الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-04-2006, 02:48 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أحمد الجميلي
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحمد الجميلي غير متصل


افتراضي رسائل "العراقي الشريد" لعصفورة بعيدة (1)


أنها الثالثة فجراً، ترسم خيوطها بأفق سماء الكاريبي المثقلة بالنجوم، حيث تختلط أضواء المصابيح الكونيّة مع برودة الصباح الباكر. تلك التي تذكرني بأصبحة مماثلة في أشهر الصيف الأولى، بذاك الشرق البعيد الذي- ربما- مازال يحملكِ بين ثناياه الحزينة. أفقتُ من نومي هكذا، مفكراً بكِ بأستغراب، و كأنني لم أتوسل النوم، عند العاشرة ليلا كي تتركني ذكراكِ و يحل هو! ذكراكِ من معدن عنيد لا تصدأه الأيام، و لم تكن المرة الأولى التي أتناول حبوبا منوّمة كي أهزم إرادتي، المفكّرة بكِ دون أدنى رحمة بي.

أحبكِ يا عصفورتي، مع حدود الرابعة فجرا أحبكِ، عند جلوسي متدثرا بمعطفٍ ثقيلٍ أحبكِ. أحيانا، أغمضُ عينيّ لوهلة، متناسيا كل قوانين الزمان و نظريات الأستاذ نيوتن و زميله أنشتاين. أغمضهما كي أعود لكِ أو أن آتي بكِ إلي. لا فرق إن تقدم الزمن أو تأخر، مادمتُ معكِ. نجلس سويّة على ضفاف شاطيء صغير بأرضي قرب الفرات، هُناك، حيثُ مازالت الذاكرة مشحونة ببرودة التُربة الطريّة عند ساعات الصباح الأولى، و بأحتفاليّة تقليم النخيل بساعات الفجر العابقة ببخار مبهم من البرودة و رائحة الحياة المخضّرة. صدقيني، لا أستطيع أن أميّز بين رائحة الطمي و بين رائحة نهديكِ، فكلاهما يتمتعان بتلك الخواص اللدنة الأقرب روحا ورائحة لجذور الأعشاب. نجلس بلا عجلة، كأن العالم هو هذا الرافد الصغير الجاري من و إلى الفرات القريب، و كأن الدنيا كلها تخدرت برائحة "طُلّيع" النخيل الملقح حديثا، و لُهاث السمك الوفير بعباب هذا الرافد المثلّج صيفا لذوبان الثلوج فوق جبال زاغروس العظيمة. أطوق كتفكِ الصغير بذراعي، فأجده باردا لكنما مستمتعا بنقيضيّ البرودة و حرارة ذراعي، التي تضمك إليّ بحنان و ثقة أشبه صلابة بأمبراطورية جذور النخيل ببستاني.

آنستي أو سيدتي، لا أعرف ماهو وضعكِ منذ قرون من الحرمان و الشوق، لستُ خجولا من أن أعلمكِ بأن شفتيكِ أكبر طريدة لي بهذه الدُنيا، و أن تمشيط شعركِ بأصابعي لأهمّ من أي صحوة ضمير أو رحمة بحق ذاتي الممزقة لأجلكِ. و أيضا، لستُ خجولا أن أعلمكِ بأنني أرغب أن أداعب عنقكِ و أصابعكِ و طراوة عظامكِ، بأصابعَ شِعريّة. نعم، بأصابعي التي تتحرك وفق تردد القصيدة بأعماقي الرطبة هي الأخرى كقلب نخلة، هُناكَ حيث أردد "أنشودة المطر" بينما تحولها أحاسيس الجنون عندي لنبضات كهربائيّة تدير لمسات أصابعي فوق وجهكِ المرتخي و المغمض العينين. لمساتُ القصيدة الرطبة، برودة الأرض و لينها، عبق الفجر مختلطا بلهاث النخيل و رائحة عطري المتغلغل بين مسام أناملي، كُلها تشعركِ بالرغبة بالنوم اللذيذ. و رغم الشعور بالبرودة بأطرافكِ، لكنما وجهك يختبيء في حُميمة صدري المشتاق.

كنتُ أود التكلم عن قسوتكِ و عن مشاكل كثيرة تركتِها دون حلّ، إلا أنني أستمتع بكِ هكذا، كنخلة أعانقها و أقسم لها بولائي. كأيقونة أتعبد أمامها، كوجه أمسح عنه الدموع و أقبّل شفاهه برقة، و كعصفورة أضمها تحت معطفي و نتسلى بالحديث على سور سفينة مبحرة، دون أن أكترث أن ظن المسافرون بأنني مجنون يكلّم نفسه.

تسائلتُ كثيرا بسنيّ الطفولة، عن سبب أرتباط النخيل بأرض الرافدين؟ عن سبب هذه العلاقة الرومنسيّة بين السعفة الرشيقة و الرجل الرافدي الحريص عليها؟ لماذا النخيل؟ لا لم أجد إجابة حتى عرفتكِ، لأدرك أن هناك عناصر ذات قوّة كونيّة خفيّة تكسب المكان روحه لا العكس. أي، بكلمة أخرى، هي مشابهة للروح التي تتغلغل عميقا في ثنايا اللحم و الشفاه و العيون، لتكسب صاحبها ذاك الشعور بأنه هو. و لذا، لم أحاول أن أنتزعكِ من جوفي، لا لأنك متشبثة بها كجذور نخيل تربطها أرضٌ عاشقة فحسب، بل لأنك- ببساطة- الروح التي لن أعرف لنفسي ملامحا بحال رحيلها. قد تكوني بعيدة بذاك الجسد و العيون الجميلة عني، لكنما أنتِ هاهنا ماثلة بهذا القلب و هذا الجسد و هذا الكيان، مختلطةً بكلّ حبّة من حبيبات دمي، و مسيطرة على كلّ قاطع كهربائي و خليّة بدماغي. يا أنتِ يا أجمل إحتلال. أنتِ كما القدر، كما الموت كما الحياة، كما أي شيء لا مفر منه و لا أستغناء بحلّوه و مُرّه. أنت حبيبتي، عصفورتي، سمائي و عواصفي و مجاذيفي. هل أهمس بكلمة أحبّك؟ و هل تكفي هذه الكلمة لتوضيح الكارثة التي تتقمص كل جُزيئات كياني؟ ما أعجز اللغة و أوزانها و قواعدها عند الوصول لنقطة حبّك، حيث لا طاقة سواه و لا يمكن وصفه إلا بالعناق الوحشي الملتهب و الإنحنائة الرقيقة لتقبيل جبينكِ و أنتِ تنامين بنومٍ هامس.

أنها الخامسة إلا ربعاً، و تبدو السماء هادئة و مستعدة لأن تشرقي عليها. لكن لا أيتها الشمس العظيمة، أريدكِ هكذ بين ذراعي بفجر دامسٍ و برودة تلسعنا، و لا يجدي معها سوى قبلات حارّة ننسى الدنيا كلها بها لا البرودة فحسب. أريدكِ كزوجة و كنخلة أرعاها، لكنما أفيق من الحلم، لأجد أنها الخامسة تقريبا، و أنه الفجر ببرودته فعلا، لكنما لستِ هُنا و لستُ أنا عند أرضي على كتف الفرات. لكنما لا، لن أسمح للذة الحلم أن تتبخر تحت لفحات الحزن و الألم، بل سأبتسم و سأعيش الحُلم مراراً، و سأركل غطائي بعيدا كي أنام بصدر عاري و باردٍ، فلعلكِ- يا أنتِ يا حبيبتي- تعانقيه بصدركِ و حبّكِ فيدفأ.



العراقي الشريد..
الخامسة إلا خمس دقائق فجرا.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 09:36 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط