تجمعت شجاعة ناصر في ركلة قوية علي مؤخرة عبدالحكيم , حين علم بأنه علي علاقة بشقيقته ويتحين الفرص واللحظات لكي يتواصل معها , وكم من رسالة وقعت بين يديه يبث فيها حبه وأشواقه ,وكم تألم من خيانه صديقه له , وهو من أشد الناس حرصا علي شرفه وعلي بيته وأشد حرصا علي أخلاقه ومجتمعه الذي ينبذ غير الشرفاء. كم هو كبير هذا المحيط الذي يحتمل غدر وجبن هولاء , كل هذه الصور تمثلت في ذهنه وهو يصيب مؤخرة عبدالحكيم جعلته يسقط أرضا وسط دهشه رفاقه منه .
لقد أصيبت قدمه بالشلل فهذا الرجل الذي يركله بغضب رفيق عمره , روحان تسكنان في جسد واحد , شارع واحد , بيت واحد , حياة وطموحات واحدة , شقاوة مبعثرة وإسقاطات مجتمعه في كيان واحد هما الاثنان , كان لكل منهم قصة وهدف يسقط في مسار واحد كان يتمني كل واحد منهم أن يصبح قاض لكي يحقق العدالة , عدالة السماء الغائبة , كانوا يذهبوا خلسة الي المحكمة صباح كل خميس ويتسللون من سور المدرسة الي وسط البلد ويتذرعون لرجل الشرطة بباب المحكمة أن والدهم بالداخل وهو رجل قانون ويذكرون أي أسم حتي تحدث الصدفة بمعرفة الأسم ويتجول ناصر في قاعات القضاء الشرعي والمدني ويذهب عبدالحكيم الي قاعة الجنائيات حلمهم مشترك لكن ميولهم ليس واحدة كان ناصر يجلس في أحترام يستمع الي المرافعات في مؤخرة الصفوف وينصت بانتباه محاولا الوصول الي صيغة ربط بينه وبين النقاش والطرح القانوني حتي أعتاد عليه من بالداخل وسمي بالمحامي الصغير أما عبدالحكيم فقد كان مشاغبا وهو يحب التلصص علي أماكن حجز الفتيات وقضايا الشرف والسرقات والمخدرات وكم طرد من القاعة حين كان يصفق بقوة لقاضي يفرج عن متهم لعدم إكتمال الجريمة ويتلصص علي النساء الموجودات بقاعات المحكمة يغازل تلك ويجذب إنتباه محامية شابة كان وسيما ويمتلك قوة نظرات تسبق عمره بسنوات كثيرة وكم كان يسعد وهو يجلس في أحضان نساء المحكمة ويستمتع بلمساتهن الخفيفة لم يعرف بعد تلك المشاغبات كان يحاول تعويض فقدان رباط الأسرة التي طلقها والده في شخص والدته بعد سنوات قليلة من مولده بسبب شكه فيها بقيامها بعلاقة غير شرعية مع قريب لها بسبب حب قديم وهو الذي يشتمها بفعل أو بدون , كانت والدته صغيرة في السن وفاتنة من فاتنات الحي وكم قيل فيها من أشعار وكانت أيضا مضرب الأمثال في المنطقة لحسن سلوكها وأدبها وسيرتها الطيبة بين النساء وفي مؤسستها التعليمية وبسبب ضايقة مالية وعدم مقدرة والدها علي حفظ توازن البيت زوجها من أشعيب الذي يكبرها بسنوات وهو رجل يغير زوجاته مثل سيارته كل عام .
كانت الحياة الكبيرة التي جمعت ناصر وعبالحكيم بسبب قرابة فهو ابن خالته وكم مسح من دمعة نزلت مهزومة عند قدومه من زيارة والده الذي لايفيق من عربدته وسكره وممارسة شرب الحشيش أمامه ولا يحفظ عهدا ً لجده أرحومه الذي يحذره من ممارسة هوايتها الفاسدة أمام ابنه ولكنه كان يعود الي بيت جده منكسرا ًمرتعشا ًمن اقتراب يوم زيارته الي بيت والده , كان ناصر هو الصدر الطيب والحنون الذي يهرب اليه كان الجدار الذي يستند اليه حين يحتاج الي مساندة كانوا يقولون أنهم فولة وأنقسمت اثنين وكانت بينهم هناء التي أخذت جمال والدتها وقوة والدها كان والد ناصر أحد الضباط الذين أستشهدوا في معارك الشرف والكرامة بجنوب لبنان أثناء وجود الجيش الليبي بعد إجتياح قوات الصهيانه للجنوب وقيامه بالمشاركة باداء واجبه القومي , كان ضابطا ملتزما تخرج من الجامعة الإسلامية بمدينة البيضاء بالجبل الاخضر ومن ثم دخل الي الجيش بناء علي رغبة منه وكانت رغبته الحقيقية هي الشهادة ولذا حين رزق بناصر قال لزوجته حين ولادته (مولده هو بداية النهاية بالنسبة لي ازرعي فيه حب الواجب والشرف ) .
لذا عاش الاثنين مثل جسد واحد الاباء مفقودون وأصبحوا كتله واحدة في مواجهة عواصف الدنيا , وعندما غير ناصر مساره الي الدارسة في جامعة الازهر الشريف بقاهرة المعز ذهب عبدالحكيم الي كلية الحقوق في بنغازي وتخرج الاثنين وكم ضحك عبدالحكيم من الزي الأزهري الذي يحاول ناصر دائما المحافظة علي أرتدائه في كل مناسبة كان الفرق قد أصبح بينهم كبيرا ً ذلك بعد سنوات طويلة الاول أصبح من أساتذة الشريعة والثاني محامي مشهور بسلوكه السيء وكم تعجب الناس بالمدينة وهم يشاهدون الرفقة بين الاثنين حتي همس الكثيرون أن علاقة ما تربط الجنة والنار .
أفاق ناصرمن الركله وهو يشاهد عبدالحكيم يقف مرتعشا ًوسط الناس في الشارع وهو يحاول لملمة نفسه بصعوبه وتقدم منه ناصر ونثر الرسائل علي وجهه وحين قرأ ما فيها نكس رأسه أمامه ومن ثم رفع ناصر بيده اليمين وجه عبدالحكيم وقال له لماذا ,,؟
بنغازي – 14ديسمبر – 2008 م