.
جرى حوار بين جنينين توأم / أخ وأخته في شهرهما الثامن منذ خلقتهما وليس منذ ولادتهما , قبلما يبصرا النور.
- الأخت لأخيها وقد استنهضها مُزعِج ما: صباح الخير أخي .
- الأخ: وكيف عرفتِ أنه الصبح ونحن في دمس هذه الغياهب نصحا وننام؟
- سمعتُ أمي تقول "أصبحنا وأصبح الملك لله,على الصبح كده ! ده شكله نهار أسود", فما كادت تنهي جملتها حتى رشقها أبي بشيء كان في يده وقال لها "حرام تسوّدي النهار".
ألم تشعر بالرّجة يا أخي..؟ والله آلمتني كثيرا..
لماذا هذا العنف الذي بينهما؟ لماذا يتخذان من المشاجرة والقسوة والتقاذف أسلوب معاملة؟ ماذا لو جعلا الرفق واللين سياستهما والتفاهم والحوار لغتهما؟؟
- ليس هما وحدهما يا أختي ..سمعتُ أن هذا العنف هو لغة عالمهم السائدة وما هما إلا مثال مصغّر مستفحل في كل سياسة.
- أحقا ؟؟ .. أنا خائفة جدا يا أخي, ولا أريد النزول إلى تلك الدنيا المُفظِعة المُشنّعة.
- أنا الآخر أريد البقاء هنا ..على الأقل نأكل ونشرب وننام فقط ,أليس هكذا أفضل من عناء العمل الذي يلقاه أبي كل يوم؟
- لا تخف أخي أبشّرك
, سمعتُ أمي تقول إن أبي آخر موظّف التحق بعمل في هذه الدولة , وأن الشباب الآن عاطلون مرتاحون يأكلون وينامون ويفترشون المقاهي.
- الله يبشركِ.... 
ولكن لماذا تبكي أختنا كل يوم .. وأسمع أمي تسكبُ عليها عبارات صبر..أليست هي هكذا أكثر راحة؟
-لا أدري ما وجهة نظرها بالفعل , ولكنها تقول حرام أن أكون من الأوائل وأنفقتُ على تعليمي العالي ودراساتي العليا سهد ليالٍ وجهد أيام طوال و(سنوات) عمر أكلتها (أيام) الاستذكار, وأنفا فطس من حمل عدسات مِجهرية تحجبُ خلفهما عينين لم تريا (ساعة) لهْو أومتاع طرب ..
وأنفق والدي عليّ أموالا طائلة إلى خزائن الدولة وبطون المختلسين وبئس المصير؛ لأقبع أنا بين الجدران أطبخ وأنظف وأرتب , ويتطاير علمُ الراس مع غبار أثاث المنزل وأبخرة الطهي , بينما الجهلة من أصحاب الوسائط والمحسوبية يعتلون كراسي المناصب الرفيعة بل ويعتقلونها لأبنائهم.
أخي..لماذا لا نحتجّ ونقوم بمظاهرة وإضراب عن النزول إلى تلك الغابة الدنيويّة؟
- فكرة جيدة, من أين لكِ بها؟
-ألا تذكر بالأمس حينما هرعت أمي إلى المنزل من منتصف طريقها إلى السوق لأنها وجدت الشارع مكتظا بالناس يحملون رايات ولافتات ويهتفون مطالبين "بحقوق الإنسان".
-لا,لا كنتُ نائمًا أكملي ..وماذا حدث بعد؟
-لا شيء, فقط كانوا يقولون أنهم يلجؤون لهذا الأسوب لأن جميع أشكال التحاور والتناقش والمطالبة بالحقوق وتقديم التظلمات لم تلقَ إلا كل الإهمال والانصراف من الدولة .. لهذا عمدوا للإضراب كَحلّ؛ حتى ترضخ الحكومة لمطالبهم , وتجيبَ أبسط حقوقهم .
- إذا فهو أسلوب ناجح!
- لا لا ... تأنّ يا أخي .. فقد أخرستهم الشرطة بالقبض على بعضهم وبتشتيتهم بالقنابل المسيّلة للدموع وبإطلاق كلاب الحراسة بينهم ؛ ذنب ما اقترفوا من (وطنية) وإرهاب وزعزعة الأمن وإثارة الرأي العام, مما اضطر المواطنين لاختلاق الفوضى ونشر الخرائب وتحطيم المحلات والسفارات وإشعال النيران وسط الشوارع فأسفر ذلك عن مقتل جنديين من الشرطة وخمسة مواطنين وجرح ........
- كفـى , بالله ما كلّ هذا !! وتريديننا أن نُضرِب ونعتصم ليكون مثوانا القتل؟ !!!
- إذن نحتمل تلك العيشة وأمرنا إلى الله.
- من قال لكِ أن مسّماها "عيشة"؟! كل الآدميون عليها هم أموات مرهونون فوق سطح الأرض.
-رهن من؟
- كُثر..سمعتُ أبي يقول : " الكلام في السياسة بيوّدي ورا الشمس" 
ولم تصبح علينا تلك وكنّا قدّامها لكي تبتلعنا وراءها,
إلزمي الصمت واعتقي رقابنا .
- ومن سيسمعنا ونحن لا ثالث لنا وفي عزلتنا هذه؟؟
-إذا كانت أمك الطيبة الحنونة وهي أقرب المخلوقات إليك تتحسّسكِ وتتجسّسك من الفينة للأخرى زاعمة هي وطبيبها أنهما يطمئنان على صحتنا ..
من قال لكِ أنهما ليسا مأمورين من جهات عُليا.. ليطمئنوا أن الأجنـّة العرب ليسوا مفخخين ولا ناسفين , وأن اجتماعاتهم السرية في الأرحام ليست تتعلق بنشاط سياسي ..!!
ربما أعدموا أمّا حاملا في خمسة أطفال وبقروا بطنها ؛ ريب أن يشكّلوا توائمها تنظيما أو تشكيلا , حمدا لله أن كنا اثنين.
- صدقتَ والله .. وأثرتَ فيّ الشكوك فكيفما وصلوا لمراقبتنا وتتبع حركاتنا برؤيتهم لنا بأجهزتهم تلك, فليس من المستبعد أبدًا أن يكونوا قد علّقوا "كاميرات" هنا أو هناك بأحشاء أمي للتنصّت علينا ...! 
- يبدو أن هذا الوطن يتمتّع بحرية مفرطة وديموقراطية في العيش زائدة .
- ولماذا لا تكون احتمالاتنا هواجسَ وليدة سوء الظن وعمل الشيطان , ربما التقطت أمي لنا هذه الصور لاستخراج بطاقات قومية أو جوازات سفر ؛ ليُسمح لنا بالتملص من دنيانا هذه والعبور إلى ضفة الدنيا الأخرى! لكيلا نثيرَ الزعزعات والمناورات ونفتعل المناوشات فوق هذا (المعبر)...!
(أمي) تحبّنا جدا وتردينا أن نعبر إليها أنا واثقة أخي من ذلك.
- إذن ربّما لتستخرج لنا بطاقات انتخابية كقانونٍ جديد سينصّه علينا السيد الرئيس لانتخابه مئة سنة قادمة!!!
أعيتني هذه الأرض ومن فوقها -والله- وأرهقني التفكير بشأنها, أين المفرّ يا ربي..؟ أيــــن؟؟؟؟؟
وإذا أخبرتكَ أنّ لديّ الحلّ والملاذ من هذه الأرض....!!
{ يعتدلُ في جلسته وبانجذاب تام:
}
-هاتِ ماعندك هيا ,كدتُ أموت قبل أن أولد.
- كانت أمي تتجوّل بين برامج التلفاز ذات مرة , حتى أن رأت برنامجا نفضها من فوق كرسيها- ونسيت أن تحذر لأجلنا طبعا - وقالت :" يالله آخر معلوماتي في مادة الرياضيات إبان دراستي, أن مجموعة سكان كوكب المريخ تنتمي للمجوعات الخالية ... ويجيء العالم المصري عصام حجي الآن ليثبت وجود ماء على سطح المريخ واحتمالية وجود كائنات فوقه قديما واحتمالية سَكنه أيضا" !!
- وماذا ننتظر ما أن نولد حتى نشدّ الرحال إلى المريخ ..نعمّره ونسكنه ونكون في مأمن أكثر بابتعادنا عن تلك الشمس التي بإمكانهم نفيَنا وراءها , كما أنني سأنوّلكِ حصّتكِ من أقماره , لكِ قمر ولي قمر..
ها .. أموافقة؟
- لا .. مازلتُ قلقة.
- ممّ؟
- من يضمن لي أن ( أهلي) لن يقاتلونني حينما يعلمون أني أصبحتُ أنتمي (للمريخ) وأقطن به؟؟!!!
ولن يفعلوا بيَ مثلما فعلتا الجزائر ومصر,
ولن يلقوا بي في هاوية الفضاء السحيق!! ربما أعلق وقتها بنيازك حارق أو نجمة محتدِمة, أو أركن في زاويةٍ لبلوتو..
فلن تستطيع أقمار(الجزيرة) نفسها حيال ذلك إلتقاط صوري . 
ولكنها ما لها من معجِز , فستقول : "ماتت مراسلتنا بالمريخ ليفشل العالِم المصري عصام قبل بدئه العمل بعشر سنوات"..
وبذلك يبقى لها السبق في الكذب والفِرْية .
لا يا سيدي نحّ عنا هذه الفكرة تمامًا .
أخي أرى أنه لا بدّ من هبوطنا الأرض؛ لنجّرب منها قِطّنا وحظنا من (لعبة الحياة ) الحمراء بنا , 
ربما , وأقول ربما يصدق الحظ معنا ونربح (القرش) الحلال الذي يعيننا على غلاء الحياة, وأعدك يا توأمي أنني (سأقتسمُ) معك ما تجيد به الحياة عليّ , فلا تبتئس .
- لا حَرُمتكِ أختاه ولا حرمتنا الدنيا بعضَنا ..
بالمناسبة , ما اسمك أختي!! سؤال يلحّ عليّ مذ رأيتكِ؟
- تقول أمي أنها ستسمينا (نور) و(مهند) ,
وأبي يقول لا..
إحياء لروح جدي وجدتي وتيمّنا بشرع عائلتنا المحافِظة التي تحصر أسماء فتيانها وفتياتها في اسمين اثنين , سيسمينا ( معاطي وعطيات ),
وأختنا ( فرح ) تقترح أن نكون ( باسم
) و( باسمة
) ..
ليكون لنا من اسمنا نصيب .. كما كان لها .
.