منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 03-05-2013, 12:41 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سالم الجابري
أقلامي
 
إحصائية العضو







سالم الجابري غير متصل


افتراضي ابراهيم الكحلي

ما أطرف هذه القصّة التي حصلت قبل سنين عديدة لشاب اسمه عامر مع أمّه. فمنذ أن كان طفلاً وهو يسمعها تقول وتردد له "يومي قبل يومك يا حبيبي". وحين صار شاباً أراد أن يمازحها بخبث ويختبر صدق قولها. جاءها ذات ضحى وهو بالكاد يستطيع إخفاء ابتسامتة، قال...

-أمي....لقد صرت كبيراً الآن و....
قاطعته بشهقة حب فزعة وفتحت ذراعيها وضمته لصدرها بقوة وهي تقول

-يومي قبل يومك يا حبيبي. لم يبقَ لي سواك على هذه الدنيا. لا تقل إنك كبرت، ستبقى في عيني وليداً مهما طال الزمن.
علّق رأسه بذقنه على كتفها وأفرج خلفها عن ابتسامته. أخذ يداعب طرف ظفيرتها المتسللة من تحت غطاء رأسها وهو يقول

-أمي.....قبل قليل في السوق صادفت رجلاً قال إن اسمه سعيد، وقال إنه كان رفيق أبي الدائم في تجارته مع الساحل، ولمّا أخبرته بحالنا بعد وفاة أبي رقّ لي وطلب منّي أن أذهب معه لأتعلم التجارة.......أرجوك يا أمّي اسمحي لي بالذهاب معه. ستغادر القافلة بعد العصر.

-لكن بأي شيء ستتاجر يا ولدي؟!. أنت لا تملك أي شيء.

-هذه المرّة سأساعده في تجارته فقط، وقد يفتح الله عليّ.
بعد إصراره، وبعد دموع كثيرة ذرفتها من عينيها الجميلتين سمحت له بالذهاب. ودّعته وهي تردد جملتها "يومي قبل يومك يا حبيبي". ذهب عامر واختبأ في أحد البساتين حتى الليل. وحين أيقن أنّ أمّه ستكون قد نامت واستغرقت في النوم جاء للبيت متسللاً. طرق الباب بقوة، أجابته هي من الداخل فزعة

-من يطرق الباب؟
نكّر صوته وقال

-أنا ملك الموت....جئت أقبض روح ابنكِ عامر.

-عامر ليس هنا. اذهب عنّا.

-لا أستطيع الرجوع بدون روح، لا بد أن أقبض روح أحد، إن لم يكن عامر هنا فسأقبض روحكِ أنتِ بدلاً منه.
خافت الأم وارتعدت، ردّت عليه بصوت مخنوق

-لا...لا تقبض روحي. إذهب له واتركني. ستجده في قافلة متجه للساحل.
هنا ضحك عامر حتى كادت تنقطع أنفاسه، وعرفت هي أنها وقعت ضحيّة مكره. غضبت منه وحلفت أن لا يدخل البيت حتى الصباح. أخيراً أدركت الأم أن ولدها كبر وصار يفهم ما يدور حوله، وعندما جاء في الصباح وجدها على غير ما توقّع. وجدها سعيدة طيّبة الخاطر.....قالت له

-لقد كبرت يا عامر، وقد حان الوقت لتطلب الرزق، ورغم أنّك كنت تمزح معي بالأمس بخصوص التجارة إلا أنّي الآن أظن أنها فكرة صائبة. لماذا لا تذهب للساحل لتتاجر؟!

-لكن يا أمي أنا ليس عندي شيء أتاجر به كما تعرفين.

-لقد فكّرت في الأمر يا ولدي الحبيب. هل تعلم يا قرّة عيني أن الرماد الذي لاثمن له هنا يساوي الكثير هناك.

-حقاً يا أمي!!!!!. لكن ماذا يفعلون بالرماد.

-النساء يشترينه هناك يا ولدي، يخلطنه مع الطين فيصبح لزجاً ثم يستخدمنه لإزالة الشعر من الجسم، هل تصدّق أنهن يفعلن ذلك!!!.

-إن كان الأمر كذلك فسأملأ كيساً كبيراً بالرماد وأذهب به غداً مع القافلة.

وهكذا فعل عامر. ملأ كيساً كبيراً بالرماد وخرج مع أول قافلة متجهة للساحل. هناك جلس منذ الصباح على بوابة السوق فاتحاً كيس الرماد وينتظر المشتري. كثيرون مرّوا وسألوا "ما هذا؟" وعندما يخبرهم بأنه رماد كانوا يبتسمون ويمضون في طريقهم مخلفين علامات التعجب على وجهه.
بقي الأمر كذلك حتى جاءت امرأة عجوز، وكغيرها نظرت في الكيس ثم سألت

-ما هذا أيها الفتى؟!

-إنه رماد. أؤكد لكِ أنه نظيف من الشوائب، لقد جمعته بيدي هاتين.

رفعت العجوز عينيها عن الكيس وأخذت تتفرس في عامر الذي للتو بدأت خضرة خفيفة تعلو شاربيه. تبسّمت ثم قالت

-لابد أنّ أمّك هي من أرسلتك لتبيع الرماد هنا، ولابد أنّ أباك غائب.
اتسعت عينا عامر وتقوّس حاجباه لأعلى من الدهشة. قال لها

-نعم يا خالة. إن أبي متوفى، وأمي هي من نصحتني ببيع الرماد في الساحل. كيف عرفتي ذلك؟!؟!؟!

-لا عليك أيها الفتى الطيّب. الآن اسمع نصيحة خالتك، كاد السوق أن ينقضي، وستغرب الشمس عمّا
قريب، وأنت غريب هنا وليس لك مكان تبيت فيه. تعال معي الليلة واترك عنك كيس الرماد فلن يشتريه أحد منك.

استسلم عامر للعجوز وتبعها تاركاً كيس الرماد خلفه. حين وصلا للبيت طلبت منه أن يغتسل وأعطته ثياباً نظيفة ليلبسها. في ذلك الحين أرسلت العجوز في طلب زوجة القاضي الجميلة "طرفة". وحين حضرت طرفة كان عامر قد اغتسل ولبس حلته الجديدة وبدا شاباً رائعاً. قالت العجوز تكلّم طرفة

-طرفة، هذا الشاب غريب عن هنا، وليس له مكان يبيت فيه، أريدك أن تأخذيه هذه الليلة ليبيت معك.

-حباً وكرامة يا خالتي أم علي، لكن أمهليني حتى أجهّز له المكان.

وخرجت طرفة مسرعة وهي تمسح عامر بابتسامة شهيّة. ذهبت لبيتها وأعدت فراشها وبخّرت غرفتها وجهزتها بالماء والطعام. لبست عباءتها وانتظرت زوجها القاضي حتى عاد من صلاة العشاء. حين جاء قالت له

-الحمد لله أنّك لم تتأخر. خالتي أم علي مريضة وسأبيت معها الليلة. ربّما يأتي الليلة ابن عمّي وزوجته ليبيتا معنا فهما مسافران على السفينة مع الفجر، إذا جاء أدخلهم الغرفة فقد أعددتها لهم.

وخرجت طرفة مسرعة لبيت العجوز أم علي. ومن هناك أخذت معها عامر. طلبت منه أن يمشي أمامها لبيت زوجها وهي متجللة بالعباءة وبظلمة الليل، وأن يكلم زوجها القاضي بأنه ابن عمّها. حين وصلا البيت رحّب بهما القاضي أيما ترحيب وأدخلهما الغرفة ليناما وذهب هو لينام في ساحة البيت.
بعد أذان الفجر وحين أحسّت بالزوج قد خرج للصلاة أيقظت عامر وخرجا يمشيان لبيت العجوز أم علي. وهما في الطريق كان عامر يتفكّر فيما فعلته العجوز وزوجة القاضي، ووصلته الرسالة التي أرادت العجوز أن تصله. فهم أن بيع الرماد لم يكن سوى حيلة من أمّه لتبعده بعدما لاحظت أنّه كبر وصار يعقل ولماذا لم تدخله تلك الليلة للبيت.
قرر أنّه لا يستطيع النظر بعد الآن لعيني أمه وعزم على عدم العودة، وقبل أن يخرج من بيت العجوز أوصته وهي تنظر له بحنو كبير، قالت له

-لن تجد الأمور يسيرة يا ولدي، عليك بالصبر حتى تتعود عليه وتتلذذ به، حينها فقط ستجد الراحة.
فكّر أن يعمل حمّالاً في السوق، لكن يبدو أن قدره كان غير ذلك. وهو واقف يتحيّن فرصة أن يشتري أحدهم شيئاً ليحمله له أزاغته وكزة عنيفة في ظهره. التفت فإذا رجل يركب على جمل......نظر له عامر بغضب، لكن الرجل كان مشغولاً بالنظرعالياً لعملة معدنيه بين أصبعيه وهو يتمتم بشيء غير مفهوم. خفض بصره لعامر وألقى له الدرهم المعدني بين يديه وقال بلهجة آمرة متعالية

-يا فتى....أذهب لبائع التبغ هناك وأحضر لي صرّة نشوق. باقي الدرهم لك.....فلتفرح به ولتشكر لي أنا ابراهيم الكحلي من سادة البر الفارسي.

لم يتفوه عامر بشيء رغم غضبه فقد تذكّر وصية العجوز له بالصبر وانطلق لبائع التبغ. ابتاع صرة تبغ بالدرهم ولم يتبقى له شيء. أعطاها للرجل على ظهر الجمل وأخبره أنه لم يتبقّ له من الدرهم شيء.....فرك ابراهيم قليلاً من التبغ في راحة يده وتنشقه بأنفه. أخذ بعدها نفساً عميقاً والتفت لعامر قائلاً

-لم يتبقّ لك شيء؟!؟!؟....بائع مخادع، وجدك غراً فباعك التبغ بسعر مرتفع. كيف سأكافئك الآن وقد كان ذلك آخر درهم لدي؟!.
تمعّن عامر جيّداً في وجه الرجل، وكأنّه يقول في نفسه "سيّد من سادات البرّ الفارسي وليس في جيبه درهم!!!!"....ثم أراد أن يغيظه فقال

-لا عليك أيها السيّد. وإن احتجت مالاً فسأقرضك.

-من يقرضني؟!....أنت!!!....ابراهيم الكحلي يقترض من حمّال في السوق!!! لو لم تكن فتىً غرّاً لنزلت عليك بهذه العصا.

اقتنع عامر أن لا فائدة من الجدال مع شخص مثل ابراهيم فقرر تركه والمضي بعيداً في حين كان ابراهيم يدس كمية أخرى من النشوق في أنفه، وحين انتبه لغياب الفتى أخذ يتلفت باحثاً عنه دون جدوى. أحسّ بالندم لما قاله لعامر وظل يدور حول السوق حتى رآه يساعد أحدهم لرفع حمل على ظهر حمار. حين فرغ أقبل عليه يقول

-أيها الفتى....لقد أخطأت في كلامي لك. لا شك أن أمارات الأصل الطيّب والشرف بادية عليك، ولا يعيب سيد مثلي أن يقترض من رجل مثلك، وها أنا الآن أعرض عليك أن تقرضني ألف درهم، وأعدك أنّي سأعيدها لك مع مكافأة عظيمة.

حينها لم يتمالك عامر نفسه وأخذ يضحك بسخرية شديدة من إبراهيم الذي بدا عليه الغضب لكنّه تمالك نفسه كسيّد مهذّب وحاول تهدئتها بوجبة جديدة من النشوق. دار بجمله دورتين حول عامر الذي كان قد جلس ووضع رأسه بين ركبتيه بعدما كادت تنقطع أنفاسه من الضحك. من على ظهر جمله صاح ابراهيم يكلم عامر وهو ينظر باتجاه قمم الجبال البعيدة

-أيها الفتى الغرّ، ألم تتعلم كيف تتصرف في حضرة السادة؟
التقط عامر بضعة أنفاس ورفع رأسه وقال بصوت نصفه ضحك

-وأنت أيها السيّد من البر الفارسي، ألا تعلم أنّ من يملك ألف درهم لن يعمل حمّالاً؟!.

-كنت تسخر منّي إذاً حين قلت أنّك مستعد لإقراضي.

حينها تبدّلت ملامح عامر فجأة ولبس وجهه لبوس الأسى وأطلق هو الآخر بصره نحو قمم الجبال البعيدة. قال بعد صمت قصير عميق

- يا إبراهيم.....أنا مجرّد يتيم فقير أبحث عن قوتي في هذه البلدة الغريبة.

دفقة من عطف وحنو ملأت عيني ابراهيم واشتاقت لتضم الفتى، لكنّه لم يسمح لهما إلا بنظرة خاطفة وعاد بهما نحو الأفق. أخرج صرّة نشوقه ودسّ في أنفه منها. قال وهو يحاول استعادة هيبة صوته

-أنت الآن في حمى ابراهيم الكحلي فلتكن قوياً مثلي. لا تقل إنك يتيم بعد اليوم. أعدك أنّي سأجعلك أغنى أهل هذه البلاد إن رضيت أن تكون مساعدي فيما جئت من أجله.
-ههههه....أغنى أهل البلد؟!؟!....هل تسخر منّي بالمقابل؟


يتبع...







التوقيع

http://www.facebook.com/salim.aljabri.752

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 03-05-2013, 12:43 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
سالم الجابري
أقلامي
 
إحصائية العضو







سالم الجابري غير متصل


افتراضي رد: ابراهيم الكحلي

أيها القراء الكرام، سأنتهز فرصة تحاورهما لأخبركم عن ابراهيم هذا. إنه في الأربعين من عمره، وهو فعلاً كما يقول من سادة العرب في البر الفارسي. وقد وقع في غرام أميرة فارسية أسماها تارا شقيقة أحد النبلاء الفرس وهو جمشيد حاكم ميناب، لكن هذا الأخير رفض تزويجه إياها، ثمّ لمّا هاجمت جموع من قومية البلوش ميناب وكادوا يطيحون بجمشيد وحاصروا قصره أرسل هذا الأخير يستعين بابراهيم ومن معه من العرب، ووعده إن هو استطاع فكّ حصار البلوش أن يزوجه شقيقته الحسناء تارا.

حاول ابراهيم تكوين جيش من العرب لنصرة جمشيد، لكنّه لم يكن يحضى بدعم قبيلته بعدما بدد الثروة التي ورثها عن أبيه في أقل من سنة على غرامياته. كما أنهم يعرفون أن جمشيد لن يعطيهم من الغنائم إن هم حاربوا معه. وهكذا رفضوا كلهم الخروج مع إبراهيم الكحلي. لكن ذلك لم يكن ليثنيه عن عزمه على تخليص جميلته تارا من حصار البلوش فلبس عدّة الحرب وركب جمله باتجاه ميناب.

طوال يومين في الطريق كان يفكّر في خطّة محكمة يستطيع بها فكّ الحصار عن القصر. وأخيراً استقرّ أمره على أن يتسلل في الليل لقمّة الجبل المواجهة لبوابة القصر الكبيرة، وعند أول خيط نور سيهبط بجمله مسرعاً نحو البوابة شاهراً سيفه ورمحه. فكّر أن منظره وهو هابط كالصخرة من أعلى الجبل سيخيف من يحاصر البوابة، وحين يصل هناك سيقاتلهم من على جمله برمحه الطويل حتى يفنيهم كلّهم. وكان يتخيّل كيف أنّه بعد ذلك سيدخل ساحة القصر معلناً النصر، وستطل تارا من نافذتها وتلوّح له بأحلى يدٍ رأتها عيناه.
وفعلاً نجح ابراهيم في التسلل لقمّة الجبل المواجه للبوابة، وبات يراقب منتظراً أول خيط نور ليختار طريقاً مناسباً للإنقضاض عليهم من أعلى. وحين حانت الساعة قام وأخرج صرّة نشوقه وأخذ منها استعداداً للهجوم. وقبل أن يركب جمله لاحظ على بعد خطوات بصيصاً من نور رقيق يتسلل من بين كومة أحجار جمعت على بعضها. أزاح الأحجار فإذا بما يشبه البيضة الكبيرة تشعّ بنورٍ قمريٍ بارد. لم يعرف ما هي لكنّه تخيلها كخدِّ حبيبته تارا واعتبرها فألاً حسناً. ثمّ خطرت له فكرة.....فكّر لو أنّه ثبّتها في عمامته ستزيد من هيبته في قلوب البلوش.

ما حصل بعد ذلك كان عجيباً فعلاً. فمع انطلاقه من فوق الجبل على ظهر جمله كالصخرة المتردية نحو البوابة، وما إن رأته الجموع التي كانت تحاصر القصر حتى بدأوا بالصراخ والفرار. حتى هو لم يتوقع هذه النتيجة السريعة، وعندما اقترب من البوابة لم يكن بقي منهم أي أحد. لكن السيء في الأمر أنّه لم يستطع إيقاف الجمل المنطلق بسرعة كبيرة، وانتهى الأمر به أن يصطدم هو بسقف البوابة المنخفض ويسقط من على ظهر الجمل ويغمى عليه.
حقيقة ما حصل هو أن ذلك الشيء المضيء الذي يشبه البيضة الذي وضعه ابراهيم في عمامته كان لؤلؤة ضخمة تخصّ غولاً طائراً. وكما كان معروفاً عن الغول الطائر فهو يبقي لؤلؤته في جوفه طول الوقت. لكنّه إذا أراد أن يأكل تعيّن عليه أن يتقيأها ويخفيها في مكان ما ثم يعود لابتلاعها مرّة أخرى بعد الأكل. حين عاد الغول يبحث عن لؤلؤته ورآها في عمامة ابراهيم كان يطير خلفه فارداً جناحيه الجلديين يريد استعادتها. وجود الغول فوق رأس ابراهيم كان كفيلاً بإخافة مدينة كاملة، وهذا ما حصل للذين كانوا يحاصرون القصر. الغول استطاع أختطاف لؤلؤته والطيران بعيداً قبل أن يصطدم ابراهيم ويقع.

لحظات وكان ابراهيم ممدداً في ساحة القصر الداخلية يحيط به الخدم والحرّاس على شكل دائرة. نزل الأمير جمشيد تتبعه شقيقته تارا، وكلما أسرعت لتنظر لحبيبها أمسكها جمشيد بيدها وغرس مسامير عينيه في رأسها. حين وصلا أفسح لهما الخدم ليقفا على رأس الفارس الممدد الذي أنقذ القصر. لم تتمالك تارا نفسها وكادت تلقي بها على ابراهيم لولا جذبة عنيفة من أخيها جمشيد، ثمّ صرخ في وجهها
-هل جننتِ؟!
-ماذا فعلت لتتهمني بالجنون؟!....ألم ينقذنا ويخاطر بحياته من أجلنا!!.
قالت ذلك وأطرقت بعينيها التين تظللهما الرموش الطويلة للأرض وانسابت منهما دمعتان كاد كل من في القصر أن يسمع وقعهما على الأرض.
ثم استدركت القول
-ثمّ إنّي كنت أنوي أن أخرج صرّة التبغ من جيبه وأضع له بعض النشوق في أنفه ليفيق.
ردّ جمشيد بدهشة
-وما أدراكِ أنّه يضع صرّة نشوق في جيبه؟!
أخذت عينا تارا المسكينة تدور في رأسها تبحث عن إجابة ممكنة. لكن فوجئ الجميع بعطسة قوية من ابراهيم جعلت كل من حوله يتراجع للخلف. كان أحد الحراس قد أخرج صرة نشوقه ووضع منها في أنفه.
قام ابراهيم بقامته الطويلة وسط دهشة وذهول الجميع إلا تارا التي كانت تقفز وتضم يديها لصدرها من الفرح. وهو رغم كثرة الواقفين حوله إلا أنّه لم يرَ سواها. اندفع نحوها واندفعت نحوه، وكادا يلتقيان لولا وقوف جمشيد بوجهه المتجهم بينهما. هنا استعاد ابراهيم وعيه وجدّيته، قال لجمشيد
-ها قد خلّصتك وأنقذت قصرك، وأنت وعدتني بأن تزوجني تارا إن فعلت ذلك. والآن أنتظر أن تفي بوعدك.
استدار جمشيد في اتجاه تارا ودفعها بيده بضع خطوات للوراء. ثم استدار مرّة أخرى ليواجه ابراهيم عاقداً يديه خلف ظهره ومبتسماً بشفتي وأسنان ثعلب.....قال
-وأنا عند وعدي يا ابراهيم. لكنك تعلم جيداً كيف هو قدر تارا عندي وعند شعبي. إنها نجمة ميناب ونورها......لذلك تستحقّ أن يكون مهرها غالياً. أنا لن أطلب منك أشياء كثيرة، سأطلب منك شيئاً واحداً فقط، وهو كما اتضح لنا اليوم بسيط جداً بالنسبة لك.....لن أطلب منك سوى لؤلؤة غول طائر واحدة.
-ماذا؟!؟!؟!؟.....ماذا تقول يا جمشيد؟!؟!؟....ومن يستطيع أن يأتي بلؤلؤة غول طائر؟!!!!
-أنت يا إبراهيم الوحيد القادر على ذلك. لقد كنت تضع واحدة في عمامتك وأنت هابط نحو القصر حتى استعادها منك الغول الذي كان يطير فوقك.....كفاك تواضعاً يا سيّد العرب فقد رأينا كل شيء.
-وهل كان ذلك الشيء لؤلؤة غول؟!؟!؟!.
-انتهى الأمر يا ابراهيم. إما أن تحضر اللؤلؤة أو لن تتزوج تارا.

ومضى جمشيد تاركاً الساحة وهو يدفع تارا المسكينة أمامه للداخل وهي بعد لم تملأ عينيها من حبيبها. وانفض الجميع عن ابراهيم الذي ظل مذهولاً لا يعرف ماذا يفعل. ولم يصحو من صدمته حتى نهرته إحدى وصيفات تارا ليفسح الطريق أمام ثلاثة من الخدم يحملون سجادة كبيرة لخارج القصر لإصلاحها كما يبدو. خرج بعدها يبحث عن جمله، وبعدما وجده قصد أحد البيوت التي تعوّد أن يزورها كلّما جاء لميناب. وحين فتح له الباب كانت هي ذات الوصيفة التي نهرته في ساحة القصر صباحاً. ألقى في يدها كيساً مملوءً بالدراهم وأدخلته للبيت، وبعد قليل خرجت السجادة الكبيرة من البيت يحملها الخدم الثلاثة وتتقدمهم الوصيفة عائدين بها للقصر ولغرفة الأميرة تارا بالذات. بالطبع كانت السجادة أثقل في طريق العودة، وكاد أحد حراس البوابة يتشكك في الأمر حين سمع ما يشبه صوت العطس من داخل السجادة، لكن شغلته الوصيفة حين التوت رجلها وسقطت بقربه، وكان عليه أن يحملها بيديه لداخل القصر.

في صباح اليوم التالي خرج ابراهيم من القصر كما دخل إليه مطوياً في سجّادة. وقضى بعدها شهراً كاملاً يسأل أين يمكن أن يجد غولاً طائراً ليأخذ لؤلؤته. أجمع كل من سألهم أن تلك تعتبر مهمة شبه مستحيلة، لأن الغيلان الطائرة لا تأكل إلا مرّة واحدة كل بضعة أشهر، وحينها فقط تخرج اللؤلؤة من جوفها. وحين تفعل ذلك تحرص على إخفائها في مكان مرتفع وآمن.

ما عرفه إبراهيم أيضاً عن الغيلان أن لها موسم تزاوج، ومن أجل ذلك تجتمع في وادي عظيم في جزيرة العرب يقع في قلب الصحراء يسمى الوادي الأحمر بسبب لون الكثبان التي تحيط به. لم يكن قد تبقى عند ابراهيم أي مال بعدما أعطى كل ماله لوصيفة تارا. احتار كيف سيتدبر أمر رحلته لجزيرة العرب، غير أنّه ليس بالذي توقفه الحيرة في مكان، بل مضى يحث جمله على السير نحو الميناء وحيرته تلهث خلفه.







التوقيع

http://www.facebook.com/salim.aljabri.752

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 03-05-2013, 01:38 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
سالم الجابري
أقلامي
 
إحصائية العضو







سالم الجابري غير متصل


افتراضي رد: ابراهيم الكحلي

بعد ثلاثة أيام من السير الحثيث كان ابراهيم يتهادى فوق جمله في الميناء جيئة وذهاباً، كان يتفحص الوجوه والأشياء ويتصيّد الكلمات الطائرة لعلّه يجد وسيلة ما ليركب سفينة ما إلى مكان ما على جزيرة العرب.
مضى نصف اليوم عليه دون فائدة، والأسوأ هو أن صرّة نشوقه باتت فارغة مما عكّر مزاجه. وهو على تلك الحال إذا بمجموعة من الرجال والنساء القرويين يتبعهم بعض الصبية قادمين من ناحية الجبل. كانوا جميعاً يتشاركون أمارات التعب ويتهامسون بقلق. وقف ينظر لهم حتى عبروا من أمامه وهم صامتون كأنهم لايريدون أحداً أن يعرف ما يدور بينهم. تملّكه الفضول الشديد فمد عصاه من فوق جمله أمام أحد الصبية في المؤخرة وسأله
-ماذا هناك أيها الفتى؟!.....أخبرني ماذا حدث.
-إنها بنت خالي أكرم. اليوم زفافها لكنّها هربت خوفاً من الزواج. منذ الصباح ونحن نبحث عنها في الجبل وكلما رأتنا فرّت بعيداً حتى تعبنا من ملاحقتها.
قال الصبي ذلك وانطلق مسرعاً ليلحق بالبقية. ولحق بهم ابراهيم أيضاً بعد أن أثاره الأمر. تقدم أمام أكرم ومن معه من الرجال والنساء وقال يعرض عليهم المساعدة
-لقد عرفت ان ابنتكم هربت للجبل خوفاً من الزواج، أنا مستعد لأن أجدها واقناعها بالرجوع.
-لقد حاولنا معها كثيرا، وإن استطعت أن تعيدها لنا فأنت تستحق مكافأة.
مكافأة.....ذلك ما كان يبحث عنه ابراهيم. ترك جمله عندهم وقصد الجبل ماشياً. دخل أول وادي صادفه بعدما ظنّ أنّه مكان مناسب للإختباء وأنها ربما فكّرت بالمثل. سار لبعض الوقت حتى أحسّ بالعطش والتعب. حاول العودة لكن يبدو أن عدم وجود النشوق والعطش قد أثّرا على إدراكه للجهات وانتهى به الأمر من شدّة الإجهاد أن تزل قدمه ويسقط وهو يحاول تسلّق إحدى الصخور. أغمي عليه لبعض الوقت، وعندما أعاد فتح عينيه كان رأسه في حجر فتاة حسناء تقطّر في فمه الماء بيدها المنقوشة بالحناء. للحظة اعتقد أنّه مات ودخل مباشرة للجنّة وأن تلك الفتاة هي إحدى الحور العين خصوصاً وأنها كانت ترتدي ثوب زفاف. لكن عاد له إدراكه حين كلّمته الفتاة قائلة
-كدت تموت يا هذا. مالذي جاء بك للجبل بدون ماء أو طعام؟!.....هل أنت هارب من أحد؟!.
وتخلّقت في ذهنه ساعتها خطة.....أجابها...
-نعم.....أنا هارب.....يريدون أن يزوجونني وأنا خائف.....أرجوكِ لا تخبري أحداً أنّكِ رأيتني.
-ماذا؟!؟!؟....أنت مثلي إذن!!!....هل تصدّق أني أنا أيضاً هاربة خوفاً من الزواج.
وجلس الهاربان يتحادثان وكل منهما مستأنس بالآخر. وحين غربت الشمس بحثا عن كهف ليبيتا فيه. كان ليل الجبل موحشاً وعواء الذئاب مخيفاً. ومن شدّة خوفهما التصقا ببعضهما حتى الصباح. حين استيقظا قال لها.....
-هل تعلمين أنّ ما فعلناه البارحة هو الزواج؟!!.
-حقاً؟!؟!؟!.....أهذا هو الزواج؟! ممممم هل تفكّر في العودة مثلي.
-نعم، إني أفكر بالعودة. ما رأيكِ؟

وهكذا نزل ابراهيم الكحلي من الجبل تتبعه العروس الجميلة ليعيدها لأهلها وقد باتت هي الآن مشتاقة للزواج، وتقديراً لجهده الذي استمرّ ليلة كاملة أعطاه أبوها عشرة دراهم مكافأة له. من تلك الدراهم العشرة دفع ابراهيم تسعة أجرة نقله مع جمله في السفينة للبر العربي وبقي له درهم واحد اشترى له به عامر صرّة نشوق.







التوقيع

http://www.facebook.com/salim.aljabri.752

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 05-05-2013, 12:53 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
سالم الجابري
أقلامي
 
إحصائية العضو







سالم الجابري غير متصل


افتراضي رد: ابراهيم الكحلي


تلك القصّة التي رويتها عن إبراهيم رواها هو بدوره لعامر وهما يجلسان تحت سدرة قريبة من السوق. ويبدو لي أنهما اتفقا بعدما أحسّ عامر بألفة شديدة تجاه هذا الوافد من برّ فارس وأنّه غدا متحمساً لخوض المغامرة معه. لكن ما هما قلقان بشأنه الآن هو أنهما لا يملكان أي مال ليشتريا راحلة أخرى يركبها عامر وطعاماً للرحلة.
وهما جالسان ومفلسان حتى من الأفكار إذا برجل ضخم ذو سحنة سوداء يعلّق في رقبته طبلاً يتجه نحوهما. حين وصل حيث يجلسان تحت السدرة استدار ليواجه مدخل السوق وبدأ يضرب طبلته حتى اجتمع حوله الناس من كل أرجاء السوق وأخذ ينادي بهم
-أيها الناس....أيها الناس.....قد أهدر الوالي دم قاطع الطريق حنظلة ومن معه من الصعاليك، وفوق ذلك فمن يقتله أو يقبض عليه له عشرة آلاف دينار.

لم تكد كلمة الدينار يكتمل دخولها لأذني ابراهيم حتى قام وشقّ الجموع حول المنادي ووقف وسطهم قائلاً
-أيها الناس.....أيها الناس....أنا ابراهيم الكحلي من سادات البرّ الفارسي أتعهد بأن أخلصكم من حنظلة وصعاليكه.
ضجّت الجموع حوله بالتهليل والصياح مما جعل الحماسة تتدفق لرأسه، سلّ سيفه ورفعه عالياً بينما هبّ بعض الرجال ليحملوه على الأكتف في موكب مهيب لمقرّ الوالي مردّدين أشعار الحماسة. عامر بقي تحت شجرته مبهوتاً لبعض الوقت كأن أحداً أفرغ عليه ماءً بارد. لم يصدّق ما أقدم عليه صاحبه للتو. "بالتأكيد هو لا يعرف من حنظلة هذا" ....هكذا خاطب عامر نفسه ثم هزّ وجهه ليصحو من الصدمة وأسرع خلف الناس يجرّ جمل ابراهيم.
هناك، كان خبر وجود من هو مستعدّ لمحاولة قتل حنظلة أو القبض عليه قد طار للوالي قبل أن يصل الموكب فخرج الوالي مبتهجاً مرحباً بالفارس المقدام. نزل ابراهيم من على الأكتاف وأغمد سيفه وأبدى احترامه للوالي
-أسعد الله أوقاتك أيها الوالي....أنا ابراهيم الكحلي من سادات البرّ الفارسي وأشهر مقاتل عربي من الأحواز حتى بحر عمان.
-كم نحن سعداء بوجودك هنا أيها السيّد، فمنذ ما يزيد على السنة ونحن نعلن يومياً عن الجائزة لمن يخلصنا من حنظلة وصعاليكه الذين عطّلوا تجارتنا دون أن يجرؤ أحد التقدّم لهذه المهمة. أنا على استعداد لتقديم كل ما تحتاجه أنت ورجالك.
-لا تقلق أيها الوالي فقد ساقني الله بقدرته لأقبض على قاطع الطريق هذا وزمرته، وكل ما أطلبه الآن هو جمل لرفيقي ومئونة الرحلة.
-ماذا؟!؟!.....قلت جمل لرفيقك!!!.....حسبت أن معك مئات الرجال . هل تهزأ منّا أيها...السيّد من البر الفارسي.
وتعالت الأصوات الساخرة والضحكات من الجموع الملتفة. لكن سلّة السيف المفاجأة من ابراهيم جعلت الجميع يشهق من المفاجأة ويتراجع للخلف. تعلّقت العيون بسيفه الذي رفعه عالياً وهو يقول
-ليشهد علي من يسمع. أنا ابراهيم الكحلي، أعدكم بأن آتي بحنظلة وصعاليكه لهذه الساحة لتروا فيهم رأيكم. وإن لم أفعل ذلك فلا أحمل سيفاً ما حييت بعد ذلك.







التوقيع

http://www.facebook.com/salim.aljabri.752

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 07-05-2013, 11:37 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
سالم الجابري
أقلامي
 
إحصائية العضو







سالم الجابري غير متصل


افتراضي رد: ابراهيم الكحلي

كاد يغمى على عامر من هول ما سمع، وبقي واجماً بالرغم من كل التهليل والصياح من حوله، كان يفكّر أنّه ورّط نفسه مع مغامر مجنون......لكن...لكن ها هو على وشك أن يشرب من ذات الكأس المجنونة التي شرب منها صاحبه وجعلته لا يلوي على شيء..... جاء ابراهيم ونظر في وجه عامر المندهش وبصره السارح. تتبع بصره فإذا هو مسدد لنافذة عالية في القصر أطلّت منها فتاة كأنها بدر مكتمل شقّ ستائر السحاب. سدّدت سهمها لقلب الفتى فعاد السهم بقلبه لها. أغمضت عليه ناعسيها وعادت لخدرها.
بدأ مفعول السهم يتضح مباشرة على عامر. وبدأ يصرخ ويتوعد حنظلة وصعاليكه وكأنهم نمل سيذهب ليدوسهم بقدميه ويرجع لجميلة القصر هذه.
لاحظ ابراهيم ما حدث للفتى، ولأنه عاشق مبتدئ تنقصه الخبرة فقد أرشده ودلّه على بعض أسرار العشّاق. سعت خادمة رقيقة بالرسائل بين الفتى والصبيّة، وفي الليلة السابقة لمغادرة ابراهيم وعامر المدينة دخلت القصر سجّادة بنت الوالي التي أخذت للتنظيف قبل وقت قصير.

ماذا فعلت صبيّة الحسن عفراء بعامر؟!؟!. كان يتهم صاحبه بالجنون وها هو الآن كما أراه يسابق ابراهيم السير ليقبضا على حنظلة.







التوقيع

http://www.facebook.com/salim.aljabri.752

 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 10:26 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط