سكنت في ذهني حجرة ضيقة تنبعث من جدرانها المصنوعة من الصلب العازل رائحة الرطوبة المتعفنة, القريبة من السماء البعيدة عن السطح,على رحاها تسخر العتمة من مقاومة الضوء الباهت المنبعث من ذلك المصباح الذي ما فتئ يرسلها أشعة واهنة, تتكسر على صفحات ملفات ملونة بألوان حمراء,كانت موضوعة فوق مكتب حديدي صدئ يختفي وراءه شبح لا يبدوا منه سوى صدريته التي تسلل إليها الضوء خلسة عنه, وكأنه يحاول هتك عرض سرية الشبح,هذا الذي تحيط به أشباح من أحجام مختلفة يقفون أمامه صفا و كأنهم يتخشعون في صلاة تجهد غائرة في بطن سكون الليل اليحموم,كلمات متفرقة تنبعث من هنا و هناك لا تصل بينها لا قرابة الأرحام و لا المصاهرة : أبو تهامة, قبل أن ينتصف النهار, فجأة يتغير الصوت قائلا :مشط الحجاج,أم موسى الحلاق فعاد الصوت الأول من جديد للتأكيد نعم نصيحة كنز الحجاج,انتباه الخطر: درجة واحد, التصنيف غير معلوم, المكان مجهول,الرقابة المعولمة, رصدت و جوده بيننا.
بمجرد انتهاء الحوار انطلقت جموع البصاصين و العيارين و العرافين و المنجمين و السحرة و الفقهاء و المفسرين و أصحاب الخط و السوقة و الشطار يجوبون الأفاق بحثا عن أبو تهامة,وبعد طول بحث و تعقب و جدوه جالسا بين المروج ينسج ألحانا من قصب,أحاطوا به من كل مكان حتى خنقوا أنفاسه, صاح فيهم ما تبغون راعيا ممزقا منسيا, فأجيب: أنت ممن طبقوا النصيحة التي وجدها الحجاج في صندوق المجوس,فصاح فيهم و الله ما بكم عين و لا عقل هذه بشرتي فانظروا لا زراعة ولا زرع فيها فكما ترون هي صحراء قاحلة أظن أن صاحب دعواكم هناك فدونكم خذوه و لا تكلمون,أطرقوا رؤوسهم حتى تعفرت بالتراب,إلا هم, يفترض ألا يقعوا أسماكا في شباك البلادة, اعتذروا للشيخ ثم كبلوا غريمهم في أشطان لا تنفلت منها حتى الأرواح الطائرة,أخذوه برقا إلى الغرفة المظلمة العائمة في سديم من الضباب المتحرك,وضعوه وأرعدوا في طلب الشبح الأب الذي أمطر حقله سيلا من أسئلة الإستجراف,وضع وجهه بين مئات الوجوه الوديعة المودوعة في ثلاجة ضخمة,جلس على كرسيه ثم سلط الضوء على المبحوث عنه. فغر فمه من الدهشة لا يدري أيزعق غاضبا أم يطلقها ضحكة تزلزل المدى قائلا: جدي,ابن عنزة!!! فصاح أحدهم إنه الشيخ جدي أبي تهامة وجدناه أسبلها , ناسك لا يأكل إلا الأخضر,ولا يلبس إلا أردية من الشعر, فظنناك تبغيه غريما, تبادلو النظرات فيما بينهم و أطلقوها ضحكة متجهين نحو المخلوق المرتعب قائلين و قعت يا أخ جدي أبي تهامة.