هل أطيل المكوث
تدور الأرض تحت قدمي .انهار متكئا على أريكتي الصغيرة.أحاول جاهدا أن الملم أشلائي . أصابعي المتعبة تمسك قرص الهاتف ترتجف باحثة عن رقم قسم الطوارئ للمستشفى تمر لحظاتي مثقلة على صدري وشهيق أنفاسي يقطع حبال رئتي اسمع صوت سيارة الإسعاف, يحملوني ببطء بحمالتهم و هي تفرش لي أحضانها وتمد لي لحظات لم أكن فيها سيد الموقف , تجتاز الأرصفة تلو الأرصفة وصوتها يبعد عني كل الطرقات التي تقودني من مدار إلى آخر بساعات هذا الليل الموحش وكل الأرصفة تنظر لي ترى هل ستعود مستكعلا كما كنت سننتظر منك موعداً أخر, هناك أمراً غير متوقع سوف يحدث لـي هذه المرة بعد تلك المواجع. وما حدث كان متوقعاً؟؟ اخرج من دائرة الموت المحتم بعد ما أنهت أوراق أيامي بكل لحظاتها، كنت متيقظاً بعض الشيء يملئني بصيص ضوء طويل يتربع أمام عيني ليروي لذاكرة هذا الزمن بعض حكاياتي التي خبأتها طويلاً, لسعتني حرارة المصل المتدلي من أعلى سقف سيارة الإسعاف، اشعر منديلاً يمر على جبهتي يوقف لحظاتي الضبابية والعرق المتساقط... وبجانب أخر انظر بعناية المودع، أقرأ بسري سورة الفاتحة على روحي لعلي لن القي هذه الحياة مرة أخرى ,يـبلل المنديل مرة ثانية ويضع على رأسي أشعر برودة جلدي ورأسي أثقلته الهموم والهواجس التي غادرتها الكلمات, وقصائد الشعر وبعض قصصي القصيرة. هل فقدت بعضاً من توازني الفكري! تطول نظراتي من جديد أحدق بالوجوه التي تعبر بمحاذاتي وهي ترمقني بنظراتها انظر إليها ما تحمله من معاني كأني مجرد بقايا رجل إصابته لعنة النساء على قارعة رصيف الغرام سألت نفسي ربما يقارنون بيني وبين بقايا نخل العراق التي جردها الاحتلال من مسمياتها ورطبها, اشعر بنبض قلبي تنخفض دقاته مع جريان نقالة المرضى حيث تجرني إلى المجهول أصبحت مجرد رجل ينتظر نهايته أي موعد ينتظرني وأي الرجل أصبحت وأنا على ظهر هذه النقالة. ربما مت... هل أموت واقفا بغربتي.. وحيداً بين جدران صماء... مودعا كل أزمنتي وأصحابي وبعض شقاوتي ,يحاصرني الخريف أينما حللت تغادرني لحظاتي الجميلة .الآن عرفت السر _ مت_ واقفاً بغربتي أموت وحيداً لا أحد يعلم عني شيئاً, كأننا نذرنا عمرنا بلا مقابل, ألمس يدا لا اعرف من تكون لعلها تكون أخر شيء اعمله بهذه اللحظات, وكأني ألمّس جمر بداخلي,ربما أنها كانت ضمن مواعيدي المؤجلة هل أعلن موت أوقات عمري وأيامي الباقية حيث كنت أزرع كل خطواتي على تلك الأرصفة!! كيف أودع ضحكاتي وأصحابي.ارتمي على طاولة صلبة ودوائر الضوء فوق راسي تشل نظراتي, وأنا اشعر بتلك المشارط سوف تخترق جسدي, يضعون كمامة الأوكسجين على وجهي استنشق هواء باردا يتسلل بجسدي كلص يحاول يسرق أنفاسي أغمض عيني مودعا الزمن. لم اشعر بشيء سوى ساعات خارج حسابات الوقت
يرمي بجسدي المرهق فوق سريري الأبيض , وحيداً تهطل دموع ساخنة خبأتها عيوني المتعبة توقظني الشمس عبر نافذة الغرفة من تأثير المخدر، ولازالت تلك الأقنعة موضوعة على وجهي وأجهزة تخطيط القلب والأكسجين تحيطني من كل جانب, كنت اردد اسمها كثيرا حتى علم كل من مر بجسدي باسمها طبعت حروفها على جدران مخيلتي وألغيت كل ساعات الانتظار أنا الآن أتجاوز الخوف أقفز للآتي... أتمسك بالحياة برغم مرارتها أحدق بتلك ساعة المعلقة على جدران الغرفة لقد مر الوقت مثقلا بكل ما يحمل من أوجاع قالت لي الممرضة كم تعشقها أذن وأنا اردد((إني قادم إليكِ انتظريني)) يا ......... هكذا كنت اسميها.. أحاول أجد أوراق بيضاء بين خبايا ردائي ويداي لا تساعدني ارسم كلماتي على جدران الغرفة أدون بها لحظاتي حتى أتذكر حروفها...(( لن أسمح للموت يأخذك مني لقد وعدتني انك ستبقى معي فلا تخذلني ))هكذا قالت لي قبل لحظات موتي المؤقت خيالي يأخذني بعيداً أمد يدي المس طراوة يدها تحت قطع الغيوم الباردة دارت بيننا لحظات أهمس إليها ((احتاجك الآن)) مال رأسي.. نهرتني الممرضة أيقظْ من سباتك أحدق بوجهها مرعوبا ربما سرقت مني أحلامي وأعود لغفوتي مرة أخرى .الزمن يضعني في محطة غير متوقعة. هل اشتري شموعاً بعدد سنين عمري الباقية أصحو من جديد ووجه امرأة تقف أمامي تسألني بلهفة وتفاؤل إنك تمطر عشقا كصاحبك (( السياب )) ترى هل ما زلت معلقاً على سطور الدهشة والانفعال...رسمت ابتسامتها على جهاز تخطيط القلب ورحلت فجأة اشعر بصدمة كادت توقعني على الأرض التفت إلى الممرضة_ لا عليك_ نفضت عني بعض تعبي حاولت جاهدة تقيم قامتي المترنحة على سريري الأبيض حينها كنتُ أراقبها عبر نافذتي المطلة على الخليج العربي سوف تأتي كما وعدتني ذات يوم .سمعت آذان العصر..ترى كم الوقت وأنا هنا. تسرع أحلامي الملم ما ضاع من رأسي من أشكال وحروف سوف أدونك على كل الأرصفة والطرقات أن كنت لا استطيع نشر اسمك عبر سطور المجلات والصحف، اشعر بثقل بإطرافي ولساني أسمع صوت تراتيل قرآنية من داخل الممر وبوخز وآلم بداخلي يقترب من صدري الذي مرت به مشارط الأطباء الذين يجهلون ما يحمل هذا القلب من عشق أحاول أن أصرخ أسال عنها ولساني مشلول عن النطق يخذلني لأول مرة وقعت على الأرض بلا حراك وأنا اردد بسري هل أطيل المكوث فقد طال المدى وأبطأت الشمس ولم تأتي ... عدنان الدوسري