قراءة ما ورائية في بوح الهمسات النفسية
في نص / شرنقة مزقت رعشتي / للشاعرة : سمر سليم الزريعي
الدارسان : حسين الهنداوي – حاتم قاسم
شرنقة مزقت رعشتي بقلم : سمر الزريعي
أيها البحرُ الغريقُ
امضِ لليلي
لتعبرَ الأنفاسُ المتبرعمةُ
من شطآني..
حافياً اركض إليَّ
و سأرتديكَ لأمحو خطواتِها منّي
فأشرقُ منكَ
طفلةً تتشكلُ من جديدٍ
صوفُ أجسادِنا اغزلهُ
بموجِكَ حلوى
تُذوِّبُ شفاهنا
أكتمُ نهري
عندما أراكَ
بجوفي..
فكلُ الحروفِ مائيةٍ
حطت بخيلها على أضلعي
تحرِّرُني
لتجمعَ ماءكَ
من عتمتي
فيمضغني السوادُ بوحدتي
عند أبوابِ همساتِكَ
لملمني
بشرنقةٍ مزقت رعشتي
أيتها الأنفاسُ..
لا تكتمي بوحَكِ
اعصِ سكونَكِ
فللحرفِ
نكهةُ الليلِ المرتعشِ
برعدي
انحري
زهرهُ
بماءِ الحنينِ
استدعي الربيعَ الآنَ
ليلتهمَ فراشةً حنطْتِها
بغرقي
في كأسِ وردِكِ
بنضجِ الليلِ عندَ اشتهائي
احتسي قراءتي لفنجاني
بطراوةِ أملي
في رئتي..
موتي ممتليٌ
بحصى أنفاسٍ هاربةٍ
من تناسلِ وحدتي
اهجري حطامَ خرافتي
بزرقتي
وتنقلي بين قلقِ الكواكبِ
وساعةَ تفتتِ الصفرِ
في يدي
************************************************** **********************
قصيدة النثر كما يسمونها أو كما تتراءى لنا نص لا يعتمد القافية و هي تحمل في نبضاتها ما يختلج في الوجدان لتنبض بتصوير رمزي و إيحائي يفرغه الشاعر على أرض الواقع من خلال مخزون ارثه الثقافي ، فالشكل الشعري الجديد يبدأ من الكلمة و مدلولاتها و إيقاعها ليأخذنا نسبح في عالم الصورة التعبيرية و الرمز و سائر ضروب الإيحاء اللفظي و مدلولاته الكامنة في مناخات اللغة و الموسيقا التي تلون النص بإيقاعها الدافئ تضفي عليه رونقاً جديداً و هذا ما يفتقده قالب الشعر النثري مع الاحتفاظ بسمته الأدبية 0
و النص الذي بين أيدينا بعنوان : / شرنقة مزقت رعشتي / للشاعرة سمر سليم الزريعي هو أحد نصوص النثر فالعنوان يرسم لوحة على جدار الذات ليسبر مغاورها و يتوجس أنفاسها الصاعدة التي تبوح برعشتها 000 لوحة ترتسم مع أمواج البحر لتتلاقى مع أصداء الذات عبر الأنفاس المتبرعمة في شطآن الوهم و الحقيقة 00 وهمٌ يركض حافياً يرتدي الخطوات لكنه يشرق من انفعالاتها حلمٌ طفولي فيه براءة القرنفل و نقاوة الياسمين بولادة جديدة و حلم جديد
(( أيها البحر الغريق
امض لليلي 000
لتعبر الأنفاس المتبرعمة
و سأرتديك لأمحو خطواتها مني
فأشرقت منك
طفلة تتشكل من جديد ))
حركة ديناميكية مستمرة تكسر أعتاب صمتها ببوح السكون لتقف عند حدود الذات ترسم حروفها المائية التي تحمل حيوية متدفقة من شعورها الصادق الباحث عن ظل
واعد في ليل الحياة المظلم 000 إنها انطلاقة جديدة ترسمها الشاعرة بحروفها الملتهبة 000 و همسة راعفة تزجيها إلى أسلاك القلب التائهة في مغاور النفس التي تبحث عن أنفاس جديدة ترتقي بحلمها من عتمة الليل و الوحدة إلى نافذة الهمسات التي تشرق منها بوحاً جديد 0
(( فكل الحروف مائية
حطت بخيلها في أضلعي
تحررني
لتجمع ماءك
من عتمتي 000
فيمضغني السواد بوحدتي
عند أبواب همساتك ))
لكن التدفق الحيوي في لغة الشاعرة لم يقرع باب اليأس بل فتح نافذة الأمل للربيع الذي يجدد الحياة بنسغ ٍ يخضوري يورق في كأس ورد الحبيب يعطر ليل الماضي :
(( استدعي الربيع الآن
ليلتهم فراشة حنطتها 000
بغرفتــي
في كأس ورك ))
و تبقى زفرات الصورة تنقلنا بألوان طيفها قوس قزح يقرأ فنجان قهوتها من رئة ممتلئة بحصى الأنفاس الهاربة من أطياف وحدتها إلى عالم واقعها تاركة أنفاسها المتعبة و صمت وحدتها و أحلامها الخرافية تنكسر على أمواج زرقة البحر لتنقلنا عبر جواز مرور إلى أفق ممتد ٍ في فضاءات رحبة تعلن ميلاد ساعة الصفر 00
الشاعرة باحت بصمتها و بلغتها الوجدانية أفاقاً تخترق حاجز الذات لتسبر معالمه و جعلت من لوحتها البحرية الغريقة في عالم الوجدان رموزاً تولد ُ في كائناتها لتغدو عنصراً فاعلاً في لوحتها 000
( فالبحر الغريق و الأنفاس المتبرعمة ) صور ٌ تتعدى سكون الحركات لتدخل أعماق الذات 0
صورتان متلازمتان ( غرق وولادة ) و لأن عجلة العمر الكوني لا ترجع إلى الوراء ندرك أن بعد الموت ولادة و حياة جديدة 0
فتمتشق من مفرداتها قاموساً ذاتياً يحتوي خصوصية تلقائية ترسم لوحتها في جسم القصيدة فتعابير مثل ( بجوفي – عتمتي – لملمني – برعدي – في رئتي – في يدي )
كائنات حسية ترسم لوحة الذات و تعبر عنها بل تغوص في أعماقها لتسبر بمفرداتها جمالية اللوحة 0 فالوهج و الإحساس الصادق لدى الشاعرة يسبر مغاور نفسها عبر انغماسه في الواقع الحياتي و هذا ما عبرت عنه جلياً في مفرداتها :
(( بنضج الليل عند اشتهائي
احتسي قراءتي لفنجاني ))
نبض صادق يتعالى في صراع مع حواس الجسد لينطلق في أفق الوعي اللامحدود
بخصوبته المترامية في الأفق الطلق يبحث عن معالم جديدة لحلم جديد 0
و من هنا يبدو لنا أن العزف على أوتار قصيدة النثر يحتاج إلى قوة تخزينية للصورة الشعرية بحيث تدهشك معالمها دهشة ً تنقلك دفعة واحدة إلى عالم آخر كما و تحتاج إلى لغة مختزلة ترتقي مفرداتها إلى قاموس ينقلك عبر أثير روح الكلمات ليرسم أبعاد الهدف الذي تتحدث عنه القصيدة 0
هدفان متكاملان و متسارعان في الوصول بالقارئ إلى اللحظة الشعرية الفطرية التي تبعث في النفس حقيقتها ( الصورة الشعرية – اللغة الشعرية ) و كم نتمنى من كتابنا المعاصرين الذين يمتطون صهوة هذا الجنس الأدبي أن يعوا أن حصان الشعر حصان مشاكس يحتاج إلى فارس ٍ ماهر يقوده من صحارى الكلمات إلى واحات الوجدان الشعري الخالص 0
حسين الهنداوي ـــ حاتم قاسم