ما أطرف هذه القصّة التي حصلت قبل سنين عديدة لشاب اسمه عامر مع أمّه. فمنذ أن كان طفلاً وهو يسمعها تقول وتردد له "يومي قبل يومك يا حبيبي". وحين صار شاباً أراد أن يمازحها بخبث ويختبر صدق قولها. جاءها ذات ضحى وهو بالكاد يستطيع إخفاء ابتسامتة، قال...
-أمي....لقد صرت كبيراً الآن و....
قاطعته بشهقة حب فزعة وفتحت ذراعيها وضمته لصدرها بقوة وهي تقول
-يومي قبل يومك يا حبيبي. لم يبقَ لي سواك على هذه الدنيا. لا تقل إنك كبرت، ستبقى في عيني وليداً مهما طال الزمن.
علّق رأسه بذقنه على كتفها وأفرج خلفها عن ابتسامته. أخذ يداعب طرف ظفيرتها المتسللة من تحت غطاء رأسها وهو يقول
-أمي.....قبل قليل في السوق صادفت رجلاً قال إن اسمه سعيد، وقال إنه كان رفيق أبي الدائم في تجارته مع الساحل، ولمّا أخبرته بحالنا بعد وفاة أبي رقّ لي وطلب منّي أن أذهب معه لأتعلم التجارة.......أرجوك يا أمّي اسمحي لي بالذهاب معه. ستغادر القافلة بعد العصر.
-لكن بأي شيء ستتاجر يا ولدي؟!. أنت لا تملك أي شيء.
-هذه المرّة سأساعده في تجارته فقط، وقد يفتح الله عليّ.
بعد إصراره، وبعد دموع كثيرة ذرفتها من عينيها الجميلتين سمحت له بالذهاب. ودّعته وهي تردد جملتها "يومي قبل يومك يا حبيبي". ذهب عامر واختبأ في أحد البساتين حتى الليل. وحين أيقن أنّ أمّه ستكون قد نامت واستغرقت في النوم جاء للبيت متسللاً. طرق الباب بقوة، أجابته هي من الداخل فزعة
-من يطرق الباب؟
نكّر صوته وقال
-أنا ملك الموت....جئت أقبض روح ابنكِ عامر.
-عامر ليس هنا. اذهب عنّا.
-لا أستطيع الرجوع بدون روح، لا بد أن أقبض روح أحد، إن لم يكن عامر هنا فسأقبض روحكِ أنتِ بدلاً منه.
خافت الأم وارتعدت، ردّت عليه بصوت مخنوق
-لا...لا تقبض روحي. إذهب له واتركني. ستجده في قافلة متجه للساحل.
هنا ضحك عامر حتى كادت تنقطع أنفاسه، وعرفت هي أنها وقعت ضحيّة مكره. غضبت منه وحلفت أن لا يدخل البيت حتى الصباح. أخيراً أدركت الأم أن ولدها كبر وصار يفهم ما يدور حوله، وعندما جاء في الصباح وجدها على غير ما توقّع. وجدها سعيدة طيّبة الخاطر.....قالت له
-لقد كبرت يا عامر، وقد حان الوقت لتطلب الرزق، ورغم أنّك كنت تمزح معي بالأمس بخصوص التجارة إلا أنّي الآن أظن أنها فكرة صائبة. لماذا لا تذهب للساحل لتتاجر؟!
-لكن يا أمي أنا ليس عندي شيء أتاجر به كما تعرفين.
-لقد فكّرت في الأمر يا ولدي الحبيب. هل تعلم يا قرّة عيني أن الرماد الذي لاثمن له هنا يساوي الكثير هناك.
-حقاً يا أمي!!!!!. لكن ماذا يفعلون بالرماد.
-النساء يشترينه هناك يا ولدي، يخلطنه مع الطين فيصبح لزجاً ثم يستخدمنه لإزالة الشعر من الجسم، هل تصدّق أنهن يفعلن ذلك!!!.
-إن كان الأمر كذلك فسأملأ كيساً كبيراً بالرماد وأذهب به غداً مع القافلة.
وهكذا فعل عامر. ملأ كيساً كبيراً بالرماد وخرج مع أول قافلة متجهة للساحل. هناك جلس منذ الصباح على بوابة السوق فاتحاً كيس الرماد وينتظر المشتري. كثيرون مرّوا وسألوا "ما هذا؟" وعندما يخبرهم بأنه رماد كانوا يبتسمون ويمضون في طريقهم مخلفين علامات التعجب على وجهه.
بقي الأمر كذلك حتى جاءت امرأة عجوز، وكغيرها نظرت في الكيس ثم سألت
-ما هذا أيها الفتى؟!
-إنه رماد. أؤكد لكِ أنه نظيف من الشوائب، لقد جمعته بيدي هاتين.
رفعت العجوز عينيها عن الكيس وأخذت تتفرس في عامر الذي للتو بدأت خضرة خفيفة تعلو شاربيه. تبسّمت ثم قالت
-لابد أنّ أمّك هي من أرسلتك لتبيع الرماد هنا، ولابد أنّ أباك غائب.
اتسعت عينا عامر وتقوّس حاجباه لأعلى من الدهشة. قال لها
-نعم يا خالة. إن أبي متوفى، وأمي هي من نصحتني ببيع الرماد في الساحل. كيف عرفتي ذلك؟!؟!؟!
-لا عليك أيها الفتى الطيّب. الآن اسمع نصيحة خالتك، كاد السوق أن ينقضي، وستغرب الشمس عمّا
قريب، وأنت غريب هنا وليس لك مكان تبيت فيه. تعال معي الليلة واترك عنك كيس الرماد فلن يشتريه أحد منك.
استسلم عامر للعجوز وتبعها تاركاً كيس الرماد خلفه. حين وصلا للبيت طلبت منه أن يغتسل وأعطته ثياباً نظيفة ليلبسها. في ذلك الحين أرسلت العجوز في طلب زوجة القاضي الجميلة "طرفة". وحين حضرت طرفة كان عامر قد اغتسل ولبس حلته الجديدة وبدا شاباً رائعاً. قالت العجوز تكلّم طرفة
-طرفة، هذا الشاب غريب عن هنا، وليس له مكان يبيت فيه، أريدك أن تأخذيه هذه الليلة ليبيت معك.
-حباً وكرامة يا خالتي أم علي، لكن أمهليني حتى أجهّز له المكان.
وخرجت طرفة مسرعة وهي تمسح عامر بابتسامة شهيّة. ذهبت لبيتها وأعدت فراشها وبخّرت غرفتها وجهزتها بالماء والطعام. لبست عباءتها وانتظرت زوجها القاضي حتى عاد من صلاة العشاء. حين جاء قالت له
-الحمد لله أنّك لم تتأخر. خالتي أم علي مريضة وسأبيت معها الليلة. ربّما يأتي الليلة ابن عمّي وزوجته ليبيتا معنا فهما مسافران على السفينة مع الفجر، إذا جاء أدخلهم الغرفة فقد أعددتها لهم.
وخرجت طرفة مسرعة لبيت العجوز أم علي. ومن هناك أخذت معها عامر. طلبت منه أن يمشي أمامها لبيت زوجها وهي متجللة بالعباءة وبظلمة الليل، وأن يكلم زوجها القاضي بأنه ابن عمّها. حين وصلا البيت رحّب بهما القاضي أيما ترحيب وأدخلهما الغرفة ليناما وذهب هو لينام في ساحة البيت.
بعد أذان الفجر وحين أحسّت بالزوج قد خرج للصلاة أيقظت عامر وخرجا يمشيان لبيت العجوز أم علي. وهما في الطريق كان عامر يتفكّر فيما فعلته العجوز وزوجة القاضي، ووصلته الرسالة التي أرادت العجوز أن تصله. فهم أن بيع الرماد لم يكن سوى حيلة من أمّه لتبعده بعدما لاحظت أنّه كبر وصار يعقل ولماذا لم تدخله تلك الليلة للبيت.
قرر أنّه لا يستطيع النظر بعد الآن لعيني أمه وعزم على عدم العودة، وقبل أن يخرج من بيت العجوز أوصته وهي تنظر له بحنو كبير، قالت له
-لن تجد الأمور يسيرة يا ولدي، عليك بالصبر حتى تتعود عليه وتتلذذ به، حينها فقط ستجد الراحة.
فكّر أن يعمل حمّالاً في السوق، لكن يبدو أن قدره كان غير ذلك. وهو واقف يتحيّن فرصة أن يشتري أحدهم شيئاً ليحمله له أزاغته وكزة عنيفة في ظهره. التفت فإذا رجل يركب على جمل......نظر له عامر بغضب، لكن الرجل كان مشغولاً بالنظرعالياً لعملة معدنيه بين أصبعيه وهو يتمتم بشيء غير مفهوم. خفض بصره لعامر وألقى له الدرهم المعدني بين يديه وقال بلهجة آمرة متعالية
-يا فتى....أذهب لبائع التبغ هناك وأحضر لي صرّة نشوق. باقي الدرهم لك.....فلتفرح به ولتشكر لي أنا ابراهيم الكحلي من سادة البر الفارسي.
لم يتفوه عامر بشيء رغم غضبه فقد تذكّر وصية العجوز له بالصبر وانطلق لبائع التبغ. ابتاع صرة تبغ بالدرهم ولم يتبقى له شيء. أعطاها للرجل على ظهر الجمل وأخبره أنه لم يتبقّ له من الدرهم شيء.....فرك ابراهيم قليلاً من التبغ في راحة يده وتنشقه بأنفه. أخذ بعدها نفساً عميقاً والتفت لعامر قائلاً
-لم يتبقّ لك شيء؟!؟!؟....بائع مخادع، وجدك غراً فباعك التبغ بسعر مرتفع. كيف سأكافئك الآن وقد كان ذلك آخر درهم لدي؟!.
تمعّن عامر جيّداً في وجه الرجل، وكأنّه يقول في نفسه "سيّد من سادات البرّ الفارسي وليس في جيبه درهم!!!!"....ثم أراد أن يغيظه فقال
-لا عليك أيها السيّد. وإن احتجت مالاً فسأقرضك.
-من يقرضني؟!....أنت!!!....ابراهيم الكحلي يقترض من حمّال في السوق!!! لو لم تكن فتىً غرّاً لنزلت عليك بهذه العصا.
اقتنع عامر أن لا فائدة من الجدال مع شخص مثل ابراهيم فقرر تركه والمضي بعيداً في حين كان ابراهيم يدس كمية أخرى من النشوق في أنفه، وحين انتبه لغياب الفتى أخذ يتلفت باحثاً عنه دون جدوى. أحسّ بالندم لما قاله لعامر وظل يدور حول السوق حتى رآه يساعد أحدهم لرفع حمل على ظهر حمار. حين فرغ أقبل عليه يقول
-أيها الفتى....لقد أخطأت في كلامي لك. لا شك أن أمارات الأصل الطيّب والشرف بادية عليك، ولا يعيب سيد مثلي أن يقترض من رجل مثلك، وها أنا الآن أعرض عليك أن تقرضني ألف درهم، وأعدك أنّي سأعيدها لك مع مكافأة عظيمة.
حينها لم يتمالك عامر نفسه وأخذ يضحك بسخرية شديدة من إبراهيم الذي بدا عليه الغضب لكنّه تمالك نفسه كسيّد مهذّب وحاول تهدئتها بوجبة جديدة من النشوق. دار بجمله دورتين حول عامر الذي كان قد جلس ووضع رأسه بين ركبتيه بعدما كادت تنقطع أنفاسه من الضحك. من على ظهر جمله صاح ابراهيم يكلم عامر وهو ينظر باتجاه قمم الجبال البعيدة
-أيها الفتى الغرّ، ألم تتعلم كيف تتصرف في حضرة السادة؟
التقط عامر بضعة أنفاس ورفع رأسه وقال بصوت نصفه ضحك
-وأنت أيها السيّد من البر الفارسي، ألا تعلم أنّ من يملك ألف درهم لن يعمل حمّالاً؟!.
-كنت تسخر منّي إذاً حين قلت أنّك مستعد لإقراضي.
حينها تبدّلت ملامح عامر فجأة ولبس وجهه لبوس الأسى وأطلق هو الآخر بصره نحو قمم الجبال البعيدة. قال بعد صمت قصير عميق
- يا إبراهيم.....أنا مجرّد يتيم فقير أبحث عن قوتي في هذه البلدة الغريبة.
دفقة من عطف وحنو ملأت عيني ابراهيم واشتاقت لتضم الفتى، لكنّه لم يسمح لهما إلا بنظرة خاطفة وعاد بهما نحو الأفق. أخرج صرّة نشوقه ودسّ في أنفه منها. قال وهو يحاول استعادة هيبة صوته
-أنت الآن في حمى ابراهيم الكحلي فلتكن قوياً مثلي. لا تقل إنك يتيم بعد اليوم. أعدك أنّي سأجعلك أغنى أهل هذه البلاد إن رضيت أن تكون مساعدي فيما جئت من أجله.
-ههههه....أغنى أهل البلد؟!؟!....هل تسخر منّي بالمقابل؟
يتبع...