محمود شاهين
رحيل معلن إلى رحاب المطلق الأزلي !
رواية في حلقات
(1) ما قبل الإنتحار!
وهو يتأمل المسدس الذي ابتاعه لينتحر به ، بعد أن ضاقت الدنيا برحابتها في وجهة ، مثلت في مخيلة الأديب محمود أبو الجدايل ، صورته وهو ينحشرفي قبو مطار دمشق مع مئات الفارين من جحيم الحرب المستعرة في سوريا منذ أكثر من عام .
لم يتصور يوما أنه سيجد نفسه في هذا الوضع المزري مع مئات النساء والرجال والأطفال، وسط لهيب حر خانق ، وازدحام شديد.
حين استيقظ من النوم متأخرا ذلك اليوم ، الثامن عشر من تموز ، تناهى إلى مسمعه قصف مدفعي عنيف ناحية الميدان والتضامن. ألقى نظرة عبر باب الصالون . شاهد نسقا منتظما من دخان القذائف يزداد طولا كلما سقطت قذيفة جديدة .لم يسمع أو ير مثل هذا القصف طوال ستة عشر شهرا على بدء الاحداث في سوريا .
سارع إلى عمل الشاي الذي اعتاد أن يبدأ نهاره به ، وفيما هو يحتسيه جاءه هاتف من ابنه في عمان يطلب إليه مغادرة دمشق فورا. ولم تمر سوى دقائق حتى جاءه هاتف من ابنته في الكويت تحثه على المغادرة وجوا لأن طريق البر ليست آمنة . واخبرته أنها ستحجز له على الأردنية .
" لم يفكر حتى حينه في ترك بيته مهما حدث . كان يفضل الموت فيه على مغادرته . ففيه روحه وأحلامه وعقله ، ذاكرته وذكرياته ، مؤلفاته ومخطوطاته ، لوحاته ومنحوتاته ، ،تحفه ومقتنياته . مكتبته الهائلة الزاخرة بأهم الكتب التي يحتاج إليها ، وخاصة تلك المتعلقة بالفلسفة وبأبحاثه في المعتقدات الدينية والأساطير لدى الشعوب .كان يفضل الموت مع عالمه هذا على أن يغادره عاريا من كل شيء ، إلا من دماغ يحتاج إلى دهر لاستعادة بعض ما يختزنه من معرفة وذكريات إلى النور . وماذا عن دمشق ، دمشق المدينة التي فضل العيش فيها على أجمل مدن العالم ، هل سيترك دمشق ؟ محال ! بل مستحيل ! "
" لكن مكالمة ابنه جعلته يدرك أكثر من أي وقت آخر أن ينجو بنفسه ، فما الذي سيجنيه من الموت مع أعماله ؟ ليكسب نفسه على الأقل ، وإن كانت بلا ذاكرة ، وبلا روح ، وبلا حبيبة ، دمشق ! وبلا أم ، دمشق ! وبلا حضن ، دمشق ! مجرد هيكل جسدي آيل إلى السقوط .."
ولم يجد نفسه إلا وهو يهتف بلوعة من أعماق دخيلته ودمعتان تتدحرجان على وجنتيه "آه يا دمشق ! آ......ه ي....ا دمشق ! آه يا أمي ، آه يا حبيبتي ، آه ياحزني الكبير"
كانت دمشق بالنسبة إليه أمه بالرضاعة ، كما كان يقول في بعض حواراته الصحفية ، أما القدس فلم تكن إلا أمه بالولادة ، لكنها لم ترضعه قطرة من حليبها ، ولم يعرف طعمه رغم محبته لها، دمشق هي من ألقمته ثديها منذ أن لجأ إليها قبل أكثر من أربعين عاما ، ومنحته كل حنان الأمومة ، وأغدقت عليه معرفتها الشاملة ، حتى كونت شخصيته .
يتبع
( 2) الهروب !
اعتاد العيش وحيدا منذ قرابة عقدين من الزمن . ألف الوحده إلى حد لا يوصف . وشك في أنه سيكون قادرا على العيش مع ابنه وزوجته . زفر نفسا عميقا وهو يحتسي آخر جرعة من الشاي ، ونهض .غسل وجهه وارتدى ملابسه . لا بد من تحويل بعض النقود إلى عمان . له نقود على ابنه منذ أكثر من عقد من الزمن ، لكنه قد لا يعطيه إياها . سبق له أن احتاج إلى نقود
وطلب منه . ادعى أنه لا يملك نقودا .. ومنذ ذلك اليوم قرر أن يبقي نقوده تحت تصرفه . شرع في سحب بعض نقوده من البنك على دفعات ، حين أدرك أن البنك لن يعطيه كامل نقوده دفعة واحدة ، وهي لم تكن تتجاوز الخمسين ألف دولار جمعها من ريع لوحاته ، التي كان يعرضها في محلين في دمشق القديمة ، أغلقهما منذ بدء الأزمة . كما أنه أقام بعض المعارض في باريس وبرلين وبلدان أخرى .. كانت نقوده موضوعة بالدولار واليورو .. سحب معظمها ولم يبق إلا على خمسة آلاف يورو وبعض الدولارات.
حين ذهب أول مرة لسحب جزء من النقود استدعته مديرة البنك لتقول له " المواطن الشريف لا يسحب نقوده في هذه الظروف التي تمر بها البلد "
اضطر أن يخبرها أن دخله توقف وأنه لن يسحب إلا ما يكفيه لمصروفه !
كان يحتفظ بالنقود داخل كتب ويركنها إلى المكتبة . شرع في تناول بعض الكتب وأخذ المغلفات منها . ثمة نقود لم يضعها في البنك من الريال السعودي والدرهم الإماراتي والجنيه الإسترليني وغيرها من النقود . معظم زبائنه كانوا يدفعون له بعملاتهم . و وجود نبذة عنه
في أشهر الكتب السياحية العالمية عن سورية ولبنان وتحديد موقعه على خارطة دمشق القديمة جعل معرضية محطة لبعض الزائرين لا بد منها . وكان يقوم بتصوير بعض قصصه ورواياته المترجمة ويبيعها لمن يريد من السياح . ونظرا لأن النبذة عنه في كتاب ( لونلي بلانت ) السياحي كانت بعنوان " الفيلسوف ، الشاعر ، الرسام " إضافة إلى عشرات الحوارات والكتابات بلغات مختلفة التي كان يعلقها على جدران المحل ، فقد كان معظم الزائرين يرغبون في التعرف على فلسفته ، وهذا ما دفع راهبا دانمركيا يعمل مسؤولا لكنيسة في الكويت أن يحاوره على مدار يومين ليتعرف على فكر مختلف لم يعرفه أو يسمع عنه من قبل .وليتمنى لو أنه في مقدوره أن يبوح بهذا الفكر لرواد الكنيسة .
وهو يقترب من اوتوستراد الزاهرة الجديدة المؤدي إلى الصناعة وهدير المدافع يتناهى إلى مسامعه من ناحية الميدان والزاهرة والتضامن ، سمع صراخا قادما من ناحية الجسر المحلق .
أسرع الخطا ليطل على الشارع . هاله ما رأى . كان بحرا بشريا يفر مذعورا من مناطق القتال عبر الاوتوستراد . أطفال . فتيات. شباب . رجال. نساء. شيوخ . يجرون أو يسيرون بسرعة هاربين من جحيم الحرب .رجال ونساء يحملون أطفالا صغارا ويعدون . بعضهم يقودون أطفالا ويحملون أطفالا آخرين . بعضهم يصرخون ، وبعضهم يتأوهون أو يتحسرون ،
وبعضهم يفرون بصمت . وجوههم تعكس رعبا فظيعا ، ألما ، حزنا ، غضبا ، جنونا . وثمة حافلات تطلق أبواقها بين الجموع لعل فسحة تفتح لها لتمر .
أطبق بيديه على أنفه وفمه ومقدمة الهلع تقترب منه وبعض الفارين من الشباب يتجاوزونه .
أين سيجد حافلة تقله إلى السوق في هذا الجحيم ؟ وهؤلاء الناس إلى أين سيهربون ؟ هل لهم أقارب في وسط المدينة ؟ أم سيلجأون إلى المدارس والحدائق والطرقات ؟
تأوه من أعماقه وأطلق العنان لساقيه ، حين أدرك أنه سيذهب إلى السوق سيرا على الأقدام ، فيما كانت دخيلته تصطرع بالغضب والجنون والألم والرعب .
يتبع