الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-09-2007, 04:54 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي الملك لقمان . ملحمة روائية لمحمود شاهين .الجزء الأول

محمود شاهين


الْمَلِكُ لُقمانْ


ملحمة روائية


الجزء الأول




(1)
محاولة انتحار
حين عزم الأديب لقمان على الانتحار – قبل أن يغدو ملكاً – لم يخبر أحداً بنيّته. ألقى نظرة عابرة على أفراد أسرته، وحيّاهم بحركة بطيئة من يده، وخرج دون أن يتفوّه بكلمة.
ظنّت ابنته أنه يحاول الخروج من العزلة التي فرضها على نفسه منذ أعوام، وظنّ ابنه أنّه يزداد إمعاناً في عزلته، وما خروجه إلا للسير وحيداً بُعيد الأصيل كي يحرّك ساقيه، وربما يستقبل غروب الشمس.
زوجته لم تفكّر في شيء، فهي لم تكن يوماً قادرة على أن تفهم ما يدور في خلده، وكُلّما ظنّت شيئاً فعل نقيضه.
يمّم وجهه شطر الصحراء حيث عاش طفولته في مكان مشابه. أحسّ بها تشدّه إليها بقوة. كانت الشمس قد أخذت تجنح إلى الغروب، وخيوط أشعتها تتكسّر على ظهره. أدرك أنها غابت حين توقفت أشعتها عن سلق ظهره بحرارتها، وحين رأى بعد قليل عتمة الغسق تحلّ شيئاً فشيئاً.
ظلّ يسير طوال الليل مجتازاً بعض الحقول والبساتين والأراضي غير المزروعة.
بُعيد الفجر، استقبلته الصحراء فاتحة ذراعيها. توقّف للحظات متنفساً بعمق، وتابع سيره المتهالك إلى أن أخذ الظّلام يتبدد من حوله. جلس على كثيب من الرّمل وفكّر لبرهة في الطريقة التي سينتحر بها. سيحفر لنفسه قبراً ويستلقي فيه، ويطلق النار على رأسه من المسدّس الصغير الذي يحمله. ولا شك أنّ الريح والعواصف ستذرو الرّمال عليه لتدفنه خلال بضعة أيام، إذا لم تنهش الوحوش جسده، وإذا حالفه الحظ ستهب ريح قوية قد تدفنه خلال بضع ساعات.
«لم تكن الفكرة حسنة، لكنها قد تكون أفضل من حالة اليأس والإحباط التي وصل إليها!»
وابتسم ساخراً من نفسه، لهذا الحرص الذي لا معنى له بعد الانتحار، فإن دُفن أو لم يدفن، إن نهشت الطيور لحمه أو افترسته الوحوش فالأمر سيّان، لاسيما وأن في مقدور الوحوش أن تخرج جثته من تحت الرمال.
أقلع عن التفكير في العواقب وشرع في حفر الرّمل بيديه. لم تكن المهمّة شاقّة. وحين باغتته أشعة الشمس وهي تطلّ من خلف الجبال الشرقية البعيدة، كان قد حفر نصف القبر.
أخذت الأرض تقسو قليلاً، فاستعان بخنجره الذي رافقه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، منذ كان صبياً يعدو خلف القطيع في جبال القدس.
نشب الخنجر بشيء ما، شدّه بقوة وإذا بجمجمة تتدحرج بين قدميه. ارتعد جسده للحظات، تمالك أعصابه وهو يرفعها بيديه ويتأملها، «أي قدر هذا الذي ساقه إلى هذا المكان بالذات، وما الذي كان عليه صاحب هذه الجمجمة؟».
شعر أنه سيسترسل في تساؤلات كثيرة، فألقى الجمجمة على مقربة منه واستأنف الحفر. أخرج بقايا عظام. «لاشك أنها للجسد ذاته!».
أحسّ بالخنجر يصطدم بجسم صلب. حفر من حوله وأبعد التراب ليجد نفسه أمام قمقم من نحاس. رفعه برفق، كان محكم الإغلاق. عالج التراب المتحجّر حول الغطاء برأس الخنجر إلى أن حرَّره. أداره بقوة وببطء لتخوّفه من أن يندفع من القمقم جنيّ ما، لكثرة ما قرأ عن الجن السجناء والقماقم المرصودة في كتب التراث العربي. وحقاً كان تخوّفه في محلّه، فما أن رفع الغطاء حتى انبعث من القمقم دخان هائل طاول عنان السماء.
انطرح الأديب لقمان على ظهره من هول الرعب الذي انتابه. لم تمر سوى لحظات حتى انجلى الدُّخان عن جنّي عملاق، قدماه تنغرسان في الأرض ورأسه يتسامق عالياً في السماء، وراح يهتف بصوت هائل:
«ها! أمر مولاي العظيم لقمان محرر أرواح الجان! عبدك المُطيع ودرعك المنيع «شمنهور الجبّار» ملك ملوك الجن الحُمر في سائر الأكوان والأمصار!!».
ولم يكد يفرغ من كلامه إلا وأصوات هائلة تتردد من كافة أرجاء الكون، هاتفة بصوت واحد ثلاث مرات «ها.. ها.. ها..!».
تمالك الأديب لقمان نفسه وجلس. تساءل وهو ما يزال تحت وطأة الدهشة:
«ما هذه الأصوات يا ملك الملوك؟»
«هذه أصوات أتباعي وأتباع أتباعي من ملوك الجن يجددون ولاءَ هم لي، ويبتهجون بتحريري من السجن بعد أن أعلمتهم بذلك يا مولاي»
«الحمد لله على سلامتك»
«سلّم الله مولاي العظيم»
«أنا لست عظيماً أيها الملك»
«إن من يحرر ملك ملوك الجان من سجنه لن يكون إلاّ عظيماً يا مولاي»
«والله إنّي أشك في ذلك أيها الملك. لكن كيف عرفت اسمي؟»
«حين حكم عليّ الملك سليمان بالسجن أبلغني أنّه لن يُفرج عني قبل ثلاثة آلاف عام على يديّ أديب فلسطيني يُدعى لقمان!»
«ثلاثة آلاف عام وأنت تقبع في هذا القمقم؟»
«نعم يا مولاي»
«ولماذا سجنك سليمان؟»
وطأطأ ملك الملوك رأسه خجلاً وما لبث أن تكلّم:
«وقعت في غرام بعض نسائه يا مولاي!»
«لست قليلاً أيها الملك، وهل كُنّ مغرمات بك أيضاً؟»
«نعم يا مولاي»
«من منهن؟ ابنة الفرعون أم بلقيس ملكة سبأ؟»
«هاتان كانتا منهن يا مولاي. لكني أغرمت بالفلسطينية عستارت أكثر من الجميع، وهي التي كُشِفت علاقتي معها»
«عستارت؟ هذا الاسم يكاد يكون اسم آلهة فلسطينية أيها الملك»
«نعم، كان اسمها مشتقاً من اسم الآلهة يا مولاي»
«وماذا فعل بها هي؟»
«قطع رأسها أمامي يا مولاي وقال أنه سيدفنها معي، والحق إنني لا أعرف فيما إذا فعل ذلك بعد أن سجنني في القمقم»
«لقد عثرت على جمجمة وبقايا رُفات قبل أن أعثر على قمقمك، لعلّها لها؟»
«أين الجمجمة يا مولاي؟»
«ها هي أيها الملك»
رفع الأديب لقمان الجمجمة بيديه ونهض ليعطيها له. فوجئ به يتضاءل إلى أن أصبح بحجم إنسان وبهيئة ملاك. مدّ يدين مرتعشتين وأخذ الجمجمة برفق وعيناه تذرفان الدّموع.
وقف الأديب لقمان صامتاً محتاراً، فيما راح الملك شمنهور يرثي محبوبته ببضع كلمات:
«الحبيبة الغالية عستارت، سيّدة السواحل والجبال، عروس البوادي والأنهار، فاتنة مدينة السّلام، هل غدا رأسك الجميل رفاتاً وجسدك المعطاء رميماً؟!»
ورفع الملك شمنهور يده وإذا بتابوت من الذهب الخالص يتموضع إلى جانبه. ألقى نظرة نحو الأديب لقمان وهتف متوسّلاً:
«هل يأذن لي مولاي العظيم بدفن رُفات محبوبتي؟»
«أنت حر فيما تفعل أيها الملك»
وفتح الملك شمنهور التابوت وإذا به يتلألأ بالجواهر وقد فرش بالحرير الأخضر. جمع الأديب لقمان الرّفات مع الملك ووضعاه في التابوت، ثم أغلقاه بإحكام.
أشار الملك بحركة من يده وإذا بالقبر ينفتح والتابوت يرتفع برفق ليأخذ مكانه فيه. وبحركة ثانية أُهيل التراب في القبر، وبثالثة انتصب فوقه ضريح من حجر المرمر، وبرابعة شيّدت فوقه قبّة هائلة خضراء مرصّعة بالياقوت والزمرّد يعلوها هلال من الذهب تتوسطه نجمة سداسية الشكل، ويرتكز على شمعدان من الذهب بطول ثلاثة أذرع.
كان الأديب لقمان واقفاً في دهشة وذهول لما شاهده من قدرات الملك شمنهور الخارقة، ولم يعد يعرف فيما إذا كان في حُلم أم يقظة.
أخذ الملك شمنهور القمقم وأخرج منه خاتماً قدّمه للأديب لقمان.
«ما هذا أيها الملك؟»
«هذا الخاتم الذي نقشت عليه كل الطّلاسم التي تتحكّم بحريّتي، مَن ملكه امتلكني ومن فقده فقدني!»
أطرق الأديب لقمان للحظة متفكّراً.
«قل لي أيها الملك؟»
«أمر مولاي العظيم»
«هل أنت حقيقة أم خيال، وهل أنا في حُلم أم يقظة؟»
«عفواً مولاي، أنت بكامل يقظتك وأنا حقيقة كما ترى!»
«المشكلة أنني لا أقتنع بوجود الجن والشياطين وحتى الآلهة نفسها، وما جئت إلى هنا إلا لأنتحر بعد أن غدت حياتي لا تطاق!»
«ولماذا يا مولاي أصبحت حياتك لا تطاق؟»
«لأنهم أفقدوني حقي فيها أيها الملك، بل أفقدوني مبررات وجودي نفسها. حتى الفقراء الذين بددت مالي عليهم أو أدنته لهم اختفوا من وجودي، الأصدقاء منهم وغير الأصدقاء، كلّهم تبخّروا في الهواء! وحتى الصّدور الكاعبة الدافئة الحنونة التي كانت تبثُّ إكسير الحياة في روحي ذبلت وذوت أو اختفت. لم يعد ثمة شيء يشدّني إلى هذه الحياة الخاوية أيها الملك!»
«مولاي العظيم، سأحضر لك من المال ما تعجز السُّفن عن حمله، وسأضع بين يديك من النساء ما تعجز اللغة عن وصف جمالهن، وسأوجد لك من الأصدقاء من تأنس بحضوره، ويأسرك بحسن معشره، ويأخذك بشموليّة معرفته»
«آه أيها الملك، ليست المشكلة في المال والنساء، والأصدقاء فحسب، فهؤلاء لم يكونوا غايتي ذات يوم، ربّما كانوا ضرورة من ضرورات الحياة، أما الغاية فقد كانت أسمى، وكان تحقيقها صعباً إلى حد يدفع الطّموحين من أمثالي إلى الانتحار!»
«وماذا كان طموح مولاي لعلّني أقدر على تحقيقه؟»
«إنه طموح بسيط ومشروع أيها الملك: أن نحبّ بعضنا نحن معشر البشر، وأن نحب لغيرنا ما نحبّه لأنفسنا، وأن نعمل من أجل الآخرين بالقدر الذي يعمل به الآخرون من أجلنا، وأن ننبذ الشر من بيننا، ونصلح ما أفسد أرواحنا، وشوّه جمال إنسانيتنا، أن نتّحد في مواجهة الأخطار المحيقة بكوكبنا، أن نمنح الإنسان حريته، أن نسخّر العلم والمعرفة لخدمة البشرية وإطالة عمر الإنسان، لا لتدميرها وقتل الإنسان، أن نوجد نظاماً عصرياً يسمو بالبشرية من حضيضها، أن ننقذ ملايين الجوعى في العالم. لقد أخفقت في تحقيق شيء أيها الملك، حتى طموحاتي الأقل شأناً كأن أرى بلدي محرراً من المحتلّين، أخفق جميع العرب والمسلمون والقوى المحبة للسلام والحرية في تحقيقه، أو حتى أن أعيش ضمن الحد الأدنى من الحُرّيّة الذي يتيح لي نشر كتبي وأفكاري وإبداء رأيي وممارسة الحب مع من تحبّني! لم يتحقق لي أي شيء من كل هذا وذاك أيها الملك، أي شيء على الإطلاق، ولم يعد هناك أي معنى لهذه الحياة، ولو في نظري. والحق أنني أشكّ في أنك قادر على تحقيق أحلامي هذه، رغم قناعتي أنك قادر على فعل المعجزات. لذلك أرجوك أن تأخذ خاتمك هذا وتنصرف إلى حيث تريد، وتعيش حياتك بحرية خارج الأسر. وتدعني أنتحر بسلام، وكم أنا سعيد بتحريري لك،بعد ثلاثة آلاف عام من القهر. لا أظن أنني فعلت ما هو أجمل من هذا في حياتي، وإن حدث ذلك بمحض الصدفة. ولا أظن أن ثمة بطولة في المسألة»
«مولاي. مولاي العظيم!»
«أرجوك أيها الملك ألا تخاطبني مولاي، لأنني أكره أن أكون سيداً لأحد، ولا تعظمني لأنني لم أمقت في حياتي أحداً أكثر من المعظّمين دون أن يكونوا عظماء. ثم إنني وبالتأكيد،لست عظيماً ولست بطلاً ولست نابغة، إنني إنسان متنوّر بعض الشيء، حاول أن يلِمّ بثقافة البشرية بالقدر الذي أتاحه له وقته»
«مولاي!»
«أرجوك»
«لقد اعتدت تعظيم من يتحكّمون بطلسمي أيها الأديب لقمان، ومع ذلك سأحاول إن استطعت!»
«أشكرك أيها الملك، لتحاول، لن يكون الأمر صعباً كما أظن، لقد فعلت ذلك الآن»
«حسناً أيها الأديب! ما أودُّ قوله فيما يتعلّق بخيبة أملك، وتبديد طموحاتك، وسعيك إلى الانتحار، هو أن الشر أزلي فلقد خلق الله الإنسان وخلق الشيطان، خلق حوّاء وخلق الأفعى، خلق «قابيل» وخلق «هابيل» من ضمن ما خلق، إنّه سرّه وإحدى معجزاته يا مولاي، عفواً أيها الأديب لقمان!»
«أي سرٍ هذا وأية معجزة أيها الملك؟ إذا كان الله يعرف أن الشيطان سيضلل الإنسان، فلماذا خلقه؟ وإذا خلقه دون أن يعرف ما الذي سيفعله، فلماذا جعله يقوم بأفعاله البغيضة؟ لماذا لم يردعه؟ لماذا لم يقتله بعد فعلته الأولى؟ وإذا كان يعرف أن «قابيل» سيقتل «هابيل» فلماذا خلقه أيضاً، وإذا لم يكن يعرف حين خلقه، فلماذا أتاح له أن يقتل أخاه؟! قل لي أيها الملك؟»
«إنه سرّه. سرّه أيها الأديب لقمان»
«سرّه أن يكون خيراً وشراً في آن واحد؟ ما هي الحكمة في ذلك؟ سرّه أيضاً أن ينزل كلَّ هذا العذاب بأيوب لمجرّد أن يختبر إيمانه، وليقنع الشيطان بهذا الإيمان؟! هل أغواه الشيطان هو أيضاً حتى أتاح له أن ينزل كل هذا العذاب الفظيع بأيّوب؟ أي إله هذا الذي لا يعرف مدى إيمان إنسان خلقه إلاّ بهذه الطريقة البشعة؟! من الأفضل لك أيها الملك أن تعرف أنه سرّنا نحن معشر الإنس، وإن شئت الإنس والجن، الذين أوجدوا الله والشيطان، قابيل وهابيل، آدم والأفعى، الخير والشر!»
«مولاي أرجوك!»
«ها أنت تعود لمخاطبتي «مولاي» أيها الملك»
«إن من يجرؤ على طرح هذه التساؤلات الكبيرة والإجابات الخطيرة لا يكون إلا إلهاً أو نبياً يا مولاي!»
«ولماذا لا يكون أديباً أو عالماً أو فيلسوفاً أيها الملك؟»
«لأن هؤلاء لا يرقون إلى مرتبة الآلهة والأنبياء يا مولاي»
«ولماذا لا يرقون؟»
«هذا ما عرفته في عهد ما قبل سجني يا مولاي»
«عهد ما قبل سجنك؟ لعلّك تتحدث عن آلهة ما قبل سجنك؟ ولعلّك كنت تعبد الآلهة عشتاروت أو عِناة أو بعل أو إيل؟»
«أجل، لقد عبدت هؤلاء جميعاً وعبدت غيرهم يا مولاي»
«من عبدت أيها الملك؟»
«عبدت الشمس والقمر والزهرة يا مولاي، وعبدت الإله «آبسو» قبل أن يقتله أولاده، وعبدت «تيامه» ومردوخ وعشتار، وآنو وإنانا وإنليل، وجلجامش ورع وأوزيريس وإيزيس وحورس، وعبدت كثيرين غيرهم يا مولاي، إلى أن جاء سُليمان وجعلني أترك الجميع حتى «إيل»، وأتبع «يهوه» إلى أن ترك هو عبادته ولم يعد يسأل عن معبودي!»
«حتى يهوه عبدته أيها الملك؟»
«أجل يا مولاي»
«وهل ترك سليمان عبادة يهوه حقاً أيها الملك؟»
«أجل يا مولاي. لقد انحاز إلى عبادة البعل والعشتاروت وإيل وغيرهم من آلهة الفلسطينيين والصيدونيين والسبأيين والمصريين والبابليين»
«عجيب أمرك أنت وسليمان أيها الملك، فأنتما كأجدادنا كُلّما أتاهم أحد بإله جديد آمنوا به. ما رأيك أننا الآن في كوكب الأرض نكفر بكل هؤلاء الآلهة، الذين جاؤوا في ذلك الزمن، ولا نؤمن بأي منهم، ما عدا «يهوه» فهناك بعض من يؤمنون به!»
«هل أصبحتم جميعاً غير مؤمنين يا مولاي؟»
«بالعكس إن آلاف الملايين منا ما يزالون مؤمنين»
«بمن يا مولاي؟»
«ببعض الآلهة والأنبياء الذين جاءوا بعد زمنك أيها الملك أو ببعض الأديان والفلسفات»
«وهل جاء آلهة وديانات أخرى يا مولاي؟»
«أكثر مما تتخيل من الآلهة والأنبياء والفلاسفة الدينيون والطّوائف، وما إلى ذلك، ففي الهند مثلاً جاء الهندوس بـ «براهما» و«فشنو» و«شيفا» والبوذيون بـ «سد هارتا جوتاما الملقب بوذا» والجينيّون بـ «مهاويرا» وفي الصين جاء الطاويّون بـ «لوتس» و«كونفوشيوس» و«شوانغ تسو» وفي بلاد الفرس جاء الزرادشتيون بـ «زرادشت» وفي اليونان جاؤوا بآلهة أكثر من أعدها لك، منها «أورانوس، غايا، زيوس، كرونوس، هيرا، هادس، ديمتر، وأفروديت» والرومان كذلك والعديد من شعوب العالم، جاؤوا بآلهة كثيرة. أما عندنا، فجاء الصابئة المندائيّون واللات والعزّى وهُبل ومناة وإساف ونائلة والعشرات غيرهم، وجاء يسوع المسيح، والمانويّون والأحناف، ثم جاء النبي محمد الذي أتى بالدين الإسلامي، وتوقّف ظهور الديانات أو قلّ منذ ذلك الزمن، فقد تعددت الطوائف والمذاهب والأديان، حتى تحوّل بعضنا إلى تقديس الشيطان نفسه واعتبروه صنواً للإله، بل وادّعوا أنه هو من خلق الإنسان وليس الله!»
«ولماذا توقف أو قلَّ ظهور الآلهة والأنبياء يا مولاي؟»
«لأن محمد كان من الذكاء والعبقرية بحيث سما بالدين الإسلامي إلى مكانة يستحيل أن يرقى إليها أي دين آخر سماوي. لقد جرّد مفهوم الإله إلى أبعد حدود المطلق، حين جعله موجوداً في كل زمان ومكان، فهل ثمة ما هو أعظم منه. وهل يمكن أن يأتي أحد بمن هو أعظم منه؟!»
«لا أظن يا مولاي، وإن كنت لا أفهم في المُطلق! لكني فهمت معنى أن يكون هذا الإله موجوداً في كل زمان ومكان، لهذا هو عظيم. الآلهة الذين عرفتهم لم يكونوا بعظمته. لكن ماذا يعبد العالم اليوم يا مولاي؟»
«هناك ديانات كثيرة أيها الملك، لكن أشهرها وأكثرها انتشاراً، المسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية والطاويّة والكونفوشيوسيّة. وثمة ملايين وربما عشرات أو مئات الآلاف فقط من العلمانيين أو المتنورين بعض الشيء أمثالي. لا يؤمنون بأي من هذه الديانات، إلا بقدر ما هي تصوّرات للبشر أنفسهم عن الوجود، ويعتبرون في نظر المتديّنين زنادقة وملحدين!»
«وأنا يا مولاي، ما وضعي الآن بين هذه الديانات كُلّها وبين المتنورين؟»
«سؤالك وجيه أيها الملك، لكن الشمس حميت، وأنا عطشت وجعت وشوّبت، وأريد أن أنتحر، والقبر الذي حفرته لنفسي بنيت عليه ضريحاً وقبّة لمحبوبتك، لذلك سأطلب إليك أن تحفر لي قبراً بدلاً منه»
«مولاي! سأفعل لك ما لم يفعله ملائكي أو جنيٌّ وربما إله لبشر، ولن أدعك تنتحر حتى لو اضطررت للعودة إلى سجني!»
وحرك ملك الملوك شمنهور الجبّار يده في الهواء وإذا بالمكان يتحوّل إلى روضة من الجنان، انبثقت منها مئات الأشجار المثمرة والنباتات المختلفة، والورود والزهور الجميلة. وتخللتها ينابيع، يجري فيها ماء كالسلسبيل، وعمت أرجاءها نوافير من الذّهب، ترشّ الماء رذاذاً في الاتجاهات كُلّها، وعرّشت فوقها أقواس قزح، وظللتها غيمة زرقاء نديّة، وفرشت ممراتها بالسجاد والديباج، وأفردت فيها أرائك مجللة بالحرير الموشّى بخيوط الذهب، وامتدت في منتصفها مائدة بأطيب المأكولات، في أوانٍ من الذهب الخالص، كان بينها ظباء محمّرة وفراخ بط مقمّرة وخراف مشويّة وجديان مقليّة، وفروّج محشو بالأرز والصنوبر واللوز، وطيور حجل، وفراخ حمام، وسمك وإقريدس وسلطات من كل أنواع الخضار، وفواكه لا يوجد مثلها إلا في الجنان العادنة، وخمور لذيذة معتّقة من زمن سليمان. وقد أحاطت المائدة عشر فتيات حوريّات من بنات ملوك الجان، كأنّهن ملائكيّات أو من حور العين يرتدين ثياباً من الحرير الأحمر الشّفاف، ويتزينّ بأجمل الجواهر، وقد أطلقن شعورهن على ظهورهن، وكنّ دارعات الصّدور، ضامرات الخصور، ممتلئات الأرداف، ممتشقات القوام، منتصبات السيقان، بعيون سود وخضر وزرق مكحّلة، بأجمل الألوان مشكّلة، خدودهن مورّدة، وأنوفهن من أجمل ما أبدع الخالق منضّدة. وشفاههن حمر كشقائق النّعمان، وأعناقهن كرقاب الغزلان، ونهودهن جامحة كذكور اليمام، وأصابع أيديهن كأعواد الغيصلان أو قضبان الخيزران، وأظفارهن تُبرق كاللؤلؤ مخضّبة بالمرجان، سبحان الخالق الديّان، وقد تضوّعت منهن رائحة العطور النّفاذة بالعنبر، من عبقت في أنفه قال الله أكبر! فيا سعد من حواهن، وإلى صدره ضمّهن وألقاهن. ينسى أمه وأباه، وأيّام شقاه، والبيت الذي ربّاه، والبلد الذي حواه، وحتّى من خلقه وسوّاه!.
بدا الأديب لقمان كأنه في حلم، إذ ليس من المعقول أن تأتي الجنة إليه بهذه السهولة. كان يقف في غاية الدهشة حين خاطبه ملك الملوك:
«تفضل يا مولاي، يسرّني أن تكون ضيفاً على أوّل مائدة لي بعد ثلاثة آلاف عام من السجن. آخر مائدة لي كانت مع الغالية عستارت، وهي المائدة التي أودت بي إلى السجن وبعستارت إلى الموت، فقد كان جواسيس سُليمان لنا بالمرصاد»
«هل تحاول إغوائي كي أكفّ عن الانتحار أيها الملك؟»
«أظنّ أن محاولة إغوائك ستكون أكبر من أن تتخيّلها يا مولاي فيما لو أردت ذلك!»
«وهل ثمة ما هو مُغوٍ أكثر مما أرى؟»
«هذا لا شيء يا مولاي!»
وتقدّمت فتاتان يخلب جمالهما العقول. فقدّمهما ملك الملوك للأديب لقمان:
«الأميرة الحورية «نور السماء» أجمل جميلات الجن من بين الحوريّات، وابنة أكبر ملوك الجن من بعدي الملك «حامينار» العظيم»
وأشار إلى الفتاة الثانية وتابع:
.. والأميرة «ظل القمر» ابنة ثاني أكبر ملوك الجن، يمكن أن تعتبرهما خليلتيك وتفعل بهما ما تشاء يا مولاي، فهما في خدمتك وتحت أمرك، وإن شئت غيرهما من هؤلاء أو من غيرهن جلبت لك»
«أشكرك، تكفيني الأميرة «نور السماء» وحدها، فمن يحوز على هذا الجمال الخارق قد يستحيل عليه أن يفكر في غيره، وإن كنت أرى فيه ما يمكن أن يغويني ويثنيني عن الانتحار!»
«آمل ذلك يا مولاي»
وهتفت الأميرة نور السماء:
«شكراً لمولاي لهذا الإطراء الذي لم أسمع أجمل منه وآمل أن يتوّج بثني مولاي عن الانتحار»
«حتى لو انتحرت أيّتها الأميرة، سأنتحر سعيداً لأنني حظيت بمشاهدة جمال مثل جمالك قبل انتحاري»
فقاطعهما ملك الملوك طالباً إليهما الجلوس واستئناف الحديث.
أخذ الأديب لقمان والأميرة «نور السماء» مجلسيهما إلى المائدة، فيما جلس الملك شمنهور والأميرة «ظل القمر» في مواجهتهما.
كانت فتاتان تقفان خلف كل اثنين للخدمة فيما توزّعت باقي الفتيات على المائدة.
مالت الأميرة نور السماء برأسها نحو الأديب لقمان وهمست بصوت عذب، أحس به يدغدغ مسامات جسده:
«ماذا يرغب مولاي؟»
التفت الأديب لقمان إليها فغدا وجهه قريباً من وجهها، وشعر بالحياة تدعوه إليها بكل جبروتها، همس بصوت خفيف:
«أرغب أن تكوني مليكة قلبي، بل وملكة الأرض كُلها، وأكون أنا حارسك!»
ندّت شفتاها عن ابتسامة لم ير الأديب أجمل منها في حياته:
«شكراً للطفك يا مولاي. هل تفضل الخمر أم عصير الفواكه أم حليب الظّباء، قبل تناول الطعام؟»
«هل قلتِ حليب الظباء؟»
«أجل يا مولاي»
«أنا لم أذقه في حياتي، ومع ذلك سأجرّب، ولا مانع بكأس من عصير البرتقال أيضاً»
«أمر مولاي»
مدّت الأميرة نور السماء يدها إلى إبريق ذهبي، غير أن إحدى الفتاتين الواقفتين سارعت إلى أخذ الإبريق فيما راحت الأخرى تقدّم عصير البرتقال.
تذوّق الأديب لقمان الحليب بتناول رشفة صغيرة، وحين وجد أنه أطيب من أي خمر، رفع الكأس إلى فمه وراح يتجرعها إلى أن أنهاها.
أحسّ بحاجة ماسّة إلى سيجارة. التفت إلى نور السماء ليجد أنها تنتظر أوامره:
«نفذت سجائري منذ الصّباح، هل لي بسيجارة أيتها الأميرة؟»
«أي نوع تفضّل يا مولاي؟»
«ماذا لديك؟»
«كل أنواع السّجاير والسيجار يا مولاي»
«هل لديك سيجار «هافانا» مثلاً؟»






 
رد مع اقتباس
قديم 09-09-2007, 04:59 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: الملك لقمان . ملحمة روائية لمحمود شاهين .الجزء الأول

تتمة الفصل الأول
وقامت الأميرة بحركة من يدها لتتموضع أمامه علبة مفتوحة من السيجار لم يعرف كيف ظهرت على الطاولة! ولم يعد قادراً على تصديق ما يجري، إذ لم يبق إلا أن يطلب إحضار فيدل كاسترو نفسه ليتناول معه الفطور فيما لو أراد. وشرع يتساءل في سريرته:
«لا يُعقل أن تحدث كل هذه المعجزات في الواقع. على أية حال إذا كان كل هذا حُلماً فلا بُدّ له من نهاية، ويا ليته جاء من قبل لينتحر في هذه الصحراء! لكن لعلّ الحلم ابتدأ من البيت، وهو الآن هُناك في السّرير ويغطّ في نومٍ عميق! مستحيل أن يكون عبور الصحراء حلماً، لقد سار طوال الليل، وتورّمت قدماه. إذا كان هناك حلم ما، فلم يبدأ إلا بعد فتح القمقم!»
ألقى نظرة نحو ملك الملوك، كان يلتهم الطعام بشراهة فظيعة ويشرب الخمر من الأباريق ومعظم الفتيات يقمن بخدمته.
أحسَّ ملك الملوك به ينظر نحوه، فهتف وفمه يمتلئ بالطعام:
«عفواً يا مولاي، أنا لم آكل منذ ثلاثة آلاف عام»
«صحّة وعافية»
«لماذا لا تأكل يا مولاي؟»
«سآكل»
وأشار إلى فتاة تقف على مقربة منه أن تقدم له شريحة من لحم الغزال وبعض شرائح الخيار والبندورة والفلفل الأخضر.
لم يذق في حياته أطيب وأشهى من هذا الطعام، وعبثاً حاول أن يطرح التساؤلات الجنونية التي راحت تنهال على دماغه:
«إذا كان ما يجري ليس حلماً، فهذا يعني أن الجن حقيقة وليسوا وهماً، وأن الشيطان والملائكة والمردة حقيقة أيضاً، وأن هؤلاء يتمتّعون بقدرات خارقة ويحيون في نعيم أين منه نحن معشر الإنس، دون أي رقيب أو حسيب! وإذا كان خلف هؤلاء قوة خالقة فلماذا فضّلهم الله علينا نحن البشر؟!»
قطع تساؤلاته ملك الملوك حين سأل:
«ألن تجيبني عن سؤالي حول وضعي الآن يا مولاي؟»
«سأجيبك أيها الملك:
أنت في نظر المسلمين كافر ما لم تسلم. وفي نظر المسيحيين جاهل ومُضلّل ما لم تؤمن بالأب والابن والروح القدس، وفي نظر البوذيين روح يتنازعها الشر وتسعى إلى ملذاتها ولا سبيل إلى هدايتك ما لم تنبذ مسراتك وعالم ملذّاتك وتدخل عالم الزهد والتقشف إلى حد مغرق في الفقر وقتل الغرائز، كأن تتخلى حتى عن ملابسك وتنام على الأرصفة وتحت الأشجار ولا تمارس الجنس، وتتوحّد بروحك وجسدك مع بوذا!»
«أرجوك يا مولاي أفضّل العودة إلى قمقمي أو أبقى كما أنا على أن أتبع هذا الدين»
«الأمر لا يختلف كثيراً في الأديان الثلاث الأخرى، أقصد الهندوسيّة والطاوية والكونفوشيوسيّة، إذ عليك أن تتخلى عن الكثير من مكتسباتك الدنيوية أو عن بعضها في أحسن الأحوال»
«أنا لن أتخلّى عن شيء يا مولاي، فكل مكتسباتي وإمكانياتي حق لي!»
«هذا غير ممكن ولا في أي دين أيها الملك، ربما يقبل بك عبدة الشيطان!»
«أعبد الشيطان يا مولاي؟ مستحيل! أنا لا أكره أحداً أكثر مما أكرهه!»
«إذن ابق كما أنت الآن بلا دين، أو عُد لعبادة يهوه وإيل وعشتاروت وغيرهم، طالما أنّك كنت تعبدهم»
«يا مولاي، أنتم معشر البشر تخلّيتم عنهم، وتريدني أنا وأتباعي أن نعود إلى عبادتهم بعد ثلاثة آلاف عام؟‍‍! هذه ليست عدالة يا مولاي! ماذا عنكم أنتم، أقصد المتنوّرين ألا تضمّني إليكم إذا أردت؟»
وراح الأديب لقمان يضحك.
«لماذا تضحك يا مولاي؟»
«لأنك في نظرنا مجرد وهم أيها الملك!»
«وهم يا مولاي؟ ألا تراني أمامك؟»
«لكن الآخرين لم يروك، وحتى لو كنت حقيقة، فنحن لا نشكّل طائفة أو ديناً أو حزباً، يمكن أن تطلق علينا جزافاً «تياراً» وإذا شئت الانضمام إلى هذا التيار، يتوجب عليك قراءة ألف كتاب على الأقل من الكتب المختارة في الفلسفة والدّيانات والأساطير وعلم الاجتماع وعلم النفس والأدب والتاريخ وغير ذلك»
«ألف كتاب يا مولاي، هذه لن أقرأها في قرن»
«إذن تنضم إلينا بعد قرن، وإن كان في تأخير انضمامك إلينا خسارة كبيرة لنا لا يمكن تعويضها، فإذا ما تبيّن أنك حقيقة، فقد تساعدنا بقواك الخارقة وعقلك الذي ستصير عليه على تغيير مجرى الحياة على كوكب الأرض»
«بماذا تنصحني يا مولاي؟»
«أي دين تختار؟»
«أجل يا مولاي»
«لماذا تصر على أن تتبع ديناً ما؟»
«لأنني اعتدت على أن أتبع ديناً ما يا مولاي!»
«حسناً، إن شئت رأيي فأنا شخصياً ورغم إلحادي، أحب يسوع المسيح ومريم العذراء، وأجلُّ محمداً وأفتخر به، وأحترم بوذا ومهاويرا وبراهما ولوتس وكونفوشيوس وشوانغ تسو وزرادشت!»
أطرق ملك الملوك لبرهة ثم هتف:
«سأدخل الإسلام يا مولاي»
«لِمَ اخترت الإسلام دون غيره أيها الملك؟»
«لإحساسي أنه دين حق. ولأنني وجدت في كلامك ما يدفعني إليه أكثر مما يدفعني إلى الديانات الأخرى!»
«حقاً هل بدا كلامي كذلك؟»
«هذا ما بدا لي يا مولاي»
«حسناً أيها الملك، إذا رأيت ذلك فليكن»
«ماذا يتوجب علي أن أفعل يا مولاي؟»
«عليك أن تفعل الكثير أيها الملك، لكن الآن وعلى الفور يتوجّب عليك أن تنهض وترفع سُبّابتيك وتردد بعدي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»
ونهض ملك الملوك، وفوجئ الأديب لقمان بالأميرة نور السماء والأميرة ظل القمر والفتيات الأخريات يقفن في خشوع ويهتفن مع ملك الملوك وهن يرفعن سُبّاباتهن:
«أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»
وحين انتهوا كان ثمة أصوات هائلة تتردد في الصحراء والسماء والأرض ومن كافة الأرجاء:
«أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»
تساءل الأديب لقمان بدهشة:
«ما هذه الأصوات التي يضجّ بها الكون أيها الملك مُعلنة إسلامها؟»
«إنها أصوات أتباعي وأتباع أتباعي من الجن وقد دخلوا الإسلام معي يا مولاي»
«وهل جميع الجن أتباعك؟»
«لا يا مولاي فأتباعي من الجان الحُمر فقط»
«وهل هناك جان غير حمر؟»
«هناك جان سود، وجان صُفر، وجان خضر، وجان زرق يا مولاي»
«ما شاء الله! وكم عدد أتباعك أيها الملك شمنهور؟»
«أنا يا مولاي أحكم على مائة ألف ملك جبّار، وكل ملك منهم يحكم مائة ألف جنّي مغوار، وكل مغوار من هؤلاء جميعاً تتبعه حاشية كبيرة من الرجال والنساء والبنين والبنات والأحفاد والأقارب والخدم والأعوان والجواري والغلمان!»
«يا للهول! كل هذا الجمع الهائل من أتباعك أيها الملك؟»
«نعم يا مولاي»
«يبدو أنني أدخلت إلى الإسلام هذا اليوم أكثر مما أدخل المسلمون إليه في ألف وأربعمائة عام»
«هذا سيكسبك رضا الله يا مولاي العظيم»
«العظيم أيضاً، ألا يكفيك أن تخاطبني مولاي، في الإسلام ليس ثمة عظيم ومولىً إلا الله، وإن غدا كل ضباط الجيش والشرطة في عصرنا مهما صغروا أسياداً، وكل الزُّعماء - والمسلمين منهم بشكل خاص – مهما جهلوا عُظماء. ماعدا ملكاً واحداً أطلق على نفسه «خادم الحرمين!» ثم كفاك شرب خمر، فهو في نظر المسلمين «رجس من عمل الشيطان»
«رجس يا مولاي»
«أجل رجس أيها الملك!»
«وماذا عن أرجاسي التي اقترفتها قبل الإسلام يا مولاي؟»
«الإسلام يجبُّ ما قبله» حسب قول رسول الله، أما ما بعده فعليك أن تلتزم بأركانه الخمسة، وثمة سنن وشرائع ينبغي عليك التقيّد بها وإلا لن تكون مسلماً حقاً!»
«ومتى ستطلعني على كل ذلك يا مولاي؟»
«إذا لم أنتحر، أو إذا أجّلت انتحاري أو تخليت عنه، سأطلعك»
«هل هذا يعني أنك بدأت التفكير في العدول عن الانتحار يا مولاي؟»
«وما زلت أفكر فيه أيضاً أيها الملك»
وقطعت حوارهما الأميرة نور السماء:
«أنت لم تأكل يا مولاي»
«بل أكلت كثيراً، أنا في العادة لا آكل في الصباح، لكني سرت طول الليل، لذلك شعرت بالجوع»
«ما رأيك بتفاحة؟»
«طالما أنها من يدك ممكن، ثم إنني أريد شراباً ساخناً. شاي إذا وجد»
«أمر مولاي»
«لم أخبرك أن اسمك جميل حقاً»
«هذا من جمال لطف مولاي!»
«أين تسكنين أيتها الأميرة؟»
«في العالم السُّفلي يا مولاي!»
«السّفلي؟ مع الموتى؟»
«بل مع الجن يا مولاي»
«لكن أين، تحت الأرض، وعلينا أن نجتاز بوابات ضخمة، ونتلو تعاويذ وكلمات سحرية كي تفتح لنا هذه الأبواب، إذا ما أردنا زيارتكم؟!»
«لا يا مولاي، ستجد نفسك وكأنك على كوكب آخر والأرض تعلوك!»
«وهل جميع الجن يقيمون في العالم الأسفل؟»
«لا يا مولاي، ثمة من يعيشون في السموات وفي الكواكب الأخرى وعوالمها السُّفلى، إنهم موجودون في كل مكان تقريباً، لكنهم لا يظهرون على معشر الإنس إلا بإرادتهم، أو باستحضار الطّلاسم والأرواح!»
سكر ملك الملوك، ولم ينتبه له الأديب لقمان إلا وهو يُجلس الأميرة «ظل القمر» في حُضنه ويُعرّي فخذيها وصدرها، هتف له:
«مهلك، ربما هذا حرام في الإسلام يا ملك الملوك»
ويبدو أن الأمر لم يرق له، فقد هتف منفعلاً:
«أُف ما هذا، هل كل شيء في الإسلام رجس وحرام، كان عند سيّدي سليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سريّة!»
«ذاك قبل الإسلام، أما اليوم وحسب الشريعة الإسلامية لا يحق لك من الزوجات إلاّ مثنى وثلاث ورباع، على أن تعدل فيما بينهن!»
«أربع؟ أربع فقط يا مولاي، لعلّك تقصد في اليوم؟»
«في اليوم أيها الملك؟! في العمر كُلّه. ويمكنك أن تستبدلهن إذا شئت، لكن يجب أن يتم الأمر حسب سنّة الله ورسوله! ويُقال أن النبي «محمد» أحلَّ متعتين، هما متعة الحج وزواج المتعة، غير أن الخليفة عمر بن الخطاب منعهما فيما بعد، والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة، سأعلّمك إيّاه فيما بعد، إذا لم أنتحر طبعاً!»
«وما المقصود بهما يا مولاي؟»
«أن تتزوج امرأة لتتمتع بجمالها لبعض الوقت، وثمة بعض الطّوائف الإسلامية التي تبيح هذا الزواج، أما عن متعة الحج، فهي وكما أعرف، أن تمارس الجنس خلال موسم الحج، ويقال أن النبي في حجة الوداع قد قال: «ابدأوا بما بدأ الله عز وجل به»، فأتى الصفا فبدا به، ثم طاف بين الصفا والمروة سبعاً، فلما قضى طوافه عند المروة، قام فخطب في أصحابه وأمرهم أن يحلّوا ويجعلوها عمرة، وليتمتّعوا بالحج.
الحديث في هذه المسائل يطول أيها الملك، وآمل أن يُتاح لي أن أُحدّثك عن ذلك ذات يوم إذا لم أنتحر!»
«أرجو ألا تنتحر يا مولاي قبل أن تعلّمني الإسلام»
«آمل ذلك أيها الملك»
«وماذا عن السّراري يا مولاي، ألا يحقُّ لي أن أقتني من السّراري ما أريد وأفعل بهنّ ما أشاء؟»
«إن شئت الحق، ثمة ما يُشير في كتاب الله إلى ما تملكه أيمان المسلمين، وقد فسّر بعضهم ذلك حسب أهوائهم وطبّقوه، فالخليفة هارون الرشيد كان لديه أجمل السّراري وبعدد أيام السنة»
«هذا ما أبحث عنه يا مولاي فهؤلاء الحوريات من الجواري!»
«إذن يمكنك أن تفعل ما بدا لك أيها الملك!»
«آه يا مولاي، ثلاثة آلاف عام وأنا محروم من متعة النساء»
«الحق معك، يجب أن تعوّض!»
ونهض ملك الملوك حاملاً الأميرة «ظل القمر» يبن يديه وهو يعضوضها، طرحها فوق فراش وثير من الديباج على مقربة من الأديب لقمان، فصرخ الآخر به:
«ليس هُنا يا ملك الملوك»
«أين إذن يا مولاي، كُنا نفعل ذلك معاً بالآلاف في معبد الشمس في سبأ وفي معبد عشتار في بابل وأمام هيكل البعل وعشتروت حتّى أمام خيمة تابوب يهوه»
«أنت الآن في محراب الإسلام ولست في أي من معابد الجنس المقدس هذه، ينبغي أن تستتر عن أعين الآخرين!»
«أستتر يا مولاي، هل استتر النبي وأصحابه حين تمتّعوا بالحج عند المروة؟ والله إني لا أعرف كيف تفهم الإسلام، ثمّ كيف تكون مُلحداً يا مولاي وتحرص على تعاليم الإسلام كلَّ هذا الحرص؟!»
«إن شئت الحق، لا أعرف فيما إذا استتر النّبي ورفاقه حين تمتّعوا بالحج، لكني أعرف أن طقوس الحج هي أقرب إلى العُري الجماعي منها إلى التستّر، ثم أيها الملك أنت من اختار الإسلام وأرى أن من واجبي تجاهك أن أعلّمك إياه على أُصوله وأطلب إليك التقيد بتعاليمه ولو قدر الإمكان!»
«ليكن يا مولاي، سآخذ الفتيات وأبتعد عنك إلى تحت شجرة، أدعوك لأن تتمتع بجمال الأميرة نور السماء يا مولاي، وتنسى أمر الانتحار ولو لبعض الوقت»
«سأحاول لكن لا تتأخر أريد أن أحسم المسألة، إذ لا يُعقل أن أظلّ معلقاً بين هاجسي الحياة والموت»
ولم يعره الملك شمنهور آذاناً صاغية، حمل الفتاة وأشار إلى الأخريات أن يتبعنه، شرع في تعريتهن تحت شجرة على مرأى منهما.
مدّت الأميرة نور السماء يدها وضمّت الأديب لقمان. قبّلها قبلتين خفيفتين على خدّها وعنقها وألقى رأسه على صدرها، همس:
«لم أكن أعرف أن ثمة حوريات بين الجن، هل كلكن بهذا الجمال؟»
«لا يا مولاي، فثمة من هُنّ قبيحات»
«يبدو أنك ما تزالين صغيرة، كم عمرك؟»
«ستة آلاف عام يا مولاي!»
لم يصدّق الأديب لقمان ما سمعه، رفع رأسه عن صدر الأميرة وتساءل بدهشة:
«هل تقولين الصدق أيتها الأميرة؟»
«نحن لا نعرف الكذب يا مولاي!»
«ستة آلاف عام! هل يُعقل هذا؟ يبدو أنك بجيل شمنهور ملك الملوك»
«نعم أنا بجيله وكنّا نتداعب معاً في الصِّغر»
«ولم تتزوجي؟»
«لا، لقد اخترت مسامرة الملوك يا مولاي، مع أن كثيرين طلبوني للزواج ولم أقبل»
«أنا لست ملكاً.. لماذا أحضروك لي؟»
«أُحضرت إليك من قبل ملك الملوك نفسه يا مولاي»
أطرق الأديب لقمان للحظات وهو يعيد رأسه إلى صدر الأميرة لينعم بلذّة الدفء، فقد ضمّته برفق وراحت تملس على صلعته وكأنّه طفل!
«كم من السِّنين تحيون أيتها الأميرة؟»
«نحن لا نموت يا مولاي ولا نشيخ، إلا بعد آلاف آلاف الأعوام!»
صُعق الأديب لقمان للمرة الثانية:
«لا تموتون ولا تشيخون، وتنعمون بكُل ملذّات الحياة وطيّباتها، وتحوزون قدرات خارقة، ونحن معشر الإنس نشقى منذ آلاف السّنين كي نُطيل متوسط عمر الإنسان بضعة أعوام، ونؤجّل شيخوخته بضعة أعوام دون جدوى. أي أسرار هذه التي تكتنف الوجود من حولنا. لقد قيل لنا «كُلُّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام»
«أظن أنّ المقصود بمن عليها يا مولاي من هُم على وجه الأرض وليس من تحتها أو أسفلها، وليس من هم في السموات أيضاً، ثم إن ذلك لن يحدث إلا يوم القيامة»
«وهل تفقهين في الإسلام يا نور السماء؟»
«قليلاً يا مولاي، فقد زرت مكّة ورأيت محمّداً، وحضرت «بدراً» و«أُحُداً» وشهدت فيما بعد حروب الرّدة وحرب الجمل بين علي وعائشة وغير ذلك!»
«ولم تُسلمي؟»
«ارتأى ملوكنا أن ننتظر فك أسر ملكهم كي يقرروا أمرهم، رغم أن بعض الطّوائف الأخرى من الجن قد أسلمت منذ صدر الإسلام وحاربت مع محمّد. على أية حال أنتم معشر البشر تظلّون متفوّقين علينا بالعقل والروح والخلُق والجمال»
«كيف أيتها الأميرة، أنا لم أرَ بين بني البشر من هي أجمل منك، ويبدو أنك تفهمين مثلنا، أمّا أرواحنا وأخلاقنا فقد فسدت وتعفّنت منذ زمن طويل، ولا أظنّ أن ثمّة أملاً في إصلاحها»
«يا مولاي، لا يغرّنك جمالي، فثمّة بين الإنس من هُنّ أجمل منّي، ثمّ إنّ عقلي صغير ومعرفتي سطحيةّ، ولا أملك القدرة على المحاكمة الخلاّقة. أنا أكاد أكون مجرّد مشاهِدة ومتلقية لكل ما يجري حولي، ومنفّذة لإرادة من يتحكّمون بي»
«أيتها الأميرة نور السّماء، ثمة أمم تعيش بيننا نحن البشر لم تفكّر منذ آلاف السّنين، بعضها توقّف عقلها عند أفكار مرّ عليها أكثر من ثلاثة آلاف عام، وبعضها منذ ألف وأربعمائة عام ونيّف!»
«لعلّهم من الجن يا مولاي وهم لا يعرفون!»
«بل من الإنس، فهم لا يملكون أية قدرات خارقة»
انبعثت آهات وصرخات الفتيات من تحت الشجرة التي لجأ إليها ملك الملوك. نظر الأديب لقمان والأميرة نور السّماء، وإذا به يكوّم الفتيات التسع تحته في أوضاع عجيبة وقد أخذ شكله شكل مارد صغير، وانقض عليهن كوحش وراح ينهش أجسادهن ويطعن هذه ثم تلك بقضيب كهراوة الفأس، وهو يزأر كأسد.
صرخ به الأديب لقمان:
«لا تفتك بالفتيات يا ملك الملوك»
قطع الملك زئيره ليهتف بصوت هائل دون أن يلتفت أو يتوقّف عن الطعن:
«لا تخف يا مولاي، إنهّن يحببن ذلك مهما عنف، فهن جنيّات!»
ضحك الأديب لقمان لأول مرة دون أن يفارق الحزن محياه، وأمعن في الضحك حين تخيّل للحظات ملك الملوك يأخذ شكله الجنّي الأكبر ويشهِرُ عضواً كالصاروخ ويشرع في طعن الفُروج.. تساءَلت الأميرة عمّا يضحكه فتساءل بدوره:
«هل تمارسون الحب وأنتم في أشكالكم الجنّية الضخمة؟»
ضحكت الأميرة وهي تهتف:
«بل إنّ مُعظمنا لا يمارسونه إلاّ كذلك يا مولاي!»
أطبق الأديب لقمان راحتي يديه على جبينه وهو يتساءل ضاحكاً:
«غير ممكن! إنّ خيالي بالكاد يقارب الشكل الذي تبدون عليه حينئذ»
«لن تحتاج إلى الخيال يا مولاي، سترى ذلك كثيراً إذا بقيت على قيد الحياة!»
«أظن أنني لن أُسر لمشاهدة كائنات بحجم الجبال تطبق على بعضها!»
«لا تستطيع أن تحكم قبل أن ترى يا مولاي»
«وهل أنت تمارسين الحب أيضاً وأنتِ بهذا الحجم الهائل؟»
«أحياناً يا مولاي»
«وما الحجم الذي تبدين فيه حينئذ؟»
«أستطيع أن أبدو بأحجام مختلفة، صغيرة جداً وكبيرة جداً، فأنا قادرة أن أبدو أصغر مما أنا عليه الآن، كأن أكون طفلة في العاشرة مثلاً وبحجم إنسيّة، أو آخذ شكلي الجنّي الأكبر وسأكون حينئذ بحجم جبل كبير!»
«وكم يكون حجم نهدك حينئذ؟»
«حجم حلمة نهدي تكون حينئذ بحجم قُبّة يا مولاي!!»
«وهل في مقدوري حينئذ أن أجلس على تلك الحلمة لأداعب نهدك ثم أتدحرج وأتقلّب عليه»
«بالتأكيد يا مولاي»
وأغرق الأديب لقمان في الضحك، ولم يقدر على التوقف ليكمل الحوار مع الأميرة، فخرج الكلام من فمه كلمة كلمة وقد تخلله ضحك لم يضحك مثله في حياته وهو يتمثّل تلك الصورة الخُرافيّة:
«أتوسّل..إليك..ألاّ..تظهري.. أمامي.. بهذا.. الحجم.. كي.. لا.. أضطر.. إلى استخدام.. مصعد.. للتنقّل من.. عضو.. في جسدك.. إلى عضو آخر!!»
«سأنقّلك بيدي يا مولاي!»
«وأية متعة ستجدينها معي وأنا لن أكون بالنسبة إلى حجمك أكبر من فأر أو بعوضة؟!»
«ما أدراك، قد نجد في ذلك متعة فريدة؟!»
«أية متعة هذه؟ لكن، ألا تستطيعين تكبيري لأبدو بحجمك؟»
«لا أعرف يا مولاي، فأنا لم أختبر قواي من قبل في هذه المسألة»
«خسارة، إذا لم نتمكن من تكبير نفسي بأي شكل من أجلك!»
«قد نجد حلاً إذا ما رغبنا في ذلك ذات يوم يا مولاي»
«آمل ذلك أيتها الأميرة»
وهتفت الأميرة نور السماء وهي تضمّه إليها من جديد:
«ماذا في ميسوري الآن أن أفعل لأسعد مولاي وأراه يضحك ويبتسم دائماً»
«لا أظن أنّ في مقدورك أن تبلغي بي السعادة التي أنشدها، ومع ذلك فإنّ وجودك معي يريحني ويتيح لمسحة من السعادة أن تتسلل إلى نفسي، الآن أشعر أنني متعب جداً وأتمنى لو أنام قليلاً إلى أن يفرغ الملك من مضاجعاته، ربّما ستكون هذه رغبتي الأخيرة قبل أن أودّع هذه الدّنيا»
«أمر مولاي»
وحرّكت الأميرة نور السّماء يدها في الهواء، وإذا بسرير واسع مكلل بالحرير والديباج وتظلّله أزهار القرنفل والياسمين والجوري، ينتصب تحت شجرة زيزفون وارفة الظلال.. ولم يتنبّه الأديب لقمان لذلك إلا والأميرة تحمله بين يديها وتضجعه عليه وتقبّله على جبينه وتضطجع إلى جانبه وتهمس في أذنه:
«ألا تشعر يا مولاي برغبة في مواقعتي، هذا يساعدك على أن تنام براحة وهدوء»
أحسَّ بأنفاسها العطرة تسري كالخدّر في جسده:
«إن ذلك ليسعدني أيتها الأميرة، لكني متعب جداً، والمواقعة عندي تتم عادة في ظل قدسيّة خاصّة، لا يتاح لي الآن توفيرها، وأعدك إذا ما عدلت عن الانتحار أن نفعل ذلك، لكن ابقِ إلى جانبي إلى أن أنهض من النوم، فوجودك يدخل الطمأنينة إلى نفسي»
«أمر مولاي»
وبادلته قبلات خفيفة ساحرة، وراحت تملس على ما تبقّى من شعر حول صلعته إلى أن غفا.

||||||||


|||||||


||||||


|||||


||||


|||



||

يتبع الفصل الثاني






 
رد مع اقتباس
قديم 20-10-2007, 05:20 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: الملك لقمان . ملحمة روائية لمحمود شاهين .الجزء الأول

(2)
رؤيا شيطانية!
أقبل ملك ملوك الجان الحُمر «شمنهور الجبّار» يتعتعه السُّكر والإنهاك من جرّاء المعركة الجنسيّة التي خاضها مع الفتيات التّسع اللواتي بَدَون منهكات بدورهن، وحين رأى الأديب لقمان نائماً والأميرة «نور السماء» تضطجع إلى جانبه ظنّ أنه واقعها، فأشار إليها أن تنهض ليواقعها بدوره، فتأبّت عليه ورجته أن يسكت كي لا يزعج مولاها ومولاه.
امتعض الملك شمنهور وتفوّه ببضع كلمات نابية جرحت شعور الأميرة نور السماء، فنهضت عن السرير بهدوء واقتادت الملك شمنهور من يده لتبعده عن مرقد الأديب لقمان، وخاطبته بصوت خفيض:
«لماذا أيها الملك تودُّ أن تخون الرجل العظيم الذي خرجتَ على يديه من سجنك الطّويل، ألا يكفيك ما ضاجعت من حوريّات الجن هذا اليوم، والآلاف غيرهن قبل سجنك؟ ألا يكفيك أنك ضاجعت «بلقيس» وابنة فرعون و«عستارت» ومئات السيّدات والسّراري من نسوة سليمان، والمئات غيرهن من بنات الإنس؟! وإذا كنت تظن أنّك تنتقم من سليمان لقسوته معك وتجبّره عليك، فبماذا قسا عليك هذا الرجل الطيّب الذي لم يعرض عليك إلا أن تكون حُرّاً طليقاً دون أن يُسخّرك أحد من الإنس أو حتى الملائكة أو الشياطين أو الجن لخدمته؟!»
ويبدو أن الملك شمنهور أدرك أن ثمة سوء تفاهم في المسألة:
«عفواً أيتها الأميرة، هل اتخذك مولاي زوجة له أو جارية أو خليلة؟!»
«حتى لو لم يتخذني إلا مجرّد خادمة له، ألم يكن من الأحرى أن تعرف رأيه في الأمر قبل أن تطلب مواقعتي؟»
أطرق الملك شمنهور للحظات ويبدو أنّه ندم:
«أعتذر أيّتها الأميرة نور السماء، أعدك أن هذا لن يتكرر ثانية دون موافقة مولاي وموافقتك!»
«أعرف مدى طيبتك أيّها الملك، لكنك في بعض الأحيان تخرج عن طورك»
وتناهى صوت الأديب لقمان صارخاً منادياً نور السّماء، فأحاطت الجنيّات سريره وهرعت الأميرة وهي تهتف «أمر مولاي»
كان الأديب لقمان يلهث والعرق يتصبب من وجهه. شرعت الجنيّات يهوّين عليه بمنشّات من ريش النّعام فيما نور السماء تجفف عرقه بمنديل من الحرير الناعم الخفيف.
طلب ماء فأسقته بنفسها، ثم أمسك يدها ووضعها على صدره. حرّك عينيه في محجريهما باحثاً عن الملك شمنهور فشاهده يقف خلف الفتيات المتحلّقات حول سريره.
تساءَلت الأميرة نور السماء والملك شمنهور عمّا إذا يُعاني من شيء، فتنهّد وهتف بصوت خفيض:
«رأيت حُلماً رهيباً، شاهدت نفسي في حضرة الله والنّبي محمد ويسوع المسيح ومريم العذراء، وعشتاروت وإيل ورع وآبسو ومردوخ وزيوس ومئات الآلهة والأنبياء، تجوّلت في العوالم السُّفليّة والعلويّة، قابلت آلاف العظماء والمفكّرين من الفلاسفة والأدباء والعلماء، شاهدت الجنّة والنار، شاهدت أكواناً غير كوننا وفيها بشرٌ متقدّمون علينا بآلاف السّنين، ويعيشون في رفاه عظيم، وشاهدت أكواناً عجيبة متخلّفة عنّا، ويحكمها آلهة لا يرحمون، خضت معهم حُروباً مهولة. شاهدت ملايين الأسماك الطائرة في فضاء ما، وشاهدت خيولاً طائرة بأجنحة يركبها الملائكة، وشاهدت ظباء يركبها الشياطين. التقيت الشيطان إبليس فقادني إلى أكوان وعوالم ساحرة. شاهدت فيها مخلوقات لم أعرف ما هي، إلى أن قادني إلى روضٍ كالجنّة في كوكب مجهول. شاهدت فيه مئات الفتيات العاريات اللواتي لم أرَ أجمل منهن، ولم أسمع يوماً عن جمال بهذا القدر من الرّوعة والكمال حتى لدى حواري الجنّة، وما أن ألقاني بين حشد منهن حتى انقضّت عليّ إحداهن وطرحتني فوقها، وفيما كنت أغرق في جمال جسدها راحت تتحوّل إلى أفعى مرعبة تلتف حول جسدي وعنقي، فصرخت لأنهض من نومي وأجد نفسي هُنا على السَّرير‍!»
هتفت الأميرة نور السماء:
«ربّما تكون أضغاث أحلام يا مولاي»
فهتف ملك الملوك:
«بل إنها بعض العوالم التي سأقلّك إليها يا مولاي»
ونهض الأديب لقمان ليجلس في السرير ويهتف:
«ويحك أيّها الملك، حقاً لقد خلدت إلى النوم وأنا أفكّر عمّا إذا في مقدورك أن تنقلني إلى بعض هذه العوالم، إذا ما عدلت عن الانتحار»
«سأفعل كل ما بوسعي يا مولاي»
«هل في مقدورك أن تقلّني إلى هذه العوالم أيّها الملك؟»
«إن لم يكن جميعها فمعظمها يا مولاي»
«ماذا تقصد بمعظمها؟»
«لا أجزم فيما إذا سنتمكّن من الوصول إلى العرش الإلهي والسماء السابعة، أو حتّى الجنّة والنار»
«أمر مؤسف إذا لم نتمكّن أيها الملك»
«سأحاول بكل طاقتي يا مولاي»
«وما هي العوالم التي تجزم بمقدرتك على الوصول إليها أيها الملك؟»
«جميع العوالم السُّفلى ومعظم العوالم العُليا، لكن لماذا ستجشّم نفسك كل هذا العناء يا مولاي»
«يمكنك القول أنني أسعى لإضافة شيء إلى الحقيقة أيها الملك»
«أي حقيقة يا مولاي؟»
«الحقيقة المطلقة التي أمضى الإنسان دهوراً من عمره في البحث عنها»
«لم أفهم يا مولاي»
«الحقيقة التي ما بعدها حقيقة أيّها الملك، حقيقتي، حقيقتك، حقيقتنا، حقيقة الأنبياء، الآلهة، حقيقة الوجود برمّته!»
«وهل يجدي الوصول إلى الحقيقة أو شيء منها نفعاً يا مولاي؟»
«كيف لا يجدي أيّها الملك؟ ألا يجدي أن نعرف أنفسنا ونعرف العالم من حولنا بشكل أفضل؟ ألا يجدي أن نعرف الغاية التي وجدنا نحن من أجلها؟ ألا يجدي أن نعرف سرَّ هذا الوجود؟!»
«وهل هذا بعض ما دفع مولاي إلى الانتحار؟»
«لا أيّها الملك، إن منعي من السَّعي إلى الحقيقة، وإضافة شيء إليها هو أهم الأسباب التي دفعتني إلى الانتحار، فأنا كأديب أدركت أنّ غايتي في هذا العالم هي البحث عن هذه الحقيقة، وهذا لا يتأتى لي إلاّ عبر الدّراسة والبحث والتفكير، ومن ثمّ كتابة ما فكّرت فيه وما توصَّلت إليه، المؤسف أيّها الملك أن بلادنا تمنع الكتابة التي من هذا النوع، انطلاقاً من أنّ الناس توصّلوا بوساطة الأنبياء والمرسلين إلى حقيقة الله وحقيقة الوجود كمخلوق من قبل هذا الإله، وينبغي علينا أن نؤمن بذلك، شئنا أم أبينا، وينبغي علينا أن نؤمن بالسّلاطين الذين يؤمنون بذلك شئنا أم أبينا، مما أدى إلى أن يفقد وجودنا غايته، ولنغدو مجرّد ببغاوات، نردد الكلام ذاته الذي يرددونه منذ آلاف السنين، ونهتف بالتَّعابير ذاتها التي ما تزال سارية المفعول، ونتضاجع حسب الشّرائع ذاتها، ونأكل ونشرب وننجب حسب ما تجيزه هذه الشرائع، لقد وصلت الأمور إلى حد غدا فيه الواحد منّا مثل الآخر، نسخة طبق الأصل عنه، يفكّر بطريقته، ويتكلّم بطريقته، حتّى غدونا نتكلّم معاً في آن واحد، ونضرط معاً، ونتبول معاً، ونتبرّز معاً، ونتضاجع معاً، والنسّوة منا يحملن ويلدن معاً، إلى آخر ما هنالك من هذا التناسخ الفظيع!! أنا شخصياً بتّ مقتنعاً أنه لم يعد هُناك أية قيمة لوجودي، حتى لو أُسكنت القصور، وأُضجعت ضامرات الخصور، وأُسقيت أطيب الخمور، لذلك قررت الانتحار، ولولا الصُّدف الغريبة التي شاءَت أن أعثر عليك وأحررك أيّها الملك، لكنت الآن في عالم الأموات، مع أنني مازلت أشكّ أيها الملك، أنّ كلَّ ما يجري ليس أكثر من حلم عجيب»
«ولِمَ وصلت الأمور بكم إلى هذا الحد يا مولاي، ولم ألغيتم عقولكم التي فضّلكم الله عنّا بها؟»
«فهمنا القاصر للديانات أيّها الملك، وافتقارنا إلى حُرّية العقل والزّعماء العظماء، منذ رحيل النّبي محمّد!»
«ألف وأربعمائة عام، ولم يظهر بينكم عظيم واحد بعد محمّد يا مولاي؟»
«للأسف لم يظهر، حتى في الكرة الأرضية كُلّها لم يظهر، لقد فسد الإنسان أيها الملك، وبلغ أرذل مستويات الانحطاط!»
«اعتبرني يا مولاي ومنذ هذه اللحظة طوع يديك، إن شئت أُملّكك الأرض بما عليها، وإن شئت أنقلك إلى العوالم الأُخرى»
«قُلتَ إن شئت تملّكني الأرض أيها الملك؟»
«أجل يا مولاي»
«كيف؟»
«نزحف عليها بألف ألف جنّي مغوار!»
«هل ستعيدنا إلى البطش أيّها الملك؟ أنا هارب من البطش والقمع!»
«ألم تقل إنّ الإنسان فسد يا مولاي؟»
«لكن إصلاحه لن يتمّ بالبطش أيها الملك»
«ولماذا تصلحه يا مولاي طالما أنه فسد، اقتله وأرح نفسك منه! ألم تخبرني أنه أفقدك مبررات وجودك؟ ألم تخبرني أنّه غدر بك وسلب أرضك ومالك ولم يعد يتعرّف عليك؟!»
«ومع ذلك لن أبطش به أيّها الملك، ولن أبطش حتى بالسّلاطين الذين أذاقونا المهانة والذلّ ألواناً»
«إذن لن تفعل شيئاً بكوكب الأرض يا مولاي؟»
«بل سأفعل الكثير، لكن ليس من هُنا، من الكوكب الذي سأقيم عليه في الفضاء الخارجي. الآن أريد أن أعرف شيئاً عن مدى قوّتك، لأن في نيّتي أن أفعل شيئاً لأبناء الأرض قبل أن تقلّني إلى الفضاء الخارجي»
«أمر مولاي»
أخرج الأديب لقمان مسدّسه:
«هل تعرف ما هذا أيّها الملك؟»
«لا يا مولاي»
وهتفت الأميرة نور السمّاء:
«أنا أعرف يا مولاي. إنه سلاح قاتل رأيته مع معشر الإنس»
«هل تجيدين استخدامه؟»
«أجل يا مولاي»
ومدّ يده بالمسدّس طالباً إليها أن تطلق منه طلقة.
صوّبت الأميرة نحو كاس زجاجيّة على المائدة وأطلقت النار، تناثرت الكأس واندلق الخمر.
هتف الملك شمنهور بدهشة:
«أنا لم أرَ هذا السّلاح في عهد سليمان يا مولاي»
«لم ترَ شيئاً بعد من الأسلحة الفتّاكة، التي في مقدورها أن تدمّر كوكب الأرض بكامله عشرين مرّة!»
«ألم تقل أنّ عقل الإنسان توقّف يا مولاي؟»
«لم أقصد أنّه توقف في كل مكان أيها الملك، كما لم أقصد أنه توقّف عن التفكير في المجالات كُلّها، المهم الآن أنني أريدك أن تعطّل هذا السلاح دون أن تمسّه»
«هذا شيء أكبر من طاقتي حتّى لو أخذته بيدي يا مولاي، مُرني أن أزلزل الجبال، أن أهدم المدن، أن أنقلك إلى السماء أن..»
وقاطعه الأديب لقمان:
«غريب أمرك أيها الملك، تستطيع أن تفعل كل هذه المعجزات، ولا تستطيع أن تسكت مسدّساً؟»
«للأسف يا مولاي»
هتفت الأميرة نور السماء وقد أدركت ما ينوي الأديب لقمان أن يفعله:
«لدي فكرة يا مولاي»
«ما هي؟»
«خذ المسدّس يا مولاي»
ولم يكد الأديب لقمان يأخذ المسدّس من يدها حتّى اختفت عن الأنظار واختطفت المسدّس من يده وراحت تحلّق في الهواء، فبدا للأديب لقمان وكأنه طائر. تابعه وهو يبتعد في الفضاء، ولم يعرف كيف ظهرت الأميرة نور السماء في اللحظة ذاتها ووقفت أمامه ملوّحة بالمُسدّس لتعيده إليه.
«أنتِ عظيمة أيّتها الأميرة، لو لم تفعلي هذا لعدت إلى حالة اليأس والتفكير في الانتحار. لكن، أخبريني، هل يجرحكم الرّصاص أو يقتلكم فيما لو أُطلق عليكم؟»
«أجل يا مولاي، ولذلك اختفيت»
«مسألة الاختفاء هذه تروق لي، فلن يتمكن أحد من إطلاق النار عليكم»
«والآن، هل عدل مولاي عن الانتحار فعلاً؟»
ودون تردد هتف:
«أجل أيّتها الأميرة، يمكنك أن تقولي للانتحار وداعاً، ومرحباً بالحياة من جديد»
وألقت نفسها عليه وراحت تعانقه، ثم عانقه ملك الملوك بدوره، ورفعه بين يديه كطفل. فيما كان الكون يضجُّ بزغاريد هائلة ترددت من كل الأرجاء.
«أشكركم أيّها الملك، لم أشعر بالرّغبة في الحياة كما أشعر بها الآن، ويا ليتنا نكون أصدقاء، فأنا لا أريدكم خدماً أو عبيداً أو أعواناً، لعلكم تساعدوني في أمور قد أعجز عن إيجاد حلول لها، ولعلّكم تعوّضونني عمّا أصابني من غدر الأصدقاء وقهر الحُكّام، وكبت الحُريّات وكتم الأنفاس، وخبث بعض الناس وأطماع وأحقاد ونفاق الآخرين»
«إن عقولنا لصغيرة يا مولاي، لكن يشرّفنا ويسعدنا أن تجعلنا أصدقاء لك»
«ما أدراك أن عقلي أكبر من عقلك أيها الملك، أظن لو أنّك قرأت الكتب التي قرأتها لاستوعبتها أكثر منّي، ولكان عقلك على الأغلب أكبر من عقلي؟»
«قد أعارضك حينئذ يا مولاي، وقد اختلف معك»
«ستكون حينئذ الصديق الذي أطمح أن يكون، فالمعارضة والاختلاف من أهم عوامل تطوّر البشر، وقد كان النبي محمد من أكبر المعارضين والمختلفين»
هتفت الأميرة نور السّماء وكأنّها لا تُصدّق:
«هل حقاً ستجعلني صديقتك يا مولاي؟»
«لن تكوني صديقتي فحسب، بل مليكة قلبي أيضاً أيّتها الأميرة، إن كان ذلك يُسرّك»
«لن يسعدني شيء أكثر من البقاء إلى جانب مولاي»
ونهض الأديب لقمان عن السّرير ومدّ يده اليُمنى إلى نبته من الورد الجوري فاصطدمت أصابعه بشوكها فانبجس الدّم منها:
«سنتعاهد بالدّم على الصّداقة والوفاء الأبديين أيّها العزيزان»
مدّ ملك الملوك والأميرة نور السماء يديهما ليفعلا كما فعل، وتصافح الثلاثة لتمتزج دماؤهم معاً، فيما فتيات الجن الأخريات واقفات يتفرّجن، ويشهدن على ما جرى.
قدّمت الأميرة نور السّماء خاتمها السحري إلى الأديب لقمان فشكرها وهو يلبسه في بنصره اليُسرى، بينما لبس خاتم الملك شمنهور في بنصره اليُمنى، وبدت الأميرة نور السّماء قلقة بعض الشيء، وكذلك الملك شمنهور، فتساءل الأديب لقمان عمّا بهما، فأجاب الملك شمنهور متوجّساً:
«أخاف يا مولاي أن يبطل العهد الذي قطعناه بيننا!»
«كيف سيبطل أيّها الملك؟»
«إذا ما استولى أحد من الإنس على خاتمي وخاتم الأميرة سنصبح طوع يديه!»
بدأ القلق يراود نفس الأديب لقمان، فتساءل:
«ألا يمكنكما رفض أوامره، أو عدم الإذعان له؟»
«يستحيل يا مولاي، إلا إذا أُبطل مفعول الطّلاسم التي على الخاتمين»
«ومن يقدر على ذلك؟»
«الله يا مولاي، إنه الوحيد القادر على ذلك، بعد موت الملك سليمان»
«وهل سليمان هو من وضع طلاسم خاتم الأميرة نور السّماء أيضاً؟»
«نعم يا مولاي، فمعظم الجن المطلسمين، وضعت طلاسمهم من قبل سليمان وبعون الله، حسبما قيل لنا»
«أنا حقاً في حُلم، بل كابوس، أو ربّما في حالة جنون، ولم أعد أعرف أي إله هذا الذي تتحدثان عنه، أهو الشمس أم القمر أم يهوه أم مردوخ أم عشتار أم يسوع أم إله محمد أم حتى زيوس؟!»
وأخرجته الأميرة نور السماء من حيرته حين هتفت:
«ليس هناك فرق من يكون يا مولاي، المهم أنّه إله وأنّه يتحكّم بأسرار طلاسمنا»
«لكن أليس بوسعكما أن تعصيا أمره كما فعل إبليس؟»
«ممكن يا مولاي، لكننا لا نعرف ماذا ستكون عاقبة الأمر»
«ماذا ستكون؟ ليأتِ بطوفان جديد يغرق العالم، أو ليغضب عليكما كما غضب على إبليس، ولتذهبا معي ومع إبليس إلى الجحيم، لماذا أنتما حريصان على أن تدخلا الجنّة، ثم هل نسيتما أنّكما تتحالفان مع ملحد ولو في نظر المؤمنين، وربّما في نظر إلهكم أيضاً، وربما يكون قد حكم عليكما بالهلاك منذ الآن»
كان الأديب لقمان قد أخذ ينفعل وكأنّه يدرك أنّه سيفقد الخاتمين ذات يوم، فبادرت الأميرة نور السماء إلى مسح العَرَق عن جبينه وتهدئته:
«لو نجزم أنه لن يقوم بتجريدنا من قوانا الخارقة لفعلنا يا مولاي، فلماذا نستبق الأمور منذ الآن، إذ ليس من السّهل أن يسلب أحد الخاتمين منك، ثم إننا قد نتوصل إلى فك طلاسمهما، طالما أننا سنقوم برحلات إلى العوالم الأخرى، وإذا فشل كل شيء وحدث ما أبدينا تخوّفنا منه، ما أدراك فقد نتمرّد إذا كان لابدّ من التمرّد»
«حسناً أيتها الأميرة، أريد أن أعرف شيئاً واحداً فقط»
«ما هو يا مولاي؟»
«ماذا لو أننا دفنّا الخاتمين هُنا في الصحراء أو أبقيتهما معكما؟»
«لن نسمعك إذا كُنّا بعيدين عنك يا مولاي، أي أنّ قدرتك على التحكّم بنا ستكون محدودة»
«مشكلة، حقاً مشكلة، لننسَ الأمر إذن، ولنشرع في الخطوة الأولى على كوكب الأرض»
فهتف ملك الملوك:
«ما هي يا مولاي؟»
«أريد أن تبثّ جيوشك الجبّارة في كافة أرجاء الأرض لتنزع كافة أنواع الأسلحة التي بين أيدي الجيوش والبشر. سارع إلى المناطق التي يدور الآن فيها قتال في العالم، إيّاك أن تبقي قطعة سلاح مهما كانت وفي أي مكان»
وقاطعه الملك شمنهور:
«حتّى سلاح أبناء قومك يا مولاي، هل أنزعه؟»







 
رد مع اقتباس
قديم 20-10-2007, 05:27 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: الملك لقمان . ملحمة روائية لمحمود شاهين .الجزء الأول

«طبعاً أيها الملك، انزعه. وليسرِ عليهم ما يسري على الجميع، هل تريد الناس إذا ما عرفوا أن يقولوا أنّ الأديب لقمان فضّل أبناء قومه على الآخرين، ثمّ لا تخف عليهم إنهم يجيدون استخدام الحجارة إذا ما اضطروا إلى الدّفاع عن أنفسهم، على أية حال تصالحت فئة منهم مع اليهود ويبدو أنهم سيتصالحون جميعاً معهم، كما تصالحوا من قبل في عهد سليمان»
«لقد حضرت الصُّلح حينذاك، يا مولاي. وذبح الفلسطينيون خمسين جملاً للإله إيل وخمسين عجلاً لعشتاروت، وخمسين كبشاً لبعل، أمّا اليهود فقد ذبحوا مائة عجل ومائة جمل للإله يهوه! لكن هل عادوا وتحاربوا يا مولاي؟ ما أعرفه أنّ الملك سليمان أحبَّ نساءهم وتزوّج منهم قرابة مائة، ومن محبته لنسائهم تخلّى عن عبادة يهوه وعبد آلهتهم، وتبعه مئات الآلاف من اليهود»
«أجل أيها الملك عادوا إلى الحروب الطاحنة التي أودت بحياة مئات الآلاف»
«هل أبدأ يا مولاي؟»
«مهلاً، ماذا ستفعل بالقواعد الضخمة وحاملات الطائرات والمفاعلات النوويّة والصواريخ بعيدة المدى والعابرة للقارات، والبوارج والسّفن الحربية الكبيرة ومصانع الأسلحة؟!»
«لا يوجد شيء يعجز أعواني عن معالجته إذا لم يقدروا على حمله يا مولاي، يمكن أن نضع حُرّاساً دائمين على ما هو ثقيل جداً وكبير»
«هذه فكرة حسنة أيها الملك، لكن ماذا ستفعل بما هو تحت مياه البحار والمحيطات كالغوّاصات؟»
«ستغوص جيوشي إليها يا مولاي وتنزعها من أعماق المياه»
«عظيمة جيوشك هذه أيها الملك. لكن اسمع، إيّاك وسفك الدّماء، لا أريد الجيوش أن تؤذي أحداً، ولا أريد أية دماء على الإطلاق، حتى نقطة دم واحدة لا أريد، وليكن جنودك لطفاء في نزع السلاح، أظن أن البشر شاهدوا من الدّماء خلال هذا القرن ما يكفي لألف عام قادمة، يمكنك أن تباشر أيها الملك»
«هل يرغب مولاي العظيم في رؤية الجيوش قبل انطلاقتها؟»
«سأكون سعيداً أيها الملك»
وأخذ ملك الملوك شمنهور الجبّار شكله الأعظم خلال طرفة عين، فبدا للأديب لقمان كطود هائل.
هتفت الأميرة نور السماء:
«لنصعد ونقف على كتفه يامولاي، لنتمكّن من رؤية الجيوش بشكل أفضل»
ولم يكد الأديب لقمان يوافق إلاّ والأميرة تأخذ بيده وتطير به، ليقفا على كتف ملك الملوك. هتف متسائلاً:
«هل حقاً نحن الآن نقف على كتف ملك الملوك أم أننا نقف على هضبة؟»
ضحكت الأميرة وطلبت إليه أن يضع يده على أُذنيه لأن الملك شمنهور سيصرخ صوتاً يستدعي به جيوش الجن.
أطبق الأديب لقمان بيديه على أذنيه، وكذلك فعلت الأميرة نور السماء.
أرعد صوت ملك الملوك هاتفاً «ها» فارتجت الأرض من كافة الأرجاء لهول الصوت.
أخذت الجيوش العملاقة تكتسح الصحراء من كل الاتجاهات كظلال حلّت خلال لحظة غروب أخيرة. كانت أحجام الجنود أكبر من أحجام البشر ويرتدون زيّاً أحمر، وقد امتطوا خيولاً حمراً مجنّحة، ووقفوا في صفوف فائقة الانتظام، وقد تسلّحوا بالرماح والسّيوف ولبسوا الدروع.
رفع الجميع رماحهم إلى أعلى وهتفوا بصوت واحد ضجّت له الصحراء «ها. ها. ها.»
هتف الأديب لقمان في سرّه «مستحيل أن يكون هذا حقيقة، حتّى في الإسراء والمعراج لم يحدث مثل هذا الذي أراه، إنه حلم بالتأكيد»
هتف ملك الملوك مرة ثانية «ها» وإذا بالفضاء يعج بمئات آلاف الجان المجنّحين الذين حجبوا ضوء الشمس، وقد توقّفوا في الفضاء في صفوف كبيرة مُربّعة. هتفوا وهم يفردون أجنحتهم «ها. ها. ها.»
هتف ملك الملوك العبارة بدوره وراح يخاطب الجيوش بلغة الجن، فيما بادرت الأميرة نور السماء إلى الترجمة للأديب لقمان:
«أشكر من أعماق قلبي، الملوك الحُمر، والطّوائف الحمر، والجيوش الحُمر، الذين ظلّوا مخلصين لي، وحافظين للعهد وأوفياء له، رغم غيابي الطّويل، في غياهب سجون الملك سليمان الجبّار..
يا أبناء الجن العِظام، إنني إذ أدين اليوم بحرّيتي لابن الإنس البار الأديب لقمان العظيم، الذي فكّ أسري، وأتاح لي تلمّس طريق الحرية، بعد ثلاثة آلاف عام من الحشر الفظيع، لأعلن تتويجه ملكاً أعلى على جميع الجن الحمر، وأطلب إليهم، أن يكونوا في خدمته، ويطيعوا أمره، ويقدّموا له كُلّ ما يستطيعون والله على ما نقول شهيد!
عاش ملك ملوك الملوك الأديب لقمان العظيم!»
ترددت في مخيّلة الأديب لقمان بعض الكلمات واصفاً بها ملك الملوك:
«لولم يكن جنّياً ويخاطب جنّاً لقلت أنّه قادم من قصر دكتاتور ما على الأرض»
دوّت الصحراء والسماء بالهتاف الذي أطلقه ملك الملوك وأُنكِسَت الرّماح والسّيوف وأُسبلت الأجنحة تحيّة للأديب لقمان الذي مدّ يده اليمنى وراح يحيي الجيوش الجرّارة. كان الملوك يصطفون أفواجاً أفواجاً أمام جيوشهم وقد وقف خلفهم قادة الجيوش ونوّابهم ثم آلاف آلاف الجنود.
صرخ ملك الملوك صرخة أُخرى بالجيوش وإذا بها تتهيّأ في حركة استعداد.
أصدر الملك شمنهور أوامره بنزع السلاح من أيدي بني البشر ووضعه تحت حراسة مشددة، متقيّداً بالتعليمات التي أشار إليها الأديب لقمان. وما أن أنهى إصدار أوامره، حتى أومأ بحركة من يده وهو يهتف «ها» فشرعت الجيوش في الاختفاء من السماء وعن وجه الأرض، بنفس الطريقة التي اكتسحتها بها، لتختفي خلال لحظات وكأنها لم تكن.
وأطرف ما حدث بعد ذلك أن الأديب لقمان أحسّ بيد وكأنها تصافح يده وتطلقها، ثمّ بمسدّسه ينتزع من تحت حزامه ويبتعد عنه في الفضاء، غير أن الأميرة نور السماء والملك شمنهور تحدّثا بلغة الجن فتوقّف المسدس في الفضاء.
أدرك الأديب لقمان أن أحد جنود الجن قد أخذ مسدّسه فاندهش أشد الاندهاش لهذه الدّقة الفائقة التي يتمتّع بها جنود الجن في تطبيق الأوامر. إذ لم يدر في خلده حين أبدى رغبته إلى ملك الملوك بنزع السّلاح، أنّ أوّل قطعة سلاح ستنتزع من أيدي البشر ستكون مسدّسه الذي نسي أنّه يحمله.
هتف ملك الملوك:
«هل يسمح مولاي للجندي بأخذ سلاحه؟»
«إنّه ليس في حاجة لطلب السّماح أيها الملك، لقد قام بواجبه خير قيام، وأرجو أن تكافِئه على حسن صنيعه»
وأشار ملك الملوك بحركة من يده وإذا بالجندي يظهر في الفضاء والمسدّس في يده. خاطبه بلغة الجن. أدّى الجندي التّحية بحركة من يده وانصرف محلّقاً دون أن يختفي إلى أن توارى عن الأنظار.
«عيّنته قائداً على ألف جندي ووهبته إحدى بنات الملوك يا مولاي»
«حسناً فعلت أيّها الملك»
كان الصوت يأتي من فم ملك الملوك وكأنّه جعجعة قادمة من سفح جبل. نظراً لطول عنقه وعلوّ رأسه وضخامته، وابتعاد فمه عن الأديب لقمان.
«لو أنّك تعود إلى الشكل الإنساني أيها الملك، إن شكلك الحالي يُرعبني!»
قهقه ملك الملوك وهو يتضاءل فيما الأميرة نور السماء تأخذ بيد الأديب لقمان وتنزل به إلى الأرض.
وقف ملك الملوك في هيئة إنسي أضفت عليه جمالاً فائقاً، مما حدا بالأديب لقمان أن يطلب إليه أن يبقى دائماً في هذه الهيئة.
«أمر مولاي ملك ملوك ملوك الجن الحمر العظيم!»
«ألا يكفي أيها الملك ما فعلته وما ستفعله من أجلي حتى تكافئني وتجعلني ملكاً عليك وعلى ملوك الجن؟»
«لو أمرني مولاي أن أطوّع الإنس وطوائف الجن جميعاً لخدمته لفعلت»
«أنا لم أفعل شيئاً أيها الملك أستحقُّ عليه كل هذا الإكرام، الذي يبدو أمامه حتى إكرام الله للأنبياء ضئيلاً، ويبدو لي لو أنّك عرفت بعض بني البشر الذين عرفتهم لفكّرت ألف مرّة قبل أن تقدّم لي أيّة مكافأة!»
«هل أجحفوك حقّك وغدورا بك وقابلوك بالسوء إلى هذا الحد يا مولاي؟»
«أجل أيّها الملك، لم يؤلمني شيء في حياتي أكثر مما آلمني غدر الأصدقاء، بعد شقائي من أجلهم وعطفي عليهم ومحبّتي لهم! إنّ عسف الأنظمة كان يبدو لي أمام ذلك أمراً مقبولاً»
«هل أُحضر لك هؤلاء الخسيسين وأمثالهم لتقتصّ منهم يا مولاي؟»
«لا أيها الملك، إنّي لا أسعى إلى القصاص والانتقام، بل إلى إصلاح ما فسد في البشر، وزرع المحبّة والخير في نفوسهم بدلاً من الشّرور والآثام. وإنّي لآمل أن أتمكن أنا بدوري من قتل الشّر وشهوة الانتقام في نفسي أيضاً»
«وهل يوجد بين بني البشر من هم بهذه الوضاعة والخسّة والنّذالة يا مولاي؟»
«أجل أيها الملك وربّما أكثر مما نتصوّر أنا وأنت، فحاذر، حاذر من أن أغدر بك أيّها الملك وأعيدك إلى القمقم!»
«أنا واثق من أنّك لن تفعلها يا مولاي»
«كنت طيباً وعلى نيّتي مثلك، لكني كنت أتخوزق دائماً أيّها الملك، مشكلتي معك أني لا أعرف بماذا سأكافئك الآن أو في المستقبل»
«مكافأتك لي أن تظلّ طيّباً معي ومع الأميرة نور السّماء كما أنت يا مولاي»
«هل تريان أنني طيب حقاً أيها الملك، أنا في نظر كثيرين شرّير لأنني ملحد وزان»
«أجل يا مولاي، إنني لا أرى فيك إلا الطيبة مهما ألحدت وزنيت»
وهتفت الأميرة نور السماء:
«وأنا لم أرَ من هو أطيب منك بين الإنس والجن يا مولاي، إني أرى نور المحبّة يشعّ من عينيك ويلوح على جبينك!»
«أشكركما أيّها العزيزان، لقد أعدتماني إلى الحياة بكل أبّهتها وجمالها، وآمل أن أظلّ طيّباً وعند حسن ظنّكما. ماذا سنفعل الآن أيها الملك؟»
«ما يأمر به مولاي»
«هل شرعت الجيوش في نزع الأسلحة؟»
«انظر إلى السماء لترى يا مولاي»
نظر الأديب لقمان نحو السماء فشاهد آلاف الدّبابات والمجنزرات والمصفّحات والآليات والطائرات والمدافع والزوارق والصّواريخ والطوربيدات والغوّاصات والبنادق، وغير ذلك، من كافة أنواع الأسلحة، تقذف في الفضاء بشكل عشوائي، وكأن ريحاً عاتية تعصف بها. فقد كانت محمولة على ظهور الجن أو على أكتافهم أو بأيديهم.
أحسّ الأديب لقمان بفرح غامر وهو يهتف في سريرته:
«اليوم ستودّع البشرية القتل والحروب وسفك الدّماء إلى غير رجعة» ونظر نحو ملك الملوك:
«أين أمرت الجيوش أن تقذف بكل هذه الأسلحة أيّها الملك، أراها توغل بعيداً في الفضاء»
«أمرتهم أن يقذفوها على القمر يا مولاي»
«حسناً فعلت. حضّر لي نفسك للخطوة الثانية أيها الملك»
«أنا جاهز يا مولاي»
«سننطلق إلى الفضاء ونبحث عن كوكب ذي حياة نقيم عليه، لكن خارج المجموعة الشمسيّة إذا أمكن. هناك سننظم شؤوننا وننظر في أمور البشر ونشرع في رحلاتنا إلى الأكوان والعوالم المجهولة»
«هل يسمح لي مولاي باصطحاب الأميرة ظل القمر والحوريّات الأخريات؟»
«هذا حقك أيها الملك، لكن ألسن كثيرات عليك؟»
وراح ملك الملوك يضحك:
«كثيرات يا مولاي؟! إني أشعر بشهوة تدفعني لمواقعة آلاف النّساء من الجن والإنس!»
«أي حرمان هذا الذي تعاني منه أيها الملك؟ لكن، هل هُنّ راضيات أم أنّك ترغمهن على مرافقتك؟»
«لا يا مولاي، إنهنّ راضيات قانعات، وكنّ يحلمن بوصالي والتقرّب إليّ، ألا ترى السّعادة تطلّ من عيونهن. سأكتفي بهن الآن، لكني سأحضر إحدى وتسعين أميرة وحورية فيما بعد لأكملهنّ على المائة!»
«مائة؟ تريد مائة حوريّة وأميرة أيها الملك؟»
«سُليمان كان إنسياً يا مولاي وكان لديه ألف، فهل تستكثر مائة على ملك الملوك شمنهور الجبار؟»
«أنت محق أيها الملك، ليكنّ عشرة آلاف إن شئت»
«أشكر مولاي»
«هيا أرني كيف ستقلّنا إلى الفضاء السّحيق!»
«هل لي بسؤال يا مولاي؟»
«تفضّل»
«لماذا تودُّ الابتعاد عن كوكب الأرض مع أن أهلك وذويك ومعارفك يقيمون عليه؟»
«لقد أتعبني أبناء هذا الكوكب أيها الملك، حتى أهلي وأقاربي أتعبوني، ولم أعد قادراً على التواصل مع الناس، طالما هم على هذه الحال، سأعود إليهم إذا ما استطعت إصلاحهم وقتل الشر في نفوسهم وإغناء المحبّة والخير، وإذا ما احتجت إلى رؤية أحدهم أو بعضهم، سأحضرهم إلى كوكبنا، وقد نقوم ببعض الزيارات، المهم أن تدعنا ننصرف الآن»
انصرف ملك الملوك إلى التجوال في الرّوضة المسحورة وهو يتفوّه بكلمات من لغة الجن ويحرّك يديه أعلى وأسفل، وفجأة انفعل وراح يصرخ معنّفاً، ثمّ أسرع في خطوه إلى أن بلغ جانب الرّوض ووقف في مواجهة الصحراء. توقّف عن الكلام وأخذ يرقب الفضاء بقلق وتوجّس.
ظهرت في السّماء مركبة فضائية بحجم فندق ضخم، لم يكن لها أي صوت، ولم تكن تخلّف وراءها أي لهب، وقد رافقها آلاف الجن المحلّقين عن جانبيها ومن خلفها.
حطّت في الصحراء على مقربة منهم، فيما ظلّ الجن يحلّقون في الفضاء. بدت المركبة للأديب لقمان كنسرٍ هائل يضمّ جناحيه للانقضاض على فريسته، وقد ارتكزت على قاعدتين كبيرتين بدتا كقدمي إنسان دون أصابع، وانتصب باقي الجسم في الفضاء لينتهي إلى رأسٍ كالمنقار الطّويل.
«من أين أتيت بهذه المركبة الهائلة أيها الملك؟»
«إنها مركبة مسحورة يا مولاي»
«مسحورة وتفعل كل هذه المعجزات العلميّة؟»
«أجل يا مولاي»
«وهل فيها رائد أم أنها تطير وحدها؟»
«أجل يا مولاي، فيها رائد ومساعدون وفيها خدم وغرف نوم، وفيها كل أجهزة الاتصالات والرؤية والالتقاط والبث والتصوير والاستشعار والتشويش، وفيها مسبح وحديقة وصالة رياضة، ومطابخ وصالات طعام وأروقة وقاعات ومتنزّهات، وكل ما يخطر على البال، ومعظم هذه الكلمات لم أسمع بها إلا قبل لحظات ولا أعرف ماذا تعني يا مولاي!!»
«وتقولون أنّ عقولكم صغيرة؟! لكن لماذا بدوت منفعلاً قبل قدوم المركبة؟»
«لأني لم أرد أن تقطع هذه المسافات البعيدة محمولاً على كتف أحد الجن يا مولاي، فطلبت إلى كل الملوك أن يبحثوا عن أحدث مركبات الكون ويأتوني بواحدة مثلها»
«هل هذا يعني أنّ هذه المركبة مسحورة عن أحدث مركبة في الكون؟»
«نعم يا مولاي»
«وهل مثيلاتها من صنع بشر أم من صنع جن؟»
«بل من صنع بشر يا مولاي، فنحن معشر الجن لا نستطيع أن نفعل مثل هذه الاختراعات، أو أننا لا نحاول ذلك لأننا نطير ونستطيع الذهاب إلى أي مكان»
«وأين يقيم هؤلاء البشر أيها الملك؟»
«قالوا لي أنّهم يقيمون على كوكب في الفضاء البعيد يا مولاي!»
«لابدّ لي من زيارة هؤلاء، ولابدّ لي من معرفة أسراركم أيّها الجن، فأنتم تفعلون المعجزات ومع ذلك تعجزون عن بعض الاختراعات، وتعجزون عن إبطال مفعول الأسلحة، وبالتأكيد تعجزون عن إحياء الموتى، أم لعلّكم تستطيعون؟»
«لا يا مولاي، هذا ما لا يقدر عليه إلا الله»
«وهل تستطيعون أن تميتوا الأحياء؟»
«بالقتل فقط يا مولاي، إذ ليس بإمكاننا أن نقول لكائن ما «مُت» فيموت، أو «عِشْ» فيعيش»
«لكنك تستطيع أن تمسخ كائناً ما إلى آخر، كأن تحوّل إنسياً إلى سحلية مثلاً»
«بالتأكيد يا مولاي، لأنني أعرفهما وشاهدتهما بعيني!»
«وماذا عن الحياة والموت، فأنت ترى الحياة أمام عينيك، وبالتأكيد شاهدت الموت؟»
«لكني لا أعرف سِرّ الحياة ولا أعرف سرّ الموت يا مولاي»
«حقاً إنّك تحيّرني أيها الملك أنت ومعشر الجنّ، لابدّ لي من معرفة طاقاتكم كي أعرف ما هي حدود القوّة التي بين يدي»
«سأخبر مولاي بذلك متى أراد، لكن لا يوجد بين الجن الحمر من هو بمقدرتي. فأنا القادر الأقوى بين هؤلاء، ولهذا كنت ملك ملوكهم»
«هذا ما يُسعدني أيها الملك، هل ننطلق الآن؟»
«تفضّل يا مولاي»
اقترب الأديب لقمان وملك الملوك والأميرة نور السّماء من المركبة فانفتح باب جانبي نزل منه سلّم قصير وأطلّت منه فتاة ذات جمال أخّاذ.
أحنت الفتاة رأسها احتراماً وأشارت بيدها إلى داخل المركبة أن تفضّلوا.
صعد الأديب لقمان ودخل المركبة ليجد نفسه في ما بدا له مقصورة إمبراطورية. تبعه ملك الملوك والأميرة نور السماء فالجنّيات التسع.







 
رد مع اقتباس
قديم 20-10-2007, 05:33 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: الملك لقمان . ملحمة روائية لمحمود شاهين .الجزء الأول

«لا بأس بهذه المقصورة يا مولاي، آمل أن تكون الرّحلة مريحة»
«آمل ذلك أيها الملك، لكن أين قائد المركبة؟»
«إنه يقف معنا يا مولاي!»
«ألن نرى شكله؟»
«لن تتسع المركبة لحجمه الحقيقي يا مولاي!»
«ليظهر في شكل إنسي كما أنتم أيّها الملك»
ولم يكد الأديب لقمان ينهي كلامه، إلا وقائد المركبة يقف أمامه ويمد يده مصافحاً ومرحّباً ومعرّفاً بنفسه:
«قائد مركبة النّجوم الرائد عزيزون يا مولاي!»
تأمّله الأديب لقمان للحظة وهو يدرك أن هذا ليس شكله الحقيقي.
«قل لي أيها الرائد»
«أمر مولاي»
«ما هي سرعة مركبتك؟»
«ما هي أقصى سرعة تعرفونها أنتم معشر البشر من سكّان الأرض يا مولاي؟»
«سرعة الضوء أيها الرائد، لكن إيّاك أن تقول لي أن مركبتك ستنطلق بسرعة الضوء، لأن هذا سيكون أكبر من أن يحتمله العقل!»
وشرع رائد المركبة في الضّحك، وظل يضحك إلى أن زجره ملك الملوك وطلب إليه ألاّ يضحك في حضرة مولاه.
«سأنطلق بسرعة خيالية يا مولاي إذا كان الفضاء أمامي خالياً!»
دهش الأديب لقمان الذي لم يسمع تعبيراً كهذا في حياته.
«كيف تكون السّرعة الخيالية أيها الرائد؟»
«السُّرعة التي لا يمكن أن يدركها إلا العقل الخارق يا مولاي!»
«اضرب لي مثالاً عن مدى هذه السرعة»
«يمكنك أن تضع يا مولاي رقماً تقريبياً يزيد ألف ضعف على الأقل عن سرعة الضوء، وهذه السُّرعة قابلة للزيادة أو النقصان حسب حال الفضاء الذي أجتازه، وحسب السّرعة التي أقرر أنا الانطلاق بها»
همد الأديب لقمان على مقعد خلفه واحتضن رأسه بيديه وراح يجزم لنفسه أنه حقاً في كابوس، وشرع يلعن في نفسه الساعة التي فكّر فيها في الانتحار، والتي لم تأتِ به إلا إلى هذا المكان بالذات، ليجد نفسه في هذه الورطة الخيالية العجيبة، التي ربّما لم يكن في حاجة إليها.
رفع رأسه وألقى نظرات مصحوبة بدهشة شديدة نحو قائد المركبة:
«هل تعرف أيها الرائد أن سرعة الضوء مائة وستة وثمانون ألف ميل في الثانية، وأننا إذا انطلقنا بهذه السرعة سنبلغ القمر الذي يبعد عنّا قرابة مائتين وأربعين ألف ميل خلال ثانية وربع فقط، وسنبلغ الشمس التي تبعد عنّا قرابة ثلاثة وتسعين مليون ميل خلال ثماني دقائق وربع؟!»
وقاطعه رائد المركبة بتواضعٍ جم ينمُّ عن معرفة علميّة عالية، وثقة عالية بالنفس:
«وسنحتاج يا مولاي إلى أربع سنوات ونصف لنصل إلى أقرب نجم إليكم بعد الشمس!»
«تقول أربع سنوات ونصف؟»
«إذا انطلقنا بسرعة الضوء يا مولاي!»
وأطرق الأديب لقمان للحظات يفكّر، أدرك أنّ الجنيّ على حق. كيف غابت هذه المسألة عن باله؟ لابدّ من الانطلاق بسرعة خيالية كما أشار القائد، خاصة وأنه فضّل أن ينقل إلى كوكب خارج المجموعة الشمسيّة التي يتبعها كوكب الأرض، وهذا يحتاج إلى سرعات تفوق التصوّر، ربما كسرعة البُراق الذي أصعد النبي «محمد» إلى السماء.
«هل قلت لي أنه في مقدورك أن تبطئ سرعة مركبتك إذا ما شئت ذلك أيها الرائد؟»
«إن في مقدوري كل شيء يامولاي، حتى أن أجعلها تنطلق بسرعة الطائر»
«هذا عظيم أيها الرائد، لأنني أريد أن ألقي نظرة أخيرة على هذا الكوكب البائس الذي أنتمي إليه، يا ليت لو تجعلنا نتغدّى على كوكب الزهرة ونتعشّى على المرّيخ ونفطر على المشتري، أو قد نودّع هذه المجموعة من المرّيخ وننطلق إلى ما نريد دون أن نقترب من المشتري وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتون، فهي وحسب ما اكتشف علماؤنا ليست صالحة للحياة، ولا رغبة لدي الآن لمشاهدتها عن قرب»
«إني خائف عليك من علمائكم يا مولاي، وآمل أن يطرح مولاي علمهم جانباً وأن يطلق العنان لخياله، ويحلم بما يريد وما يرغب في تحقيقه، دون الخضوع إلى سلطان العلم وغائية المنطق، فهو بهذا يقترب منّا معشر الجن، ويفكّر بعقليتنا القادرة على تحقيق الأحلام وصنع المعجزات، وتقبّل حدوثها، والأهم من ذلك إمكانية حدوثها!»
«شكراً للنصيحة أيها الرائد، هل ننطلق؟»
«ليكن يا مولاي»
«ماذا يتوجّب علينا أن نفعل؟»
«افعل ماتريد يامولاي، اجلس أوانهض، اذهب إلى الحديقة، أو إلى المسبح. لن تشعر بما هو غير عادي يا مولاي، وكأنّك جالس على الأرض!»
«لا تنسَ أن تنطلق ببطء لأنني أريد أن أودّع كوكب الأرض»
«سأنطلق ببطء يا مولاي، يمكنكم النّظر من النافذة إلى ما تريدون، وثمّة منظار يمكنكم الاستعانة به»
أقفلت الفتاة التي استقبلتهم باب المركبة، جلس الأديب لقمان والأميرة نور السماء على أريكتين متقابلتين بجوار نافذة، فيما تحلّق ملك الملوك مع جواريه والأميرة «ظل القمر» حول مائدة مستديرة وأشار إلى فتاة في المركبة أن تحضر لهم خمراً.
ألقى الأديب لقمان نظرة عبر النافذة فشاهد آلاف الجن يحلّقون حول المركبة، فخاطب ملك الملوك متسائلاً:
«لم أحضرت هؤلاء الجن لمرافقتنا أيها الملك؟»
«للحراسة والدّفاع يا مولاي، فقد نتعرّض إلى هجوم من الإنس أو الجن!»
«وهل سيظلّون ظاهرين؟»
«يفضّل يا مولاي كي يرعبوا أيّة قوى معادية قد تفكّر في مهاجمتنا»
«يبدو أنّك خططت لكل شيء أيها الملك»
«بل أعواني هم من خططوا ولست أنا يا مولاي»
«لكن لا تنسَ، لا أريد سفك دماء»
«حتّى الكائنات الفضائية لا تريد أن نسفك دماءها إذا ما هاجمتنا يا مولاي؟!»
«الآن نحن بمثابة غزاة للفضاء أيها الملك، فبأي حق تريدنا أن نسفك دماء أبنائه؟!»
«لا أعرف أين ستودي بنا طيبتك يا مولاي؟ آمل ألا تقودنا إلى الهلاك!»
«لست متشائماً يا مولاي لكني لا أعرف ماذا سنفعل إذا ما هوجمنا»
«لكلِّ حادث حديث أيها الملك، قد نحلّ أكبر الإشكالات بكلمة طيّبة»
«بكلمة طيّبة يا مولاي؟»
«نعم أيها الملك، فللكلمة في بعض الأحيان قوة سحريّة لا تضاهيها أية قوّة»
«اعذرني يا مولاي، أنا لم أعد أفهم شيئاً مما تقوله»
«بل تفهم أيها الملك وتعرف أن ما يكمن خلف طلسمك وطلاسم الجن جميعاً ليس إلا بضع كلمات!»
أدرك ملك الملوك أنّ الأديب لقمان على حق، ثمة سحر ما للكلمة كان يجهله لو لم يلفت انتباهه إليه.
«أنت محق يا مولاي، وإن كنت أشك أن الكلمة ستكون مجدية في كل الأوقات.. أظن أن المركبة انطلقت وأن رحلتنا قد بدأت، لنشرب نخب انطلاقتنا!»

||||||||
|||||||
||||||
|||||
||||
|||
||
(3)
صعود إلى الفضاء
انطلقت المركبة في اتجاه شبه عمودي إلى أعلى. تساءل الأديب لقمان عمّا إذا كانت المركبة مرئية أيضاً من قبل البشر، فأجابته الأميرة نور السماء أنها مرئية وأنه ليس في مقدورهم حجبها عن الأنظار، فتخوّف من أن تطلق دولة ما صاروخاً عليها مما لم يتم نزعه بعد، فسال ملك الملوك:
«هل فرغت الجيوش من نزع الأسلحة ووضع الأخرى تحت السيطرة أيها الملك؟»
«أجل يا مولاي، وعادت معظم الجيوش إلى قواعدها»
«ألم تُرق أيّة دماء أيها الملك؟»
«ولا نقطة يا مولاي»
«أحسنت، وأحسنت جيوشك العظيمة أيّها الملك»
ارتفعت المركبة عالياً، كان واضحاً أن الرائد ينطلق ببطء. أخذ الأديب لقمان ينظر عبر النافذة ويرقب الأرض، فوجئ بمنظار ينتصب أمام عينيه. بدت له القدس وكأنه يرقبها من أعلى قمم جبل الزيتون، مرّت في مخيّلته لمحات سريعة من ذكريات طفولته وصباه في شوارعها. شعر أنّه سيبكي فهرب مارّاً بجبل المنطار حيث أيّام الرّعي والفداء فيما بعد! استقر قليلاً يرقب عمّان، وما لبث أن أشاح نظراته إلى دمشق. قفزت صورة ابنته وابنه وزوجته إلى مخيّلته، تبعتها صور بعض الأصدقاء والذكريات، ولم يتنبّه لنفسه إلا والدموع تغرورق في عينيه، وحين هتفت الأميرة نور السّماء قائلة: «أنت تبكي يا مولاي؟» أجهش بالبكاء، ولم يعد ينظر عبر النافذة.
أخرجت الأميرة نور السماء منديلها وراحت تمسح دموعه، فيما ملك الملوك يهتف متسائلاً:
«ألم تقل أنّهم أذاقوك الأمرّين وأنّهم أفسِدوا يا مولاي، فلِمَ تذرف الدمع عليهم؟!»
«لا أعرف أيها الملك، نادرة هي الأيام التي لم أذرف فيها الدّموع، ولأبسط المسائل، فما بالك وأنا أغادر مَن سيظلّون أهلي وأقاربي وأصدقائي وأبناء موطني وكوكبي مهما فعلوا، ويبدو أنني عاجز عن كرههم، بل لا سبيل إلى نزع محبتهم من قلبي، ثمّ كيف أنسى الأرض التي ولدت وترعرعت بين أحضانها، في سهولها ووديانها، في جبالها وهضابها، وفي تلالها وروابيها؟!! أَوعِزا إلى رائد المركبة أن يسرع، يبدو أنني لا أستطيع النظر إلى الأرض دون أن أبكي»
انتقلت الأميرة نور السماء إلى جانبه وضمّته إلى حُضنها كطفل، فأخذ يديها وقبّلهما.
اندفعت المركبة بسرعة هائلة ثمّ أبطأت لينطلق صوت الرائد يرطن بالعربيّة المشوبة بالجنيّة:
«إذا شئت أن تلقي نظرة على القمر يا مولاي فنحن الآن في مداره»
«هل بلغنا القمر أيتها الأميرة؟»
«نعم يا مولاي، ولو لم يبطئ الرائد لكنّا الآن في مدار الزهرة!»
ألقى الأديب لقمان نظرة على القمر، كانت الأسلحة تنتظم في صفوف هائلة الطول والعرض. وكادت أن تغطّي سطح القمر، وقد وضع كلّ نوع على حدة.
تساءل ملك الملوك وهو ينظر من نافذة أيضاً:
«لم أكن أتصوّر أن لديكم كل هذه الأسلحة يا مولاي، سلاحنا كان بسيطاً في عهد سليمان»
«أين أنت وأين سليمان أيّها الملك، فنحن الآن في عهد زنّيم»
وأشار إليهم لمتابعة الانطلاق نحو الزُّهرة.
ندّت حركة ما في المركبة، فاندفعت بسرعة هائلة. وبدلاً من الإحساس بهذه السرعة، شعر الأديب لقمان بعد لحظات وكأن المركبة توقفت، حاول طرد بعض التساؤلات من مخيّلته فلم يُفلح، فراح يستجمع معلوماته البسيطة عن الكون والسرعة وقوانين الجاذبيّة وما إلى ذلك، ليجد نفسه يغرق في متاهة لن يخرج منها عاقلاً. فقرر تناسي كل شيء والاستسلام للأقدار الجنيّة! بل إنه أقسم في نفسه ألا يتساءل حتى لو رأى نفسه يتناول طعام الغداء في أتون الشمس دون أن يحترق، أو يرى نفسه يسير بخطىً ثابتة على كوكب ما، مع أنّه غدا بوزن الريشة.
ألقى يده فوق يد الأميرة نور السماء وحاول أن يغفو بعض الوقت. لم يكد يغفو حتّى هاجمته الأحلام الفظيعة. رأى سكّان الأرض يُغزون من قبل قوة كونية جبّارة مسلّحة بأسلحة فتاكة ولا يجدون السلاح للدفاع عن أنفسهم. صواريخ عملاقة تدكّ عواصم العالم لتحيلها إلى ركام.
استيقظ مذعوراً حين كانت باريس تدمرّ على مرأى منه. نظر إلى جانبه، يده ما تزال مُلقاة على يد الأميرة نور السماء، والملك شمنهور يجلس على مائدته يداعب بعض الجنيّات فيما أخريات يُدللنه ويتراقصن من حوله.
«ما بك يا مولاي؟»
«يبدو أنّه لا سبيل إلى النوم أيّتها الأميرة، ويبدو أنني اتخذت قراراً أحمق بنزع أسلحة دول الأرض ووضع القواعد تحت سلطة الجن. أليس في ميسوري الاتصال بالأرض أو مشاهدتها لمعرفة ما يجري؟»
«سأنقل رغبتكم إلى قائد المركبة يا مولاي»
وأخذت جهازاً صغيراً راحت تخاطب عبره قائد المركبة.
«إنه يحاول يا مولاي»
أخذت بعض السّتائر المعلقة على جدارن المقصورة تنفتح يُمنة ويسرة أو إلى أعلى، لتبدو عشرات الأجهزة والكاميرات المبثوثة في الجدران، وشاشة شبه تلفزيونية في مواجهته. ظهرت بعض الصّور المختلفة لكوكب الأرض على الشاشة.
انطلق صوت قائد المركبة:
«استطعنا السيطرة على كافة محطّات البث التلفزيوني في كوكب الأرض، ليأمُر مولاي، ماذا يُريد أن يرى؟»
«أرني موسكو أيها القائد»
«هاهي موسكو يا مولاي!»
ظهرت موسكو على الشاشة ببعض شوارعها وأحيائها: هاهي الساحة الحمراء، الكرملين، البولشوي، المتحف، جامعة موسكو، شارع جوركي، الناس يتجوّلون وليس ثمة ما يشير إلى وجود حرب. مرّت في مخيّلة الأديب لقمان بعض صور ذكرياته الجميلة في المدينة.
«حسناً فعلت أيها الرائد، أرني باريس ولندن وبكّين وواشنطن ونيويورك ودلهي ودمشق وبيروت وبغداد وطهران والقدس!»
راحت صور العواصم تظهر على التوالي، لم يبدُ هُناك ما يعكّر صفوها، اطمأن الأديب لقمان وهو يحاول إقناع نفسه أنه حمَّل حُلمه ما لم يكن وارداً أن يحدث، وأنه مجرّد حلم عابر لا غير.
كانت صور المدن والعواصم ما تزال تتوالى بمرافقة عزف أجش على الناي! أبدى الأديب لقمان رغبته إلى الأميرة نور السماء في أن تقوم ببث رسالة إلى أبناء كوكب الأرض، فأبدت حماسها وسرورها، غير أن الأديب لقمان طلب أن تبث الكلمة إلى الشّعوب عبر أجهزة التلفاز والراديو حسب لغة كل شعب وفي آن واحد، ولم يكن قادراً على تنفيذ هذه المهمة المعقدة إلا ملك الملوك، الذي كان قد حمل نساءَ ه ودخل بهن إلى مقصورة في المركبة كي يبتعد عن أعين الأديب لقمان والأميرة نور السماء. خاطبته الأميرة بالتخاطر الجنيّ طالبة إليه الحضور، فقدم على الفور شبه عارٍ:
«اعذرني يا مولاي، ثلاثة آلاف عام، لا أراك الله عذابات سجني، الحياة دون نساء الجن والإنس لا تطاق، أليس كذلك يا مولاي؟»
«لا أعرف أيها الملك، فأنا لم أعرف نساء الجن بعد، أما نساء الإنس فكنت أمضي أعواماً في بعض سنيّ عُمري دون أن أتمكّن من مواصلة إحداهن، ومع ذلك كنت أحتمل الحياة، وإن شعرت أنه يتاح للحيوانات أن تمارس حقّها الكامل فيها بشكل استحال عليّ أن أرقى إليه، ثمّ إنني الآن في أمر البشريّة ولست في أمر النساء»
«مُرني يا مولاي»
«سخّر لي طاقاتك الجبّارة لنقل كلمة إلى البشرية بكل لغات العالم في آن واحد»
صمت ملك الملوك لحظة هو يفرك عينيه ويهرش رأسه وما لبث أن هتف:
«لا أعرف كيف يمكن أن يتم هذا، ولا أعرف كيف يخطر على بال مولاي مثل هذه الطلبات المعقدة، ولا أعرف أيضاً لماذا يقلقه مصير البشرية بهذا القدر. نفّذت أمرك يا مولاي يمكنك مخاطبة بشريّتك بكل لغاتها الحيّة، هل أستطيع العودة إلى فتياتي يا مولاي، تركتهن كما خلقهن الله، إنها المرة الأولى في الفضاء الخارجي وبعد..»
«وبعد ثلاثة آلاف عام، لقد عرفت ذلك أيّها الملك»
«وقد لا تتكرر يا مولاي!»
راح الأديب لقمان يضحك من طرافة ملك الملوك ولا مبالاته العجيبة، والبساطة الشديدة التي يحقق بها المعجزات التي يطلبها منه، حتى ليبدو عليه وكأنه لم يفعل شيئاً، أو لم يطلب شيئاً من أحد.
هتفت الأميرة نور السماء:
«لقد دخلنا مدار الزهرة يا مولاي، هل نهبط على الكوكب أم ندور حوله؟»
« لنبق في الفضاء إلى أن نوجّه الرسالة، ليخفف السرعة»
«أشرت إليه يا مولاي»
«حسناً أيتها الأميرة، ستظهرين وحدك على شاشة التلفاز وتوجهين الرسالة التي سأنقلها لك»
«ليكن يا مولاي»
وراح ينقّلها ما ستقوله، ليجد أنها حفظت كل جملة بمجرّد انتهائه منها، وحفظت الرسالة كُلّها قبل الظهور على الشاشة.
سُلطَت إحدى الكاميرات عليها. اختفت صور مدن الأرض عن الشاشة لتظهر صورتها، ابتسمت بمودّة، وظلّت صامتة للحظة فيما ابتسامتها تحلّق عبر الشاشة لتضفي عليها روعة أخّاذة. نطقت بصوت عذب:
«أعزاؤنا أبناء كوكب الأرض. بالسلام نحييكم وبالمحبّة نلقاكم، وبالأمل المشرق نطلُّ عليكم ونمدُّ أيدينا بالورود لكم. نحن رسل الخلاص البشري. رسل المحبّة والسلام. رسم المعذّبين واليائسين، رسل البائسين والمشرّدين والفقراء والجوعى. رسل الثكلى والحزانى والأيتام والمرضى، رسل الحق والحرية والعدالة، رسل الطامحين إلى المحبّة والسلام بين بني البشر، رسل الباحثين عن الخلود الإنساني، رسل رافعي ناموس العلم والمعرفة، رسل محبّي الحياة، رسل الساعين إلى الجمال الأسمى، رسل الطامحين إلى الكمال، رسل الهادفين إلى وحدة البشر على كوكب الأرض، رسل المكدّين للرقي بمكانة الإنسان.
أيها الأعزاء.. نحن لسنا آلهة ولسنا أنبياء، نحن بشر مثلكم، شاءَت الظروف أن نفوقكم علماً ومعرفة، ومعذرة إذا ما اضطررنا مرغمين إلى السيطرة على أجهزة بثّكم الإذاعية والتلفزيونية لبضع دقائق كي نبلّغ رسالتنا لكم.
ويسرّنا أيها الأحبة أن نعلن لكم بدء عصر جديد هذا اليوم، بعد أن قامت قوّاتنا الخفيّة بنزع سلاح دول الأرض كافة ونقلته إلى القمر. ووضعت محطّات وقواعد أسلحة الدَّمار الشامل وجميع مصانع السلاح تحت سيطرتها، دون أن تريق نقطة دمٍ واحدة من دماء أبناء الأرض الأعزاء.
لقد ولّى عهد الرّصاصة أيها الأحبّة وجاء عهد الكلمة، فتحاوروا وتناقشوا، وتشاجروا بالكلمة إن شئتم، وليكن شعاركم المحبة، ونبذ الكره ووأد الفساد وإصلاح النّفس، ولتكن غايتكم الرّقي بالعدالة الإنسانية ونشدان المعرفة وتطوير العلوم.
استمعوا إلى العُظماء من الأدباء فيكم، والعلماء بينكم، والفلاسفة منكم، ولا تأخذوا كثيراً برأي الحكام والكهنة والطّوائف والأحزاب، وأصحاب رؤوس الأموال، فهم في الغالب ليسوا على حق.
إننا إذ نودّعكم أيّها الأحبة على أمل اللقاء بكم، لن ندعوكم إلا إلى ما دعاكم إليه العظماء من آلهتكم ورسلكم وأنبيائكم وقادتكم ومصلحيكم من قبل، فأحبّوا بعضكم، أحبّوا بعضكم، ومعذرة مرّة أخرى لاضطرارنا إلى استغلال أجهزتكم ومحطّاتكم.
بالمحبّة لاقيناكم.. وبالمحبّة نودّعكم.. »
أحبّتكم: رسل الخلاص!

يتبع






 
رد مع اقتباس
قديم 05-11-2007, 01:54 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: الملك لقمان . ملحمة روائية لمحمود شاهين .الجزء الأول

وأشار الأديب لقمان بيده، فاختفت صورة الأميرة نور السماء من على الشاشة وألغيت السيطرة ليعود البثّ الأرضي العادي.
عانق الأميرة مهنئاً إيّاها لنجاحها الفائق في تقديم الرّسالة.
ظهرت على الشاشة صورة مذيع عربي. اعتذر من المشاهدين معتبراً ما جرى مجرّد خلل فنّي، غير أن الحيرة التي كانت مرتسمة على وجهه فضحت زيفه، خاصة حين أعلن أنّه سيترك المشاهدين مع آيات من الذكر الحكيم!
أشار الأديب لقمان إلى الأميرة نور السماء أن تبحث عن محطّة أخرى. توالت بعض الصور، ظهر الرئيس كلينتون وإلى جانبه وزير الدفاع الأمريكي على الشاشة، أشار إليها بالتوقف.
أكد الرئيس كلينتون للعالم أن ما جرى ليس خيالاً بل حقيقة، وأن كوكب الأرض واقع الآن تحت هيمنة قوى كونية متفوّقة مجهولة وغير ديمقراطية! وليس أمام العالم إلا الاتحاد لمواجهتها، وحين سُئل عمّا يقصد بمواجهتها وعدم ديمقراطيتها، وكيف يمكن أن يتم اتّحاد دول الأرض، أجاب بأنه لابُدّ من فعل شيء كإعلان موقف موحّد لدول العالم، وأنها ليست ديمقراطية لأنها تريد أن تفرض إرادتها على سكّان الأرض دون أخذ رأيهم، أما عن الاتحاد فيمكن أن يتم بتوحيد الدّول كافة وانتخاب زعيم للعالم!
وانسحب الرّئيس كلينتون تاركاً الحديث لوزير الدّفاع الذي أعلن أسفه لنزع السّلاح بالقوة، حتى وإن كانت قوّة سلميّة وأكّد أن المعلومات التي وصلت من الشرق الأوسط عن هبوط وإقلاع مركبة فضائية عملاقة يرافقها آلاف الجنود الطائرين، هي معلومات مؤكدة، إذ أن أجهزة الرّصد الأمريكية شاهدت ذلك بالفعل، ولم تقدر على فعل شيء، لأن السلاح كان قد وضع تحت السيطرة أو نزع من القوّات، وأعلن الوزير عن اعتقاده أن هذه المركبة لابدّ وأن تكون قد اصطحبت معها بشراً، وأن البيان الذي بُثّ للعالم قد يكون من فعلهم! وأبدى دهشته لهذه المعجزة التي جعلت البشر يسمعون الفتاة كُلّ بلغته، وأكّد أن هذه المسألة يستحيل أن تحدث علميّاً، مما يشير إلى قوى خارقة، قد تكون إلهيّة، وهي التي قامت بنزع الأسلحة بطريقة لا يتصوّرها العقل البشري.
ولم يجب وزير الدّفاع سوى عن سؤال واحد يتعلّق بالكيفية التي تسيطر بها هذه القوى على المصانع وأسلحة الدّمار الشامل، إذ قال: ثمة قوّة خفيّة تصد المرء عن أي شيء حربي يحاول مدَّ يده إليه، حتّى لو كان زرّاً في جهاز إلكتروني، ولم يعد أمام العاملين سوى مغادرة مواقع عملهم، وانسحب الوزير معتذراً عن الإجابة على أية أسئلة أخرى.
ظهرت على الشاشة مقابلة مع شُرطي أمريكي يتحدّث كيف سُلِبَ منه مسدّسه، قال:
«أحسست بحركة ماتصطدم بقراب المسدّس، وحين نظرت رأيت القراب يٌفتّح والمسدّس يخرج، اعتقدت أنّها يدٌ شيطانية، مددت يدي لأقبض عليها، لكني لم أقبض غير الهواء، وتابعت المسدّس وهو يبتعد، ولم تمر سوى لحظة حين شاهدت آلاف المسدّسات والبنادق الطائرة في سماء نيويورك»
همست الأميرة نور السماء معلنة أن رائد المركبة هبط على كوكب الزهرة. أشار الأديب لقمان إليها أن تمهله قليلاً ليتابع ما يراه على الشاشة، وطلب كأس بيرة.
ظهر ضابط أمريكي وراح يتحدّث كيف سلبت دبّابته:
«كنت أجلس في دبّابتي أدخّن سيجارة حشيش، أحسست بيد خفيّة تدغدغ خدّي ثم تحملني بلطف وتضعني إلى جانب الدّبابة، وخلال لحظة شاهدت الدّبابة تطير وهي تنقلب رأساً على عقب.
اعتقدت أنّ ما يجري هو محض خيال بتأثير سيجارة الحشيش، فرُحت أضحك، وحين شاهدت كل دبّابات القاعدة وآلياتها ومدافعها تطير في السّماء وكأنّ عاصفة تقذف بها، أغرقت في الضحك، وحين شاهدت الجنود والضباط ينظرون إلى السماء هلعين مذعورين، تبوّلت على نفسي من شدّة الضحك، أما حين صفعّني أحدهم كفّاً وهو يتساءل عمّا يضحكني وينعتني بالأحمق، كدت أموت من الضحك، لأنني أدركت أنه لا يستطيع أن يتخيّل الصورة التي أراها، ويبدو أنّه أُغمي عليّ من الضحك بعد ذلك، ولم أستيقظ إلا في المستشفى، لأدرك أنّ ما جرى حقيقة وليس خيالاً أو وهماً مبعثه سيجارة الحشيش.
وحين سُئل الضابط عن شعوره الآن، أجاب أنّه سعيد وفرح جداً لأنه لن يقتل أحداً بعد اليوم، وأن لحظات السّعادة التي أحسّ بها حينئذ كانت أمتع لحظات حياته، غير أنّه استدرك مشيراً إلى أنّه لو لم يكن واقعاً تحت تأثير سيجارة الحشيش لما أحسّ بالسعادة والفرح إلى هذا الحد، ولما عاش هذه اللحظات الممتعة التي يستحيل أن تنسى، كما عاشها وبهذه الصورة.
وحين استفسرت منه المذيعة أن يوضّح ما يقصده أجاب:
«كنت أظن أن ما يجري هو من فعل خيالي وحدي، وأنّه نابع من ذاتي ويعبّر عن رغبات في نفسي، وأن الناس لا يرونه مثلي ولا يشعرون به طبعاً!»
ضابط آخر لم يكن محششاً أجاب أنه أصيب بالهلع وكاد أن يجن وهو يرى السلاح الأمريكي يقذف بعيداً في السماء، وأنه الآن ليس سعيداً وليس غاضباً طالما أن السلاح نُزع من الأرض كُلّها.
وراحت المذيعة تتحدث عن الهلع وعشرات آلاف حالات الانهيار العصبي المتفاوتة التي أصابت كثيرين من الناس في العالم.
انقبض الأديب لقمان للحظات، ولم يأخذ راحته إلا بعد أن أكّدت المذيعة أنّ كافة الحالات تمكن معالجتها بسهولة.
ظهرت مذيعة أخرى لتقدّم بعض الصّور التي أُمكن أخذها للمركبة وللكيفية التي نزع بها السِّلاح، فراحت الشاشة تعرض آلاف أنواع الأسلحة الحربيّة المتقاذفة في الفضاء. كانت مشاهد خياليّة حقاً، وأشبه ما تكون بعواصف هوجاء تقذف بكل هذا الرّكام إلى الأعالي.
ابتسم الأديب لقمان وهو يتمنّى في سرّه أن يكون كل هذا الذي يجري حقيقة، وأن لا يستيقظ لحظة ليدرك أنّه مجرّد خيال أو حلم عجيب طويل.
أخبر الأميرة أنّه جائع وأنّه يفضّل تناول الغداء داخل المركبة لأنه يريد متابعة ما يجري على كوكب الأرض. وألقى نظرة على ساعته ليدرك أنّه لم يعد لتوقيتها هُنا أي معنى لاختلافه عن توقيت الأرض.
جاءت مضيفة المركبة وسألت عما يحبّون أن يأكلوا، فقال الأديب لقمان «أي شيء» وتابع ما تبثّه الشاشة.
انتهت مشاهد نزع السّلاح وأعلنت المذيعة أنهم سيعيدون عرض تسجيل الكلمة الموجهة إلى كوكب الأرض كما أذاعتها الفتاة «ساحرة الجمال» التي ظهرت على الشاشة.
«إنهم يقولون عنك «الفتاة ساحرة الجمال» أيتها الأميرة»
«وهل أنا كذلك يا مولاي؟»
«أنتِ تعرفين ذلك أيتها الأميرة»
«آمل أن أظلَّ ساحرة في عينيك يا مولاي»
«بل ساحرتي أيضاً أيتها الأميرة»
وامتدت مائدة كبيرة عليها أنواع متعددة من الأطعمة والمشروبات. أبدى الأديب لقمان رغبته في أن يتناول الجميع الطعام معه ونهض ليجلس إلى المائدة. أحسّ أن وزنه قد نقص قرابة عشر كيلو غرامات، لابدّ أن هذا حدث نتيجة لجاذبية الزهرة التي تقل عن جاذبية الأرض. وكانت الحرارة مرتفعة بعض الشيء، وشعر أن تنفّسه لم يعد كما يرام، ويبدو أن الجن لم يشعروا بما كان يشعر به. أوعز إلى قائد المركبة فاتخذ إجراءات سريعة لمعالجة الأمر، حتى عاد الجو وكأنّه على الأرض.
فوجئ الأديب لقمان بأكثر من مائة جنّي وجنّية يعملون على المركبة.
أفردت موائد لاستيعاب الجميع، وما أن جلسوا حتى رفع الأديب لقمان كأسه وشرب نخبهم.
كانت الأميرة نور السماء بادية على الشاشة وهي تقدّم الرسالة.
سألها الأديب لقمان:
«ما رأيك بكلمات الرسالة أيّتها الأميرة؟»
«إنها جميلة ومعبّرة وتبعث الطمأنينة في نفوس الناس يا مولاي»
«وأنت أيّها الملك ما رأيك؟»
«أرى أنها تحمل إلى الناس من المحبّة ما هو أكثر من الممكن، وتدعو إلى المحبّة بما هو أكثر من الممكن أيضاً، وتطالب بتحقيق محبّة غير ممكنة!»
«لِمَ أنت متشائم أيها الملك؟»
«عشت ثلاثة آلاف عام هي نصف عمري خارج السّجن. لم أرَ فيهما إلا القتل وسفك الدماء حتى من الآلهة أنفسهم، ولم يحقق أحد المحبّة التي كان يسعى إليها بعض الآلهة الآخرين، وأظن أن تجربة البشر في ثلاثة آلاف الأعوام التي قضيتها في السجن لم تغيّر من الأمر شيئاً، رغم دعوات الآلهة والأنبياء والرّسل اللاحقين!»
«كان ذلك في القدم أيها الملك، أما الآن وبعد أن عانت الأمم من ويلات الحروب أظنّ أن الأمر سيختلف، وقد تحقق البشرية بالمحبّة ما لم تحققه يوماً بالحروب»
«لا أظن يا مولاي أنّه يمكن تحقيق المحبة بالمحبّة؟!»
«ويحك أيها الملك، وهل يمكن تحقيق المحبة بالحرب؟!»
«لا يا مولاي، وبالحرب أيضاً لن تتحقق المحبة»
«بمَ إذن أيها الملك؟»
«يبدو لي أن الحياة ستبقى كما هي عليه يا مولاي. حب وحرب، سعادة وشقاء، ورد وشوك، حريّة وسجن، عدالة وظلم، وإذا كنت تحبّني فإن محبّتي لن تحول دون أن يأتي أحد ما ويعيدني إلى قمقمي الرّهيب أو يسخّرني لفعل الشّر!»
«آه أيها الملك، أنت حقاً لم تؤمن بي بعد، أو أنّك لم تأخذ برسالتي، وإلاّ لما أثقلت على نفسي برؤيتك الظّلامية»
«عفواً يا مولاي، لم أؤمن بإنسي كما آمنت بك، ولم أُخلص لإنسي كما أخلصت لك، وقد عاهدتك على الوفاء، وسأعمل على أن أظلّ وفياً لك حتى بعد موتك، وما رأيي يا مولاي إلا رؤيةً لِما مضى وما يدور الآن، وما قد يدور في المستقبل رغماً عنّي وعنك!»
«نحن نحاول أيها الملك، لعلّ معشر البشر يحققون المحبّة وكل ما هو أسمى للحياة، بالمحبّة ذاتها، وهم حتى لو فشلوا لن يخسروا شيئاً، ولن تسفك دماؤهم كما فعلت الحروب»
«وكيف يمكن أن يتغلّبوا على نوازع الشر وشهوة الانتقام في نفوسهم يا مولاي؟»
«بالسّعي إلى المحبّة ونبذ الكره والحقد، والسيطرة على نوازع الشر، والتغلّب على رغبة الانتقام، كما أحاول أنا وأسعى لأن أسيطر وأتغلّب، لو تعرف كم أحمل في بطينتي من نوازع ورغبات تدميريّة هائلة، لم تكن تتيح لي الإخلاد إلى النوم إلا على صواريخ عملاقة أتخيّلها تدك تل أبيب وواشنطن ولندن وغيرها من المدن التي كنت أرى فيها موطناً للظلم. كنت أرى نفسي أشنق بعض الزعماء من أرجلهم، وأُجلس الانتهازيين والمنافقين والطّواغيت على الخوازيق، وأمسخ بعض الأدباء والسُّفهاء إلى جراذين وقطط، وبعض رجال الدين إلى خنازير وأبقار، والنصّابين والمحتالين واللصوص إلى قرود وكلاب، والحق أن هذه النوازع ماتزال تضجُّ في دخيلتي وتقضُّ مضجعي، غير أنني أُحاول بكل طاقتي قتلها ونبذها، أو السيطرة والتغلّب عليها، أو حتى سحقها إن استطعت، وأظنّ أن البشر إذا لم ينووا قتل نوازع الشر في دواخلهم، لن يتمكّنوا من إحلال المحبّة في نفوسهم والسّعي إليها بها، وبها فقط، وهذا ما أُحاول أن أفعله، لعلَّ المحبّة تفعل ما لم ولن تفعله الحروب، وإني لمتفائل بذلك، وأكاد أرى حياة جديدة ومستقبلاً جميلاً ينتظر البشرية»
«لا تنفعل يا مولاي، أعدكم أنني سأظلُّ مخلصاً لكم وسأعمل بكلِّ قواي على تحقيق أمنياتكم»
«أشكرك أيها الملك»
«نخب مولاي!»
ورفع الأديب لقمان كأس بيرة فيما رفع ملك الملوك جرّة من الخمر المعتّق وأفرغها في جوفه.
«معذرة يا مولاي، يبدو أنني لن أتمكّن من ترك الخمر حسب ما يمليه عليّ الدين الإسلامي!»
«هذه مشكلتك وليست مشكلتي أيها الملك!»
«ألم تكن مسلماً يا مولاي قبل أن تصبح نورانياً؟»
«بل ومازلت حسب هويّتي وانتمائي أيها الملك، لكنّي قد أُعتبر في نظر بعض المتديّنين مرتداً عن الإسلام، وعقوبتي هي الإعدام»
«الإعدام يا مولاي؟»
«نعم أيها الملك الإعدام»
«وهل كل المسلمين يتقيّدون بعدم شرب الخمر، والإيمان بالله يا مولاي؟»
«لا أيها الملك، فهناك الملايين ممن يسكرون، وهناك الآلاف ممن ألحدوا رغم اعتقادهم بوجود الله! لكن الإسلام ليس الامتناع عن الخمر وحسب أيها الملك»
«عن ماذا أيضاً يا مولاي؟»
«عن أكل لحم الخنزير مثلاً»
«أوه يا مولاي، لِمَ لمْ تخبرني من قبل، فنحن الآن نأكل لحم خنزير؟»
«لم أعرف أنّ على المائدة لحم خنزير، ثمّ إنني أشرت إليك بعدم تناول الخمر ولم تذعن إليّ، ولا أظن أنّك قادر على التقيّد بأي ركن من أركان الإسلام أيها الملك!»
«وما هي أركانه يا مولاي؟»
«عدا الشهادتين عليك أن تصوم وتصلّي وتحجّ إلى البيت الحرام وتزكّي»
«أصوم يا مولاي؟ أي لا آكل ولا أشرب؟»
«أجل أيها الملك تصوم طوال النهار لمدّة شهر وخلال ذلك ينبغي عليك ألا تضاجع النساء أيضاً»
«مولاي أنت تقسو عليّ ولا تراعي آلاف السِّنين القاسية التي أمضيتها في قمقم سليمان!»
«أنا أقسو عليك أيها الملك؟ أنت الذي أردت أن تكون مسلماً، وكان في مقدورك أن تظلّ على عبادة «إيل» أو حتى «يهوه» الذي ربّما غضب عليك وقد ينتقم منك لدخولك الإسلام!»
«لا يا مولاي، سأدخل الإسلام، نحن معشر الجن اعتدنا تغيير ديننا، وإذا ارتكبت بعض المعاصي أرجو أن يسامحني الله.. هل هُناك أشياء أُخرى يتوجّب علي الامتناع عنها يا مولاي؟»
«أشياء كثيرة أيّها الملك، من أهمّها، ألا تقتل النّفس التي حرّم الله إلا بالحق، وألا تسرق، وألا تنكح المقرّبات إليك، كأمك وأختك وبنتك وخالتك وعمّتك»
«لكن أجدادكم القدماء كانوا ينكحونهن يا مولاي، ونحن مانزال ننكحهن حين نريد ذلك!»
«لقد حرّم الإسلام ذلك، وإذا تريد أن تصبح مسلماً حقاً عليك أن تبلّغ قومك وكفاكم ارتكاب حماقات!»
«سأفعل يا مولاي»
فرغوا من تناول الطعام، أبدى الأديب لقمان رغبته في الخروج من المركبة ومشاهدة المكان، سأل رائد المركبة عن الطّقس في الخارج، أخبره أنه حار نسبيّاً، لكن السماء ملبّدة بالغيوم، مما يخفف من حرارة الجو.
«وهل ثمة حياة على الكوكب أيها القائد؟»
«نعم يا مولاي، فقد شاهدت وأنا أحلّق عشرات المدن والقرى»
تناسى الأديب لقمان ما يعرفه من معلومات علميّة عن الكوكب تناقض كل ما يجري، وتساءل:
«وماذا عن المكان الذي نحن فيه الآن؟»
«قفرٌ يا مولاي إلا من بعض النباتات الصغيرة المتناثرة»
«لننزل وننظر ما حولنا»
هبط ملك الملوك أوّلاً ثم الأديب لقمان، كان آلاف الحرّاس والمرافقين من الجن يحلّقون في السماء في جماعات جماعات، وكان الطّقس حارّاً رغم أن السماء ملبّدة بالغيوم غير الممطرة، وبدا المكان كما لو أنّه وهدة من كوكب الأرض، أحاطت به بعض التّلال والجبال، وتناثرت فيه النباتات غير المثمرة، لم يذكر الأديب لقمان أنّه شاهد ما يشبه هذه النباتات على الأرض، اقترب من إحداها وانحنى ليشمّها، لم يكن لها أية رائحة. أشار إلى الرائد أن يعود بهم إلى المركبة ليتجوّلوا في سماء الكوكب لاستكشاف أحواله.
جلس إلى جانب الرائد فيما جلست الأميرة نور السماء إلى يمينه، أقلعت المركبة بسرعة تمكّنه من الرؤية، ظهرت سلسلة من الجبال المكسوّة بالغابات، حلّق الرائد فوقها لبعض الوقت فيما أخذ الأديب لقمان يرقبها بمنظار، لم تكن غريبة عن الأشجار التي تنبت على الأرض، وحين دقق النظر شاهد حيوانات تشبه إلى حد كبير الحيوانات الموجودة على الأرض، ورأى نهراً يخترق الغابات يصبُّ في بحر شاسع، بدت على مقربة من شواطئه بعض القرى المتناثرة على سفوح الجبال، كانت تشبه إلى حد كبير قرى كوكب الأرض، لولا أنّ سطوحها كانت مخروطية ومدببة، وبدت في البحر بعض السّفن والقوارب. أشار إلى الرائد أن يهبط بالمركبة أكثر، شاهد بشراً سوداً وسمراً يشبهون أبناء الأرض غير أن حجومهم كانت أكبر بمقدار يسير.
تساءلت الأميرة نور السماء عن سبب كبر حجومهم، فأجابها الأديب لقمان واقعياً على الفور:
«ربما لتتناسب حجومهم وحركاتهم مع جاذبيّة أرضهم أيّتها الأميرة!»
وفيما كان يتأملهم عبر المنظار رأى بينهم من يلوّحون لهم بأيديهم، أحسّ بفرح غامر وهو يهتف:
«إنهم أناس مسالمون، ويبدو أنهم لم يرتابوا من ظهورنا»
«فهتفت الأميرة:
«بل إنهم خائفون يا مولاي وينشدون منّا السلام، تأمّل الرُّعب على وجوههم»
دقق الأديب لقمان النظر عبر منظاره ليجزم بما قالته الأميرة، كان ثمة أطفال يصرخون ويعدون هُنا وهُناك مُختبئين، حتّى الذين يلوّحون من الكبار، كان الرعب يرتسم على وجوههم.
أشار إلى قائد المركبة أن يرتفع في الفضاء ويزيد السرعة ليعيد إليهم الطمأنينة.
أخذ القائد يحلّق فوق الكوكب على ارتفاع شاهق، ليشاهدوا مئات المدن والقرى والمطارات وخطوط المواصلات والموانئ، جزم الأديب لقمان أنّه لا يوجد عند سُكان الكوكب ما هو حربي، إذ لم يطلق في اتجاههم شيء، ولم تصعد إليهم أية طائرات حربيّة، ولم تنطلق نحوهم أيّة صواريخ، وهم على الأغلب ليسوا متخلّفين لأن لديهم ما يُشير إلى حضارة حديثة.
تمكّن قائد المركبة من الاتصال بهم، غير أن لغتهم لم تكن مفهومة، وحين تنصّت الأديب لقمان بلغ أسماعه ما يشبه جرس اللغة الفرنسية!
«أين ملك الملوك؟»
«أمر مولاي»
«أين قواك الخارقة؟ ترجم لي هذه اللغة التي تصلنا عبر الجهاز»
«معذرة يا مولاي فقوانا اللغوية لم تدرك حتى الآن إلا لغات الأرض، ولغات الجن والعوالم السُّفلى!»
أدرك الأديب لقمان للحظات أنه في عالم واقعي، إذ لو كان في عالم خيالي لما عجز ملك الملوك عن ترجمة أية لغة!!
«حاول أيها الملك»
«مفاتيح لغة أهل السماوات ليست تحت سيطرتنا يا مولاي!»
«ما العمل؟ لابدّ من وسيلة»
أشارت الأميرة نور السماء بإرسال رسالة لهم بعدّة لغات، فأخبرها القائد أنّه أرسل رسائل بثلاثين لغة من لغات الإنس والجن دون جدوى.
«هل أرسلت بالعربيّة؟»
«أجل يا مولاي»
«متى تعلّمتها؟»
«هذا اليوم يا مولاي!!»
أراد الأديب لقمان أن يعلّق على المسألة، غير أنه لم يفعل لإدراكه أنّه أمام جن يصنعون المعجزات، رغم اعتقادهم أن عقولهم صغيرة.
«هل أرسلت بالفرنسية والإنكليزية والصينية والروسية والإسبانية والألمانية واليابانية؟!»
«أرسلت حتى بالأرديّة والفارسيّة والتركية يا مولاي!»
«ماذا قلت في رسالتك؟»
«نحن ضيوف مسالمون من كوكب الأرض أجيبونا من فضلكم»
«يبدو أننا سنقلع إلى المرّيخ دون الاتصال بهم»
«وهل يهمّك الاتصال بهم يا مولاي؟»
«وكيف لا يهمّني، ربما أجد لديهم أجوبة عن كل الأسئلة التي يضجُّ بها رأسي، ربّما أجد لديهم نظاماً حياتياً متكاملاً وراقياً أفيد منه أبناء الأرض، ولو كنت أعرف أنني سأجد فرصة للعودة إليهم لأجّلت الأمر»
«ولماذا لن تتمكن يا مولاي، يمكننا أن نزورهم بعد أن نعرف الكوكب الذي سنستقر عليه»
«أظن أن أشغالي ستكون كثيرة، ويخالجني إحساس أنني سأقتل على الكوكب الذي سأستقر عليه، وأن الكوكب الذي أمُرّ عنه لن أعود إليه!»
«ومن سيقتلك يا مولاي؟»
«لا أعرف!»
«لن يكون قتلك يسيراً وأنت في حمايتنا يا مولاي»
«لكن ليس مستحيلاً أيتها الأميرة»
وأطرق الأديب لقمان للحظات والمركبة تجوب سماء الزهرة، هتف:
«هل حاولت التقاط أي بث تلفزيوني لديهم أيها الرائد؟»
«لا يا مولاي، سأحاول الآن»
وأخذ يعبث ببعض الأزرار، ظهر أمامه على شاشة صغيرة صورة امرأة تتحدّث بالإنكليزية.
«هذه من كوكب الأرض أيها الرائد، حاول أيضاً»
وظلّ الرائد يحاول إلى أن التقط الإرسال، كان يُعرض على الشاشة ما يبدو أنه فيلم تلفزيوني، أشار الأديب لقمان إلى الرائد أن يسيطر على أجهزة البث والإرسال، وطلب إلى الأميرة أن تردد كلمة «سلام» ببعض لغات العالم.
ظهرت الأميرة نور السماء على الشاشة وهي تبتسم وتلوّح بيدها وتردد «سلام.. سلام.. سلام»
ظهرت على الشاشة فتاة سمراء جميلة تحمل بيدها باقة ورد وغصن زيتون، وهي تردد وتلوّح «سلام.. سلام.. سلام»
«لقد نجحنا أيتها الأميرة»
«وطلب إلى القائد أن يهبط بهدوء في أكبر مدينة يراها، فقد تكون العاصمة، وطلب إلى ملك الملوك أن يبقي الحرّاس والمرافقين مُحلّقين في الفضاء كي لا يرعبوا سكّان الكوكب، وأعلن أنه في حاجة إلى ملابس نظيفة، إذ لا يُعقل أن ينزل على كوكب الزهرة بملابس الانتحار التي كان يرتديها على الأرض.
وانتصبت أمام الأديب لقمان مرآة ليجد نفسه في زي جنرال تنتظم النجوم والتيجان والسّيوف على كتفيه، وتتدلّى على صدره النياشين والأوسمة.
«أعوذ بالله منك أيها الملك، ألم تجد ما هو أفضل من هذا الزي؟ اقذف به عن جسدي إلى الجحيم!»
شرعت الأميرة في الضحك فيما كان الأديب لقمان يقذف بالنياشين إلى الأرض. وبدا ملك الملوك غير موافق على رأي الأديب لقمان، فقد بدا له جنرالاً لم ير مثيلاً له في عهد سليمان. هتف حين أدرك أن لا مجال للجنراليّة:
«وأنا ما أدراني أنّك لا تحب أزياء الجنرالات يا مولاي؟»
شاهد الأديب لقمان نفسه في زيّ ملك يعلو رأسه تاج ضخم من الذّهب، أحسّ أنّه سيكسر عنقه. زفر متأففاً وراح يستنجد بالأميرة نور السماء، متخلّياً عن ملك الملوك وأزيائه السلطويّة.
أصبغت الأميرة عليه زيّاً أبيض أقرب إلى أزياء الرُّهبان، بدا فيه كالملاك لشدّة بياضه.
«هذا معقول أيتها الأميرة وإن كان يُضفي عليّ وقاراً كهنوتياً لا أحبّذه»
تبدّت لهم من مقصورة المركبة مدينة كبيرة ذات أبنية عالية مخروطية الشكل، تتخللها شوارع عريضة تسير فيها حافلات مختلفة الأشكال، كان بعضها يشبه حافلات الأرض إلى حد كبير.
ظهرت في الفضاء طائرة عمودية، يلوّح أحدهم براية حمراء من نافذتها، أدركوا أنّها تشير إليهم أن يتبعوها، قادتهم إلى مطار كبير على مقربة من المدينة وهبطت أمامهم ليهبطوا بعدها.
حين أطلّ الأديب لقمان من باب المركبة شاهد عشرات الأطفال السُّمر يلوّحون بباقات من الورد وأغصان الزيتون، وعلى مسافة من المركبة اصطفّ بضعة رجال ونساء.
لوّح الأديب لقمان بيده محيياً ونزل تتبعه الأميرة نور السماء فملك الملوك فقائد المركبة فالآخرون.
تقدّم رجل طويل كهل تبدو عليه الهيبة، يرتدي الملابس السّود، مَدّ يده مُرحّباً ومصافحاً وهو يهتف بصوت خفيض «سلام» ويرسم على شفتيه ابتسامة.
صافحه الأديب لقمان وتقبّل باقة ورد وغصن زيتون من أحد الأطفال.
كان جميع المستقبلين سوداً وسمراً وطوال القامة، ولم تكن ملامح وجوههم تختلف عن ملامح وجوه سكّان الأرض.
اصطحبوهم إلى صالون ضيافة كبير تزيّنه الرّسوم والمنحوتات والنقوش والثريّات الجميلة المنيرة، وقد فرش بأرائك وثيرة، وبدا جو الصالون أقرب ما يكون إلى جو الأرض، حتّى أن الملابس التي ارتداها السكان بدت أقرب إلى ملابس أهل الأرض.
قدّمت مجموعة من الفتيات شراباً بطعم عصير البرتقال، ولَغَ منه ملك الملوك إبريقاً كاملاً وراح يتأمّل جمال الفتيات السود الذي لم ير له مثيلاً من قبل، وأضمر في نفسه أن يبْدي رغبته فيا بعد للأديب لقمان لعلّه يتيح له مواقعة بعضهن أو واحدة منهن على الأقل.
كان الرجل الكهل يفتح يديه ويبتسم بمودّة بين لحظة وأخرى مُرحّباً، فيحني الأديب لقمان رأسه ويومئ مبتسماً بمودّة بدوره، ونظراً لطول شعر ذقنه وشاربيه فإنّ ابتسامته كانت بالكاد تُلمح من قبل الآخرين.
نظر الأديب لقمان إلى ملك الملوك هامساً:
«لابدّ من حل مشكلة اللغة أيها الملك»
«







 
رد مع اقتباس
قديم 05-11-2007, 02:02 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: الملك لقمان . ملحمة روائية لمحمود شاهين .الجزء الأول

الرواية طويلة جدا .
واتعب كثيرا حتى اتمكن من تحميل جزء من فصل بالحجم المطلوب .
اليس من حل بزيادة الحجم ؟ لأدخل الفصول فصلا فصلا .
إذا ليس هناك حل سأتوقف عن نشر الملحمة .
مع عذري الشديد من الأصدقاء الذين تابعوني . وإذا كان الأمر يهمهم ، بإمكانهم البحث عن( الملك لقمان) في محرك البحث ( جوجل ) أو بالدخول إلى موقعي الشخصي .
shahinarts.net
أكرر عذري .







 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصص للأطفال د.طارق البكري منتدى الأسرة والمرأة والطفل 2 12-03-2007 02:18 AM
ثالث اثنين الميكانو و فلسفة ؟! سرمد السرمدي منتدى القصة القصيرة 0 13-02-2006 11:06 PM
نحو السهل الممتنع في فلسفة الفعل ! سرمد السرمدي منتدى القصة القصيرة 0 13-02-2006 10:57 PM

الساعة الآن 02:05 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط