يغص المقهى بالمتفرجين ، فهو المنفذ الوحيد للشباب الذي يحتضنهم من حياة التسكع والتشرد في أرض مقفرة من أمكنة وبقع تملأ الفراغ القاتل.
استيقظوا بعد أيام من غيبوبة صدمة حرمانهم من مشاهدة ( المونديال ) متحسرين على فتحة الهواء التي ظلوا يتنفسون من خلالها ، قذفوا كل ما في قلوبهم من صدأ على شكل شتائم .
العشرات متسمرون على كراسيهم خلف الشاشة الكبيرة ، زحفوا قبل ساعتين من انطلاق مباراة منتخبهم مع منتخب الدولة العظمى التي ظلت كقطع الليل الحالك تجلس بمؤخرتها الحديدية على أنفاسهم وأنفاس مجاوريهم من الدول ، لم تكن هذه المباراة كالسابقتين اللتين خسرهما المنتخب ذي الشعار الأحمر والأبيض ، وإنما هي ذات نكهة مغايرة ، ظلتْ المباراة حديث الشارع الرياضي الغير رسمي رغم التصريحات الإعلامية المزيفة من الطرفين منذ إعلان القرعة بأن الرياضة لا دخل لها بالسياسة .
يزحف الكثير بعد أن وقف وحش التشفير حارسا لا يُدخل أحدا في متعته إلا من يلقم فمه العديد من قطع الفلوس ذات القيمة الكبيرة ، لم تسعفهم جيوبهم في خضم ضغط الحياة أن يشبعوا شراهة هذا الوحش .
دخان ( الشيشة ) و( المعسل ) منطلق من صدور مملوءة بالعناء مكونة سحبا سوداء في سقف المقهى ، تبذل "مراوح الشفط " جهدا لطرده للخارج من شدة كثافته ، أوراق ( السندويشات ) ، كؤوس الكولا على سطوح الطاولات تنتظر حملها إلى مآلها ، صور لاعبي المنتخبات المشهورة ملصقة على الجدران ، البعض مرتدٍ للأحمر والأبيض ، تساقطت همومهم ومشاكلهم خارج المقهى ، بعضهم لف حول عنقه لوني الشعار ، التوتر والقلق يسيطر على المقهى ، أخذ العمال يتعاطفون مع الحاضرين ، دقات القلوب تمتزج بصوت المعلق الرياضي الذي يود القفز إلى ساحة الملعب ليركل الكرة في مرمى الخصم .
كان المقهى كثيرا ما يكون على فوهة البركان حينما تُقام مباراة بين عدوين لدودين في الدوري المحلي ، تتصارع ألسنة جمهوري الفريقين اللذين يجلسان معزولين عن بعضهما ، لكن سرعان ما يخمد المحايدون هذه الفوهة الشبه منفجرة .... الوجوه نفسها هنا، وقد تناست أحقاد داحس والغبراء ، وكلهم يهتفون بحناجر مملوءة بأمنيات الكسب .
اقتلع اللاعبون في الشوط الثاني جلباب الكسل ، ارتدوا عزيمة الأسود ، تحرروا من قيود مدربهم ، تركوا صراخه يتشتت في الفضاء ، أحسوا أن توصيات مدربهم ستمزق شباكهم ، القلوب تنبض حين يباغتون بهجوم من الخصم ، والمقهى يقف عن بكرة أبيه وقت شن هجمة خطرة على العدو اللدود ، يصرخون ، يضربون الطاولات حسرة على ضياع الهجمة ، وتلفظ بعض ألسنتهم شتائم وسباب .
ترصد الكاميرا اللاعبين والثأر وروح إثبات الوجود يتقاطر منهم .
تقترب المباراة من النهاية ، استراحت الكراسي من ثقل المشجعين ، وقفوا ، حوصر منتخب الدولة العظمى في منتصف ملعبهم ، شُنت عليهم هجمات كراجمة الصواريخ ، وهم يحاولون المحافظة على عذرية شباكهم ، علا التصفيق ، ارتفعت أصوات التشجيع كأنهم على مدرجات الملعب ، المشاعر حاضرة بقوة ، بقيت دقيقة ، ولا زال الحصار ، اهتزت الجدران ، كأن زلزالا ضرب المكان ، هتافات ، احتضان ، هوت الكراسي ، صرخات الفرحة ، التصقوا كالجسد الواحد ، ترك العمال أماكنهم ليشاهدوا ما حدث ، تراكم اللاعبون على بعضهم البعض معبرين عن فرحتهم ، تساقط لاعبو الدولة العظمى والدهشة قضمت وجوههم وقد طُردوا من البطولة .