الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 4.00. انواع عرض الموضوع
قديم 14-12-2008, 08:33 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي مصب الخلاص

الصباح موعد صحوها، وإغفاؤها في المساء يكون.
ما بين الفجر والمغيب نهر طويل من الألوان والأشياء والعرق..
صبغت أشياءها الكثيرة ألوان غامقة، والعرق الذي يبلل جسدها يغمر الأشياء الملونة فتغرق فيه وتذوب.

قال لها العجوز بابتسامة ماكرة:
- أنت عاملة نظيفة.
وبعد مراوغة قصيرة شاءت أن تذيقه حلاوة النظافة.

العاملات غارقات في إيقاع الخياطة.
لا تكف الإبر ولا تمل. ونظرات العجوز تلسع وجهها ورقبتها.
حين قامت بتفصيل قميصها الرقيق، لم يفتها توسيع الياقة بما يتلائم مع قدرات الرجل البصرية التي تآكلت في ظلمة المعمل وطوايا السنين.

المدينة الممتلئة تنصاع لفحولة الليل، تتمدد تحت جثمانه الهائل بأثدائها المشعة، تطلق بضعة آهات زائفة، يموج الليل في شعابها، وتضطرب الأزقة بنشوة لاهبة.
أما هي، فقد هدها إرهاق العمل، وضرب مفاصلها التعب، فتداعت فوق سريرها فريسة الغياب الشامل.
بعد المغيب تتلاشى الحواس، وتنهض الأماني من آبارها السحيقة.

تكدست أمامها الأكياس. المحل يموج بالزبائن، وصاحب المحل لا صبر لديه.
انكبت على الأكياس فراحت تصنفها وفق محتوياتها.
أكياس الماضي تحفظ ما بها عن ظهر قلب.
أما الستقبل فلا أكياس له، بل أجراس. أجراس كنائس، وأجراس بيوت.
لا تخشى على نفسها من حدة الصراع.
فأجراس البيوت خافتة رحيمة، وأقل إيلاما من أجراس الكنائس.
ما أكثر البيوت في المدينة، وما أعجزها عن تلبية الدعوات التي تجود بها البيوت!
أيتها البيوت المتناثرة في الأرجاء، فاق كرمك جود الزمان وسعة الأحلام.
بالأمس كان الحلم واعدا، واليوم لم يعد للكابوس مقدرة على الإيلام، بعد أن تلاشى رنين الأجراس في تهويمات الهذيان، وانتصب مكان الكنيسة ألف بيت وبيت.

انسلخ الصبح مكرها عن جسد أبيه ليسقط في حضن المدينة الجريحة.
ومر من تحت نافذتها الموصدة سيل من العابرين.
بائع الكعك يثير شهوات تهفو إلى دفء الرغيف، وغزل البنات يقطر عطرا ورديا يلهب حنينا هاجعا في رياض الأحلام.
النوم لا يزال رابضا فوقها بكل ثقله وأشواكه.
لم تعد تصحو كل صباح، ولم يعد المساء مصب النهر الطويل.
انطلق نداء الجارة أبحا متشكيا: قم يا إبني الله يخليك، قوم شوف رزقك، الدنيا قايمة قاعدة وأنت غارق في نومك العميق... إلى متى تبقى في النوم غارقا؟


مع تكاثر الزبائن تصبح النظافة وحدها غير كافية.
العطر والألوان، والضحكة الرنانة.
امتلكت كل أدوات المهنة، ومضت في أدغالها تحدوها جرأة كبيرة طاوية صدرها على ما يصطخب فيه من ورغبات وآلام.
ابتسامة العجوز الماكرة لا يوازيها إلا الضحكة الكريهة من فم أثرم لأحد الموسرين.
مات العجوز وتلاشى المعمل في ظلامه الأبدي، تقوض محل التموينات واندمل صاحبه تحت أكوام الأكياس وأطنان الحبوب، وحجرة ضيقة مظلمة تملؤها العوانس والقاتلات احتوت جسدها المعبأ، يسمونه السجن وتسميه ملاذ الضائعين.
قررت أن تتناسى أيام الرذيلة وتدفنها في بئر عميقة.
تطلعت روحها الى نور الشمس وتاقت نفسها الى رؤية المذبح والقبة الملونة.
تمنت أن تعثر وسط الأنقاض على جرس كنيسة يكون سليما قادرا على بعث الرنين.
بعد أن يلفظها السجن من أحشائه المقيتة، قد تجد أمامها طريقين، طريق التوبة وطريق العودة.
أما الإختيار فهو الطريق الأصعب من الإثنين.
لن تختار، لأنها لا تريد الخروج، ولن تعبر طريقا بعد اليوم.
ويعرف الليل طريق الزنازين، يزحف إليها كل يوم، يغوص في أعماقها، وينهض من غياهبها المظلمة ظافرا باللذات محملا بالآهات والأماني.

فتحت عينيها على ظلمة الزنزانة.
لا بد أنه الصبح.
تذكرت أن اليوم سيفرج عنها، وسرت في جسدها رعشة المجهول.
أين تذهب؟ كيف تعيش؟ وماذا تعمل؟
أخبرها بائع الجرائد بأن أوضاع البلد زفت، وقدم لها نسخة من الجريدة مجانا.
تحت شمس حارقة، حاولت أن تفك طلاسم الكلمات المرصوفة، ولكن ذهنها الحائر وجد ملاذه في الصور، فتاه بصرها في تفاصيلها الغامقة المفعمة بالظلال.
رائحة الجريدة تبعث على شعور غامض، والبلاد ضائعة في دوامة الأحداث.
متى تهتدي البلاد؟ ومتى يصفو لها عيش الأيام؟.
هل تهتدي إلى الطريق، أم تضيع البلاد ويختفي العباد؟
الحياة تتبدل وتتحول بسرعة الضوء.
لكن النهر القديم يعاوده حلم الجريان.
ولما لم يجد له مسلكا في الزمن، إلتمس طريقه الى الشرايين المسكونة بدماء راكدة.
قالت لنفسها وهي تتأمل معالم رسم قديم لأم كانت لها ذات يوم: لن يكون الأمر صعبا، ولن يكون مؤلما.
وشق النهر سبيله بزخم واصطخاب.
تدفق النهر في الشرايين.
وانطبق الجفنان في هدوء وسكينة.
اللحن الشجي يصدح في الهواء، آتيا من عطفة الدرب القديم.
ومر بائع غزل البنات من هنا، ثم رحل تاركا خلفه عبير الفتيات الحالمات.
فامتزج اللحن والعبير، واتخذ النهر مجرى السماء البعيدة.






 
آخر تعديل ربيع عبد الرحمن يوم 15-12-2008 في 07:38 PM.
رد مع اقتباس
قديم 15-12-2008, 07:42 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: مصب الخلاص

أولا .. أهلا بك صديقنا الجميل أحمد بعد غيبة طالت .. أنرت المنتدى
ثانيا .. يبدو أنها كانت غيبة سخية و كريمة العطاء ، فها أنت تأتى مختلفا تماما ، لغة و قصا
وكأنك تجدد نفسك أو بمعنى أصح .. أدواتك .. و أنا أعرف أن أحمد لديه من الامكانات اللغوية
و القصة الكثير و الكثير !!
استمتعت كثيرا أحمد بهذه اللغة ، التى جاءت تترنم بجمال نحتها ، و وبزاوية النظر الذى طرحت من خلال العمل !!!
فشكرا لك على متعة صدرتها لى !!
محبتى أحمدنورالدين






 
رد مع اقتباس
قديم 16-12-2008, 09:41 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
مجدي السماك
أقلامي
 
الصورة الرمزية مجدي السماك
 

 

 
إحصائية العضو







مجدي السماك غير متصل


افتراضي رد: مصب الخلاص

رائع اخي احمد نور الدين..تحياتي
لغتك جميلة جدا..والسرد.
فكرتك رائعة.
مودتي







 
رد مع اقتباس
قديم 16-12-2008, 11:39 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي مشاركة: مصب الخلاص

اقتباس:

أولا .. أهلا بك صديقنا الجميل أحمد بعد غيبة طالت .. أنرت المنتدى
ثانيا .. يبدو أنها كانت غيبة سخية و كريمة العطاء ، فها أنت تأتى مختلفا تماما ، لغة و قصا
وكأنك تجدد نفسك أو بمعنى أصح .. أدواتك .. و أنا أعرف أن أحمد لديه من الامكانات اللغوية
و القصة الكثير و الكثير !!
استمتعت كثيرا أحمد بهذه اللغة ، التى جاءت تترنم بجمال نحتها ، و وبزاوية النظر الذى طرحت من خلال العمل !!!
فشكرا لك على متعة صدرتها لى !!
محبتى أحمدنورالدين
أخي الكريم ربيع عبد الرحمن
أشكر لك حسن ترحيبك
وأسعد كثيرا بتعليقاتك التي تزيدني ثقة بما أكتب
خالص شكري واحترامي






 
رد مع اقتباس
قديم 17-12-2008, 01:59 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي مشاركة: مصب الخلاص

اقتباس:
رائع اخي احمد نور الدين..تحياتي
لغتك جميلة جدا..والسرد.
فكرتك رائعة.
مودتي
أشكرك يا صديقي العزيز
موهبتك المميزة في كتابة القصة تجعل من وجودك هنا مدعاة للسرور
خالص ودي






 
رد مع اقتباس
قديم 19-12-2008, 12:37 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عائده محمد نادر
أقلامي
 
الصورة الرمزية عائده محمد نادر
 

 

 
إحصائية العضو







عائده محمد نادر غير متصل


افتراضي رد: مصب الخلاص


الزميل الكاتب
أحمد نور الدين
لقد قرأت لك جمل رائعة هنا تستحق الإعارة منك بين الحين والحين إن سمحت
جمل متينة قوية فيها استقلالية واضحة المعالم
أحييك سيدي الكريم







 
رد مع اقتباس
قديم 19-12-2008, 08:58 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي مشاركة: مصب الخلاص

اقتباس:
الزميل الكاتب
أحمد نور الدين
لقد قرأت لك جمل رائعة هنا تستحق الإعارة منك بين الحين والحين إن سمحت
جمل متينة قوية فيها استقلالية واضحة المعالم
أحييك سيدي الكريم
أخجلتي تواضعي سيدتي الكريمة
بالتأكيد لك ما تشائين
أشكر لك القراءة والثناء
خالص ودي






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 09:08 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط