غبار الروح
بقلم: خلدون الدالي
كان المساء يهبط ببطء، مثل وشاح ثقيل يغطي المدينة. ظلال المصابيح تمتد على الأرصفة، والبرد يتسلل كخيط ماء بارد بين الأقدام المتعبة. كانت تسير وحدها، لا تتعمد ذلك، لكن العالم كان قد أصبح ضيقًا بما يكفي ليتسع لها فقط.
في الواجهة الزجاجية لمقهى على زاوية الشارع، رأت انعكاس وجهها. لم تكن متأكدة إن كان ذلك الوجه ينتمي إليها، أم أنه مجرد ظل لامرأة عبرت هنا ذات يوم ولم تترك أثرًا. لمست خدها، كأنها تحاول التأكد من وجودها. كانت الحياة تحدث في الخارج، لكن بداخلها كان كل شيء ساكنًا، متوقفًا عند لحظة لم تعد تتذكرها بدقة، لكنها تعلم أنها كانت هناك، مختبئة بين تفاصيلها.
جلست على الطاولة القريبة من النافذة، وأخرجت دفترًا صغيرًا، أزرق الغلاف، مرهق الحواف. حاولت أن تكتب شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات كانت ثقيلة، صلبة كحصى الطريق. هل فقدت قدرتها على البوح؟ هل جفت ينابيع الحروف في قلبها؟ أم أن الحياة أصبحت أكثر صمتًا مما ينبغي؟
رجل كان يجلس قبالتها، يقرأ صحيفة قديمة كأنها خبر جديد. عيناه تجولان بين السطور، لكنها شعرت أنه يقرأ شيئًا آخر، ربما كان يحاول أن يفهم صمتها، أو ربما لم يكن يراها أصلًا. في الخلفية، كانت الأغنية القادمة من المذياع تتحدث عن حب بعيد، عن انتظار بلا جدوى.
أغلقت دفترها، كما تغلق نافذة على عاصفة لا تريد أن تراها. نهضت ببطء، دفعت ثمن قهوتها الباردة، وغادرت المقهى دون أن تلتفت. خارجًا، كانت المدينة تواصل دورانها المعتاد، غير عابئة بأرواح تبحث عن ظل، عن دفء، عن كلمة لم تُكتب بعد.
---
يوليو2024م