منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 14-03-2006, 07:41 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالسلام المودني
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالسلام المودني
 

 

 
إحصائية العضو






عبدالسلام المودني غير متصل


افتراضي مؤامرة زمنية ـ قصة ـ

مؤامرة زمنية

ألم يكن هذا ما يريده؟ مالك زمام نفسه و المتحكم الوحيد في قيادها. ممسكا بأعنتها يسوقها حيث يريد. مخيرا في قدره. لايحمل عناء أحد. أو عبء إنتظاره. لا يحاسبه أحد. و الحسبة قام بها وحيدا منذ أكثر من خمس عشرة سنة. يذكر كل شيء كأنه قريب جدا منه و لم تمض عليه كل تلك الأيام المتعاقبات. يوم وقف معها بمنعطف حياته. كان عليه أن يمشي طريقا رسمها لنفسه. لا أشياء قد تمليها عليه نظراتها بدءا و من بعد كلماتها عند جلوسهما بمقهى "الشاطئ". حدقتاها نطقتا حرجا و ضيقا:
- لا أريد أن أفرض نفسي عليك ، و لكن عليك أن تختار.
كانت حب حياته، و قد أتته بأمر لم تمهد له طويلا حتّى يدرك ما ترمي إليه.
لازال يرقبهما معا. مد يده ليمررها على وجهها الندي فاصطدمت بالفراغ. مرت بخلده لحظة تردد كانت جديدة عليه لأول مرة يتوقف بين طريقين.
و يحاول إقناع أحد بدواعيه لكل ذلك. و كان عليه أن يختار إذ أن الوقت يلعب ضده. أمامه تحتضر المهلة التي منحتها له، و لا يستطيع إنعاش علاقتهما. و انتشله صوتها الموتور لما لحظت شروده المزمن الذي لم تعتده منه:
- مختار، كل العائلة تنتظر كلمة مني، و أنا أيضا أ نتظر.
أخفقت كلماتها كما أخفقت نظراتها في فك أسر صمته و إنما فكر تريد أن تضع قيدا أبديا على حريتي، وكأن قيد التعلق بها لا يكفيها، و من يدريني؟ فلعلها اخترعت حكاية خطبة ابن عمها لتطبق على نفسي وتجعلني تحت رحمتها في ما فضل لي من عمر. لم تدرأن حريتي سبب سعادتي الدافقة. لكم أحمد الأقدار أن جعلتني وحيد أسرتي، ووحيد العائلة المتواجد داخل هذه المدينة الماردة ، و قد أقفلت بابي أمام كل راغب في زيارة تعارف قد تجر وراءها زيارات أخرى و انتحلت الأعذار فارّا من زيارة أحدهم مهما كانت المناسبة و بذلك حققت أمنيتي العزيزة. شقتي الصغيرة أمتلك كل حجراتها، بابها لا يعبره أحد دون إذني المسبق، حتّى جرسها لا يقرع دون علمي و إرادتي).
لازالت ترقبه، تحاول قراءة ما يدور بخلده، و صمت جنائزي متراخ بينهما كأنه أعقب موتا أو استبقه إذ لربما هو حكمه على علاقتهما التي عمرت سنتين، أو قد يكون صمتا يستبق لحظة الميلاد إذ لربما سينطق بما تنتظره منه بين يأس معرفته و أمل الضغط عليه. إلى أن يفرقهما الموت.
"عزيزة" كانت حب حياته ، لايمكنه أن يجادل في ذلك لكنه لم يكن يردها أن تكون سجن حياته، و جلادته، و مالكة زمامه. (لا، لا يمكن ).
استفاق من شروده و من لهيب تفكيره وهو يريد أن يعلمها بما وصل إليه، سيقول لها:
- صحيح أني أحبك، لكن اعذريني. لا يمكن أن أخضع لأحد. إذا سرك الأمر نبقى على مثل حالنا إذ أني لا أريد أن أضيعك كما لا أريد أن أضيع نفسي.
لكنه لم يجدها، كانت قارئة جيدة لدواخله. علمت ما كان يود قوله فانصرفت دون وداع، دون دموع، دون إبداء لندم أو ألم و تركت له ذكرى صوتها يوم قالت له بعد نوبة غضب منها : (لا يمكنني أن أكون شاذة مثلك، أريد أن أكون مثل باقي الناس، أملك بيتا و زوجا و أبناء)
وجعل يرقب أمواج البحرالتي تتطامى و تترامى أمام ناظريه. لاشك أنه يشبه البحر،هو أيضا يستعذب وحدته، وما أمواجه الهاذرة إلا لسانه، يتغنى بسعادة معلنة. لا، لن يتعقب"عزيزة". لاشك أنها انصرفت منذ مدة قصيرة، وإذا ما أراد أن يمسك بها فهو يعرف طريقها جيدا. إذا ما أسرع قليلا حتما سيصلها، سيقول لها:
( موافق). لا، لاشك أنها أسرعت بما يكفي ثم إنها غاضبة جدا منه و خطوات الغضب مجنونة مسرعة. هو يملك رقم هاتفها، سيطلبها و يقول لها موافق). لا، لاشك أنها أطفأت جهازها، هي في حالة لا تسمح لها باستقبال مكالمة كتلك. سينتظر يوما أو ساعة أو...
يذكر ذلك جيدا كما يذكر أنه لم يفعل شيئا. كانت نفسه حائرة بين مدّ الإذعان لها و جزر الخوف من سجنها. لم يفعل شيئا ليحتفظ "بعزيزة". لا يريد أن يكون إنسانا نمطيا داخل مجتمع منسوخ التركيبة، وينسل منها كائنات أخرى تدخل أقبية أخرى و سجون أشد عتمة و قتامة. ولم يفعل شيئا.
و اليوم، ألم يكن هذا ما أراده و دافع عنه بكل قوة و عزم؟
سلطان وجوده ومحيطه. مملكته بيته لا ينازعه في ذلك وجود آخر. المالك الوحيد لنفسه و المتحرك الأوحد داخل حدودها و جغرافيتها. حتّى عمله الحكومي رأى فيه استيلابا و خضوعا لسيطرة رئيسه، فاستقال رغم راتبه الجيد. ولم تجدِ محاولات زملائه ثنيه عن جنونه فرأى أنهم يحسدونه على شجاعة لا يملكونها، و حرية ليست رهن وجودهم الصاخب بصخب الأولاد، و مسؤولياتهم و نزاعات الزوجات المتسلطات. وظل دخله الوحيد إيجار بيت ورثه عن والديه.
و اليوم وقد أحاق به شعور بالضيق من شقته التي رآها عالما فسيحا ما دام خاليا من موجودات تشبهه تضيّق عليه فسحاته. أراد الخروج ليتأمل الوجوه البائسة، ليسمع تعليقات الناس الساخرة. أراد ببساطة أن يمشي في المدينة الماردة وحيدا ، يعاود استكشاف تلك المتعة، المشي بلا هدف و بلا قصد. هكذا خطوات عابثة غير واضحة العنوان و الإتجاه. كان يحتاج أن يفعل ذلك نزولا عند نصيحة الطبيب. نعم لقد بدأت مفاصل ركبتيه تهن، وشرع الخمول يزحف إليها كما ألمت الشيخوخة بنفسه. هو اليوم ابن الخامسة والأربعين لكن مظهره يوحي بالستين . ولإنه يريد أن يخالف الجميع فقد أطلق ذقنه، وترك لشعره الأشعت الحرية.
الحرية التي ينشدها ودافع عنها، كانت مقصده مع كل نسمة هواء يودعها رئتيه، والمدينة اليوم على غير عادتها فارغة خاوية على نفسها، لا أحد يتسكع بشوارعها غيره. تساءل صامتا:
- أين ذهب الآخرون؟
أدرك بضيق متنامي أنه محتاج لتلك الوجوه البائسة، لتعليقات الناس الساخرة.
أيكون الوحيد في المدينة؟ إذن فهو المالك اليوم لسلطانها المتحكم في كل حدودها
و المهيمن على جغرافيتها.
خطواته العابثة الواهنة،الوحيدة في مدينته لم تصادف أحدا. لا، إنه يرى كلبا أعرج متسخا يمرق أمامه على عجل. لاشك أنه يعرف طريقه ويقصد مكانا،"قبيلة للكلاب العرجاء مثلا". علّق ساخرا.
يصاب بالإرهاق، يتهاوى إلى كرسي إسمنتي هو جزء من بقايا حديقة وحيدة أيضا . حتّى المتشردين الذين تصطلي بهم مثل تلك الأماكن انمحوا كأن زلزالا مدمرا أتى على كل ذي حركة غيره وغير ذلك الأعرج التائه.(لاشك أننا الناجيان الوحيدان) عاد لتعليقه بسخرية قاتمة.
تعدو نظراته إلى بناية مقابلة كأنها استفادت من نومته الخفيفة لتندرأ عليه من مملكة أحلامه. شدته لافتتها الكبيرة إليها"دار الراحة" يهب من كرسيه، يتناسى نصبه. يقصد البناية في خطوات ثابتة. ينظر من سور حديقتها الواطئ يبصر أشباحا متهالكة بالكاد تتحرك. كانت الكائنات الوحيدة التي تشبهه في تواجدها في مدينة خالية تماما، توحدت ملابسهم وملامحهم، كما بدا له من خلف السور العازل. تساءل بفضول ملح:
- ماذا تراهم يفعلون؟
بدوا كأنهم مجتمعين حول... الزاوية التي يقف بها لا تمنحه إجابة أو رؤية واضحة لمعرفة ماذا كانوا يفعلون؟ رغم حدة بصره ، الناجي الوحيد من الخمول و العجز. حاول أكثر من مرة و جرب أكثر من زاوية بيد أنه لم ينجح في مسعاه.
دفع بقوة و عنف هاتفا من داخله يسأله ما شأنك بهم وأنت لم تهتم يوما لأحد؟) و أهمل عجزه و بدايات وهنه ليقفز عبر السور فيلفي نفسه في حديقة تلك الدار. يهرول، يدفع تلك الأجساد المتحلقة حول... جسد نعم إنه جسد شيخ هرم. شيء غريب يشدّه إليه. نفس تلك العينين، نفس تلك الملامح، تلك اللحية وذاك الشعر. إنه يشبهه كثيرا. كأنه هو، لكن أكبر قليلا. تجمّد للحظات في مكانه، وتصلبت نظراته اتجاهه، لينتفض بعد ذلك و يدور على عقبيه وهو يصرخ ملء أنفاسه:
- لا،لا يمكن أن يحدث هذا.
أحس الدوار يتلاعب برأسه، حانت منه إلتفاتة إلى ذكرى"عزيزة"البعيدة. لازال يذكر بيت عائلتها، سيذهب لخطبتها و يقنعها أن ترضى بعجوز مثله زوجا لها.
لا، لازال يذكر رقم هاتفها، سيكلمها و يقول لها أنه موافق أن يتزوجا. أحسّ بلذة أن تشاركه شقته، عالمه، أحلامه، إشتياقه لأبناء هم من صلبه.
تحرك بخطوات واسعة، وأنسام بحرية تداعب خياشمه.أحس بشعلة دافقة تغمر جسده. لم يعد يشعر بتلك الآلام المفصلية حتّى ذاك السور سيتجاوزه دون أن يضع يده كما فعل حين دخوله، لكنه يقف أمامه حائرا شبه عاجز، ولسانه ينطق دهشة:
- لا،لا يمكن. أهذا هو السور الذي عبرته منذ قليل؟ مستحيل أنه بمقدار خمسا و أربعين مترا. لكن كيف حدث هذا؟ و متى تمّ ذلك؟ أيعقل أن ينمو جماد و بتلك السرعة؟
يقصد البوابة الحديدية و هدير الموج يصك صماخيه، يحاول اختراقها، اقتحامها لكنها محكمة الإغلاق، محكمة الإنغلاق غلى نفسها. يرفع رأسه بيأس إلى السماء تصطدم عيناه بمؤخرة اللافتة التي كانت سببا في جره إلى هذا المكان المسحور. يقرأ دهِشا ما كتب عليها"المحطة الأخيرة". أصابه الذعر وإحساس بالغبن و تعرضه لمؤامرة و تواطؤ من قبل المدينة المقيتة الخالية، و الكلب الأعرج، واللافتة الكبيرة، والسور الواطئ الذي ظنه جمادا فإذا هو يقتات من أيامه !
يدرك ألا جدوى من الصراخ، فالمدينة خالية، لكنه ليس وحيدا هنا. يلتفت فإذا الجميع محملقين به. يكتشف مستعجبا أنهم يشبهوه في كل شيء حتّى الملامح والملابس. أراد الإستغاثة بصاحب الجثة المسجاة. سببه الأول في المغامرة بالتواجد في مكان كذلك فإذا هي قد اختفت، و أشباهه يتجهون نحوه ليتحلّقوا حول... جسده.


سلا في 13/10/2004
عبدالسلام المودني







 
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تبادل .... وفاء الحمري منتدى القصة القصيرة 18 18-07-2006 10:19 PM

الساعة الآن 08:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط