بقلم: تسفي بارئيل, عـن هآرتس:
ليس من الممكن عدم التأثر بالعملية الحسابية التي بسطت امامنا في الاسابيع الاخيرة. وسيط ألماني تحرك في رحلات مكوكية بين إسرائيل و"حزب الله"؛ وسيط مصري يأتي ويذهب بين "حماس" وحكومة اسرائيل. "التابو" تحطم وتبدلت النذور. اليوم (امس) يتم التوقيع على ما يبدو على وثيقة رسمية بين اسرائيل و"حزب الله" حول طريقة تبادل السجناء والاسرى؛ واتفاقٌ حول رزمة اطلاق سراح سجناء فلسطينيين مقابل جلعاد شاليت يوشك هو الآخر على الانتهاء (شفهيا) وفي كل هذه الامور يعتبر الرأي العام شريكاً كاملاً.
مواقع الانترنت وشبكات التلفزة والاعلام تغطي المسألة بالكامل وصور الاسرى تملأ الصفحات، الجماهير تعقد المسيرات والاجتماعات وكتاب جلعاد شاليت يباع في الشوارع والملصقات تلصق هنا وهناك حاملة صور الاسرى.
لم تحظَ اية عملية سياسية بين اسرائيل واية دولة عربية بشعور الاستعجال والاصرار المشتركين بين الجمهور والحكومة، مثلما يحظى به اليوم اطلاق سراح الاسرى وعملية التهدئة. الجمهور لم ينشئ في اية قضية من القضايا علاقات عاطفية عميقة الى هذا الحد مثلما فعل مع ابطال الدراما الحالية واقاربهم، او مع سديروت وسكانها. كل معلومة تفصيلية وكل اقتباس وكل اسم أو تلميح سجلت في الوعي الشعبي وعلى الفور.
ولكن هذا القرب الممركز جداً والناجح جداً بسبب ذلك، يطمس الخلفية التي جاء منها. اولاً و حقيقة ان اسرائيل تجري مفاوضات مع تنظيمات وليس مع دول. لم يكن للسلطة الفلسطينية ولا للحكومة اللبنانية اي اسهام في هذه المفاوضات. هما راقبا عن بعد كيف تأخذ "حماس" و"حزب الله" لنفسيهما صلاحية الدولة وتجريان المفاوضات التي لا تدور فقط حول اطلاق سراح السجناء والاسرى. لكل مفاوضات كهذه جوانب سياسية متعددة الابعاد، ذلك أنه ان كان "حزب الله" وحده هو الذي يستطيع إعادة سجناء لبنانيين، وليس حكومة لبنان، وان كانت "حماس" وحدها ومعها باقي الفصائل الفلسطينية هي التي تملك القوة لتحطيم سياسة العقوبات الإسرائيلية وفتح المعابر الحدودية فما الذي تبقى للدولة الموجودة فوقهما حتى تفعله؟
حسن نصرالله سخر في احد خطاباته من عجز الحكومة اللبنانية في كل ما يتعلق باعادة الاسرى اللبنانيين. في مقابلة أجريت مع محمود الزهار، الاسبوع الماضي، قال: "أعطينا فرصة لياسر عرفات حتى يحرر السجناء من المعتقلات فلم ينجح. وأعطينا فرصة لابو مازن لاطلاق سراح السجناء فنجح فقط في اطلاق سراح عدد قليل جدا. لذلك اضطررنا لاختطاف جندي".
إسرائيل، التي تتألم من التهام جدار معدتها من العصبية في كل مرة تضطر فيها لاجراء مثل هذه المفاوضات، كانت قادرة على توفير ذلك عن نفسها. في الايام الاولى من حرب لبنان بدا ان "حزب الله" مستعدٌ لتسليم الجنديين المختطفين للحكومة اللبنانية حتى تجري المفاوضات حولهما، اسرائيل ومن دون سبب واضح لم تقبل الاقتراح.
في وقت لاحق من الممكن القول ايضا انه قبل عملية الاختطاف وقبل حدوث الحرب التي نجمت عنها، كان بامكان اسرائيل ان تجري المفاوضات حول اطلاق سراح سمير قنطار مع الحكومة اللبنانية ومنحها المكسب السياسي او على الاقل اعطاؤها دور الوسيط.
كان بامكان اسرائيل ان تقرر ايضا ان حكومة الوحدة الفلسطينية التي تتضمن "حماس" هي المرجعية التي تعقد الصفقات معها، ولكنها فضلت مقاطعة هذه الحكومة وبذلك أسهمت إسهاماً محترماً في سيطرة "حماس" على القطاع. ليس من المؤكد انه كان من الممكن منع اختطاف جلعاد شاليت لانه في الواقع اختطف على يد تنظيمات صغيرة لم تكن جزءاً من "حماس"، ولكن كان بامكان إسرائيل على الاقل ان تجري المفاوضات مع حكومة فلسطينية ذات صلاحيات.
لا مفر من الاستنتاج بأن اسرائيل تفضل هذه التركيبة. اجراء المفاوضات مع منظمات يبدو تنازلاً فعلاً ولكنه بعيدٌ عن ذلك. اسرائيل تطلق سراح سجناء يمكن اعتقال أمثالهم في كل يوم، ولكنها ليست مطالبة بالانسحاب من اراض. هي تصافح "حماس" ولو بصورة غير مباشرة وتمنحها صلاحية الدولة ومكانة سياسية رفضت اعطاءها لها عندما انتخبت من خلال انتخابات ديمقراطية.
ولكنها في نفس الوقت ليست مطالبة بالاعتراف بها. كان بامكانها اطلاق سراح السجناء قبل ذلك وتسليمهم لمحمود عباس في اطار خارطة الطريق. ولكن حينئذ كان هذا الامر سيعتبر انجازاً سياسياً لعباس قبل ان يقوم بأي شيء فيه مصلحة دولة اسرائيل.
هذا ليس خطأ في قياس الامور، هذه سياسة. لحسن الحظ إدارة السياسة لم تنتقل للتنظيمات في لبنان والسلطة الفلسطينية فقط. اسرائيل في هذه الحالة تمر في مرحلة انتقال القرار السياسي للتنظيمات. يسمون هذا التنظيم عندنا "الجمهور الاسرائيلي".