيب الحروف في الجنوب العربي القديم نظراً للصلات المكانية و البشرية بين الجانبين (11).
و تـأتـي لـغـة التـجـري لتكون الوسيط المتطور للغة جـئـز بعد إندماجها مع اللغات المحلية الأخرى إلا أنها تحتفظ بخصائص و أسـس اللغة السـامـية الأولى ، لذلك نجـد تـقـاربـاً واضحـاً بينها و بين اللغة العربية مـن حـيـث الأسلـوب و تشـابـة المفردات و صيغ الأفعال حتى يظـن السامع أنه يستمع إلى مقاطع مـن لهجـة عـربية في بعض الأحيان (12). و حـسـب تـصنـيف المصادر العلمـية فـإن التـجـري لـغـة شـعـر راقية ، ( و قد جمع المبشر الألماني (ليتمان) أغاني و أشعار التجري في خمسة مجلدات ، و نشرها في عام 1910م و برهن على أن التجري أغنى بالمفردات من أي لهجة سامية أخرى في شمال شرقي إفريقيا . و كتب عنها دلمـان كتابه المعروف عن اللغات السامية في إريتريا و شرحه منزنجر في منتصف القرن التاسع عشر(13).
ان اللغات الإريترية الأخرى ، تبرز ضمن النسق العام للفنون الإريترية ، حيث نشاهد لمسات فنية لرقصات أفريقية ذات إيقاع موسيقي متوازن بين فـنـون الغابـة و المـاء ( النيل ) مما ينعكس على الأداء الفني بين العنف و الحيوية .. و الجمال ، و هي فنون تؤديها الشعوب النيلية ( النارا – الكوناما ). فإذا انتقلت الكاميرا من مكان لأخـر على ساحل البحر الأحمر ، فـإن فـن الرقص الدنكلي( لآلـي )، و ( قـودا )، و هـما مـن الفنون المعروفة في جنوب الجزيرة العربية ( سيف عزاوي ، و الرجحة)، و كذلك فـن شعـر المعـارضـة أو المحاورة ، حيث يؤرخ الـدـناكل بطولاتهم شعراً ، و يستخدم لديهم لأغراض ثلاث( الهجاء - التحدي - التحـذير) و يعـرف هذا النوع من القصائد الشعرية بإسم ( َكاًسُو Kassow ) تـردد فيه المقاطع عند الألـقـاء عـدة مـرات ، و قـد يغـير الشاعر كلمة في أحـد الأبيات من القصيدة ، و ذلك للتخفيف من عملية التكرار و المعنى واحد لا يتغير ، و الصورة العامة للحدث واحـدة ، حيث أن العامة تـقـوم بالاستماع و الحفظ و الإلـقـاء على ضوء فهم الصورة العامة للقصيدة (14).