|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
محمود شاهين الْمَلِكُ لُقمانْ ملحمة روائية الجزء الأول (1) محاولة انتحار حين عزم الأديب لقمان على الانتحار – قبل أن يغدو ملكاً – لم يخبر أحداً بنيّته. ألقى نظرة عابرة على أفراد أسرته، وحيّاهم بحركة بطيئة من يده، وخرج دون أن يتفوّه بكلمة. ظنّت ابنته أنه يحاول الخروج من العزلة التي فرضها على نفسه منذ أعوام، وظنّ ابنه أنّه يزداد إمعاناً في عزلته، وما خروجه إلا للسير وحيداً بُعيد الأصيل كي يحرّك ساقيه، وربما يستقبل غروب الشمس. زوجته لم تفكّر في شيء، فهي لم تكن يوماً قادرة على أن تفهم ما يدور في خلده، وكُلّما ظنّت شيئاً فعل نقيضه. يمّم وجهه شطر الصحراء حيث عاش طفولته في مكان مشابه. أحسّ بها تشدّه إليها بقوة. كانت الشمس قد أخذت تجنح إلى الغروب، وخيوط أشعتها تتكسّر على ظهره. أدرك أنها غابت حين توقفت أشعتها عن سلق ظهره بحرارتها، وحين رأى بعد قليل عتمة الغسق تحلّ شيئاً فشيئاً. ظلّ يسير طوال الليل مجتازاً بعض الحقول والبساتين والأراضي غير المزروعة. بُعيد الفجر، استقبلته الصحراء فاتحة ذراعيها. توقّف للحظات متنفساً بعمق، وتابع سيره المتهالك إلى أن أخذ الظّلام يتبدد من حوله. جلس على كثيب من الرّمل وفكّر لبرهة في الطريقة التي سينتحر بها. سيحفر لنفسه قبراً ويستلقي فيه، ويطلق النار على رأسه من المسدّس الصغير الذي يحمله. ولا شك أنّ الريح والعواصف ستذرو الرّمال عليه لتدفنه خلال بضعة أيام، إذا لم تنهش الوحوش جسده، وإذا حالفه الحظ ستهب ريح قوية قد تدفنه خلال بضع ساعات. «لم تكن الفكرة حسنة، لكنها قد تكون أفضل من حالة اليأس والإحباط التي وصل إليها!» وابتسم ساخراً من نفسه، لهذا الحرص الذي لا معنى له بعد الانتحار، فإن دُفن أو لم يدفن، إن نهشت الطيور لحمه أو افترسته الوحوش فالأمر سيّان، لاسيما وأن في مقدور الوحوش أن تخرج جثته من تحت الرمال. أقلع عن التفكير في العواقب وشرع في حفر الرّمل بيديه. لم تكن المهمّة شاقّة. وحين باغتته أشعة الشمس وهي تطلّ من خلف الجبال الشرقية البعيدة، كان قد حفر نصف القبر. أخذت الأرض تقسو قليلاً، فاستعان بخنجره الذي رافقه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، منذ كان صبياً يعدو خلف القطيع في جبال القدس. نشب الخنجر بشيء ما، شدّه بقوة وإذا بجمجمة تتدحرج بين قدميه. ارتعد جسده للحظات، تمالك أعصابه وهو يرفعها بيديه ويتأملها، «أي قدر هذا الذي ساقه إلى هذا المكان بالذات، وما الذي كان عليه صاحب هذه الجمجمة؟». شعر أنه سيسترسل في تساؤلات كثيرة، فألقى الجمجمة على مقربة منه واستأنف الحفر. أخرج بقايا عظام. «لاشك أنها للجسد ذاته!». أحسّ بالخنجر يصطدم بجسم صلب. حفر من حوله وأبعد التراب ليجد نفسه أمام قمقم من نحاس. رفعه برفق، كان محكم الإغلاق. عالج التراب المتحجّر حول الغطاء برأس الخنجر إلى أن حرَّره. أداره بقوة وببطء لتخوّفه من أن يندفع من القمقم جنيّ ما، لكثرة ما قرأ عن الجن السجناء والقماقم المرصودة في كتب التراث العربي. وحقاً كان تخوّفه في محلّه، فما أن رفع الغطاء حتى انبعث من القمقم دخان هائل طاول عنان السماء. انطرح الأديب لقمان على ظهره من هول الرعب الذي انتابه. لم تمر سوى لحظات حتى انجلى الدُّخان عن جنّي عملاق، قدماه تنغرسان في الأرض ورأسه يتسامق عالياً في السماء، وراح يهتف بصوت هائل: «ها! أمر مولاي العظيم لقمان محرر أرواح الجان! عبدك المُطيع ودرعك المنيع «شمنهور الجبّار» ملك ملوك الجن الحُمر في سائر الأكوان والأمصار!!». ولم يكد يفرغ من كلامه إلا وأصوات هائلة تتردد من كافة أرجاء الكون، هاتفة بصوت واحد ثلاث مرات «ها.. ها.. ها..!». تمالك الأديب لقمان نفسه وجلس. تساءل وهو ما يزال تحت وطأة الدهشة: «ما هذه الأصوات يا ملك الملوك؟» «هذه أصوات أتباعي وأتباع أتباعي من ملوك الجن يجددون ولاءَ هم لي، ويبتهجون بتحريري من السجن بعد أن أعلمتهم بذلك يا مولاي» «الحمد لله على سلامتك» «سلّم الله مولاي العظيم» «أنا لست عظيماً أيها الملك» «إن من يحرر ملك ملوك الجان من سجنه لن يكون إلاّ عظيماً يا مولاي» «والله إنّي أشك في ذلك أيها الملك. لكن كيف عرفت اسمي؟» «حين حكم عليّ الملك سليمان بالسجن أبلغني أنّه لن يُفرج عني قبل ثلاثة آلاف عام على يديّ أديب فلسطيني يُدعى لقمان!» «ثلاثة آلاف عام وأنت تقبع في هذا القمقم؟» «نعم يا مولاي» «ولماذا سجنك سليمان؟» وطأطأ ملك الملوك رأسه خجلاً وما لبث أن تكلّم: «وقعت في غرام بعض نسائه يا مولاي!» «لست قليلاً أيها الملك، وهل كُنّ مغرمات بك أيضاً؟» «نعم يا مولاي» «من منهن؟ ابنة الفرعون أم بلقيس ملكة سبأ؟» «هاتان كانتا منهن يا مولاي. لكني أغرمت بالفلسطينية عستارت أكثر من الجميع، وهي التي كُشِفت علاقتي معها» «عستارت؟ هذا الاسم يكاد يكون اسم آلهة فلسطينية أيها الملك» «نعم، كان اسمها مشتقاً من اسم الآلهة يا مولاي» «وماذا فعل بها هي؟» «قطع رأسها أمامي يا مولاي وقال أنه سيدفنها معي، والحق إنني لا أعرف فيما إذا فعل ذلك بعد أن سجنني في القمقم» «لقد عثرت على جمجمة وبقايا رُفات قبل أن أعثر على قمقمك، لعلّها لها؟» «أين الجمجمة يا مولاي؟» «ها هي أيها الملك» رفع الأديب لقمان الجمجمة بيديه ونهض ليعطيها له. فوجئ به يتضاءل إلى أن أصبح بحجم إنسان وبهيئة ملاك. مدّ يدين مرتعشتين وأخذ الجمجمة برفق وعيناه تذرفان الدّموع. وقف الأديب لقمان صامتاً محتاراً، فيما راح الملك شمنهور يرثي محبوبته ببضع كلمات: «الحبيبة الغالية عستارت، سيّدة السواحل والجبال، عروس البوادي والأنهار، فاتنة مدينة السّلام، هل غدا رأسك الجميل رفاتاً وجسدك المعطاء رميماً؟!» ورفع الملك شمنهور يده وإذا بتابوت من الذهب الخالص يتموضع إلى جانبه. ألقى نظرة نحو الأديب لقمان وهتف متوسّلاً: «هل يأذن لي مولاي العظيم بدفن رُفات محبوبتي؟» «أنت حر فيما تفعل أيها الملك» وفتح الملك شمنهور التابوت وإذا به يتلألأ بالجواهر وقد فرش بالحرير الأخضر. جمع الأديب لقمان الرّفات مع الملك ووضعاه في التابوت، ثم أغلقاه بإحكام. أشار الملك بحركة من يده وإذا بالقبر ينفتح والتابوت يرتفع برفق ليأخذ مكانه فيه. وبحركة ثانية أُهيل التراب في القبر، وبثالثة انتصب فوقه ضريح من حجر المرمر، وبرابعة شيّدت فوقه قبّة هائلة خضراء مرصّعة بالياقوت والزمرّد يعلوها هلال من الذهب تتوسطه نجمة سداسية الشكل، ويرتكز على شمعدان من الذهب بطول ثلاثة أذرع. كان الأديب لقمان واقفاً في دهشة وذهول لما شاهده من قدرات الملك شمنهور الخارقة، ولم يعد يعرف فيما إذا كان في حُلم أم يقظة. أخذ الملك شمنهور القمقم وأخرج منه خاتماً قدّمه للأديب لقمان. «ما هذا أيها الملك؟» «هذا الخاتم الذي نقشت عليه كل الطّلاسم التي تتحكّم بحريّتي، مَن ملكه امتلكني ومن فقده فقدني!» أطرق الأديب لقمان للحظة متفكّراً. «قل لي أيها الملك؟» «أمر مولاي العظيم» «هل أنت حقيقة أم خيال، وهل أنا في حُلم أم يقظة؟» «عفواً مولاي، أنت بكامل يقظتك وأنا حقيقة كما ترى!» «المشكلة أنني لا أقتنع بوجود الجن والشياطين وحتى الآلهة نفسها، وما جئت إلى هنا إلا لأنتحر بعد أن غدت حياتي لا تطاق!» «ولماذا يا مولاي أصبحت حياتك لا تطاق؟» «لأنهم أفقدوني حقي فيها أيها الملك، بل أفقدوني مبررات وجودي نفسها. حتى الفقراء الذين بددت مالي عليهم أو أدنته لهم اختفوا من وجودي، الأصدقاء منهم وغير الأصدقاء، كلّهم تبخّروا في الهواء! وحتى الصّدور الكاعبة الدافئة الحنونة التي كانت تبثُّ إكسير الحياة في روحي ذبلت وذوت أو اختفت. لم يعد ثمة شيء يشدّني إلى هذه الحياة الخاوية أيها الملك!» «مولاي العظيم، سأحضر لك من المال ما تعجز السُّفن عن حمله، وسأضع بين يديك من النساء ما تعجز اللغة عن وصف جمالهن، وسأوجد لك من الأصدقاء من تأنس بحضوره، ويأسرك بحسن معشره، ويأخذك بشموليّة معرفته» «آه أيها الملك، ليست المشكلة في المال والنساء، والأصدقاء فحسب، فهؤلاء لم يكونوا غايتي ذات يوم، ربّما كانوا ضرورة من ضرورات الحياة، أما الغاية فقد كانت أسمى، وكان تحقيقها صعباً إلى حد يدفع الطّموحين من أمثالي إلى الانتحار!» «وماذا كان طموح مولاي لعلّني أقدر على تحقيقه؟» «إنه طموح بسيط ومشروع أيها الملك: أن نحبّ بعضنا نحن معشر البشر، وأن نحب لغيرنا ما نحبّه لأنفسنا، وأن نعمل من أجل الآخرين بالقدر الذي يعمل به الآخرون من أجلنا، وأن ننبذ الشر من بيننا، ونصلح ما أفسد أرواحنا، وشوّه جمال إنسانيتنا، أن نتّحد في مواجهة الأخطار المحيقة بكوكبنا، أن نمنح الإنسان حريته، أن نسخّر العلم والمعرفة لخدمة البشرية وإطالة عمر الإنسان، لا لتدميرها وقتل الإنسان، أن نوجد نظاماً عصرياً يسمو بالبشرية من حضيضها، أن ننقذ ملايين الجوعى في العالم. لقد أخفقت في تحقيق شيء أيها الملك، حتى طموحاتي الأقل شأناً كأن أرى بلدي محرراً من المحتلّين، أخفق جميع العرب والمسلمون والقوى المحبة للسلام والحرية في تحقيقه، أو حتى أن أعيش ضمن الحد الأدنى من الحُرّيّة الذي يتيح لي نشر كتبي وأفكاري وإبداء رأيي وممارسة الحب مع من تحبّني! لم يتحقق لي أي شيء من كل هذا وذاك أيها الملك، أي شيء على الإطلاق، ولم يعد هناك أي معنى لهذه الحياة، ولو في نظري. والحق أنني أشكّ في أنك قادر على تحقيق أحلامي هذه، رغم قناعتي أنك قادر على فعل المعجزات. لذلك أرجوك أن تأخذ خاتمك هذا وتنصرف إلى حيث تريد، وتعيش حياتك بحرية خارج الأسر. وتدعني أنتحر بسلام، وكم أنا سعيد بتحريري لك،بعد ثلاثة آلاف عام من القهر. لا أظن أنني فعلت ما هو أجمل من هذا في حياتي، وإن حدث ذلك بمحض الصدفة. ولا أظن أن ثمة بطولة في المسألة» «مولاي. مولاي العظيم!» «أرجوك أيها الملك ألا تخاطبني مولاي، لأنني أكره أن أكون سيداً لأحد، ولا تعظمني لأنني لم أمقت في حياتي أحداً أكثر من المعظّمين دون أن يكونوا عظماء. ثم إنني وبالتأكيد،لست عظيماً ولست بطلاً ولست نابغة، إنني إنسان متنوّر بعض الشيء، حاول أن يلِمّ بثقافة البشرية بالقدر الذي أتاحه له وقته» «مولاي!» «أرجوك» «لقد اعتدت تعظيم من يتحكّمون بطلسمي أيها الأديب لقمان، ومع ذلك سأحاول إن استطعت!» «أشكرك أيها الملك، لتحاول، لن يكون الأمر صعباً كما أظن، لقد فعلت ذلك الآن» «حسناً أيها الأديب! ما أودُّ قوله فيما يتعلّق بخيبة أملك، وتبديد طموحاتك، وسعيك إلى الانتحار، هو أن الشر أزلي فلقد خلق الله الإنسان وخلق الشيطان، خلق حوّاء وخلق الأفعى، خلق «قابيل» وخلق «هابيل» من ضمن ما خلق، إنّه سرّه وإحدى معجزاته يا مولاي، عفواً أيها الأديب لقمان!» «أي سرٍ هذا وأية معجزة أيها الملك؟ إذا كان الله يعرف أن الشيطان سيضلل الإنسان، فلماذا خلقه؟ وإذا خلقه دون أن يعرف ما الذي سيفعله، فلماذا جعله يقوم بأفعاله البغيضة؟ لماذا لم يردعه؟ لماذا لم يقتله بعد فعلته الأولى؟ وإذا كان يعرف أن «قابيل» سيقتل «هابيل» فلماذا خلقه أيضاً، وإذا لم يكن يعرف حين خلقه، فلماذا أتاح له أن يقتل أخاه؟! قل لي أيها الملك؟» «إنه سرّه. سرّه أيها الأديب لقمان» «سرّه أن يكون خيراً وشراً في آن واحد؟ ما هي الحكمة في ذلك؟ سرّه أيضاً أن ينزل كلَّ هذا العذاب بأيوب لمجرّد أن يختبر إيمانه، وليقنع الشيطان بهذا الإيمان؟! هل أغواه الشيطان هو أيضاً حتى أتاح له أن ينزل كل هذا العذاب الفظيع بأيّوب؟ أي إله هذا الذي لا يعرف مدى إيمان إنسان خلقه إلاّ بهذه الطريقة البشعة؟! من الأفضل لك أيها الملك أن تعرف أنه سرّنا نحن معشر الإنس، وإن شئت الإنس والجن، الذين أوجدوا الله والشيطان، قابيل وهابيل، آدم والأفعى، الخير والشر!» «مولاي أرجوك!» «ها أنت تعود لمخاطبتي «مولاي» أيها الملك» «إن من يجرؤ على طرح هذه التساؤلات الكبيرة والإجابات الخطيرة لا يكون إلا إلهاً أو نبياً يا مولاي!» «ولماذا لا يكون أديباً أو عالماً أو فيلسوفاً أيها الملك؟» «لأن هؤلاء لا يرقون إلى مرتبة الآلهة والأنبياء يا مولاي» «ولماذا لا يرقون؟» «هذا ما عرفته في عهد ما قبل سجني يا مولاي» «عهد ما قبل سجنك؟ لعلّك تتحدث عن آلهة ما قبل سجنك؟ ولعلّك كنت تعبد الآلهة عشتاروت أو عِناة أو بعل أو إيل؟» «أجل، لقد عبدت هؤلاء جميعاً وعبدت غيرهم يا مولاي» «من عبدت أيها الملك؟» «عبدت الشمس والقمر والزهرة يا مولاي، وعبدت الإله «آبسو» قبل أن يقتله أولاده، وعبدت «تيامه» ومردوخ وعشتار، وآنو وإنانا وإنليل، وجلجامش ورع وأوزيريس وإيزيس وحورس، وعبدت كثيرين غيرهم يا مولاي، إلى أن جاء سُليمان وجعلني أترك الجميع حتى «إيل»، وأتبع «يهوه» إلى أن ترك هو عبادته ولم يعد يسأل عن معبودي!» «حتى يهوه عبدته أيها الملك؟» «أجل يا مولاي» «وهل ترك سليمان عبادة يهوه حقاً أيها الملك؟» «أجل يا مولاي. لقد انحاز إلى عبادة البعل والعشتاروت وإيل وغيرهم من آلهة الفلسطينيين والصيدونيين والسبأيين والمصريين والبابليين» «عجيب أمرك أنت وسليمان أيها الملك، فأنتما كأجدادنا كُلّما أتاهم أحد بإله جديد آمنوا به. ما رأيك أننا الآن في كوكب الأرض نكفر بكل هؤلاء الآلهة، الذين جاؤوا في ذلك الزمن، ولا نؤمن بأي منهم، ما عدا «يهوه» فهناك بعض من يؤمنون به!» «هل أصبحتم جميعاً غير مؤمنين يا مولاي؟» «بالعكس إن آلاف الملايين منا ما يزالون مؤمنين» «بمن يا مولاي؟» «ببعض الآلهة والأنبياء الذين جاءوا بعد زمنك أيها الملك أو ببعض الأديان والفلسفات» «وهل جاء آلهة وديانات أخرى يا مولاي؟» «أكثر مما تتخيل من الآلهة والأنبياء والفلاسفة الدينيون والطّوائف، وما إلى ذلك، ففي الهند مثلاً جاء الهندوس بـ «براهما» و«فشنو» و«شيفا» والبوذيون بـ «سد هارتا جوتاما الملقب بوذا» والجينيّون بـ «مهاويرا» وفي الصين جاء الطاويّون بـ «لوتس» و«كونفوشيوس» و«شوانغ تسو» وفي بلاد الفرس جاء الزرادشتيون بـ «زرادشت» وفي اليونان جاؤوا بآلهة أكثر من أعدها لك، منها «أورانوس، غايا، زيوس، كرونوس، هيرا، هادس، ديمتر، وأفروديت» والرومان كذلك والعديد من شعوب العالم، جاؤوا بآلهة كثيرة. أما عندنا، فجاء الصابئة المندائيّون واللات والعزّى وهُبل ومناة وإساف ونائلة والعشرات غيرهم، وجاء يسوع المسيح، والمانويّون والأحناف، ثم جاء النبي محمد الذي أتى بالدين الإسلامي، وتوقّف ظهور الديانات أو قلّ منذ ذلك الزمن، فقد تعددت الطوائف والمذاهب والأديان، حتى تحوّل بعضنا إلى تقديس الشيطان نفسه واعتبروه صنواً للإله، بل وادّعوا أنه هو من خلق الإنسان وليس الله!» «ولماذا توقف أو قلَّ ظهور الآلهة والأنبياء يا مولاي؟» «لأن محمد كان من الذكاء والعبقرية بحيث سما بالدين الإسلامي إلى مكانة يستحيل أن يرقى إليها أي دين آخر سماوي. لقد جرّد مفهوم الإله إلى أبعد حدود المطلق، حين جعله موجوداً في كل زمان ومكان، فهل ثمة ما هو أعظم منه. وهل يمكن أن يأتي أحد بمن هو أعظم منه؟!» «لا أظن يا مولاي، وإن كنت لا أفهم في المُطلق! لكني فهمت معنى أن يكون هذا الإله موجوداً في كل زمان ومكان، لهذا هو عظيم. الآلهة الذين عرفتهم لم يكونوا بعظمته. لكن ماذا يعبد العالم اليوم يا مولاي؟» «هناك ديانات كثيرة أيها الملك، لكن أشهرها وأكثرها انتشاراً، المسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية والطاويّة والكونفوشيوسيّة. وثمة ملايين وربما عشرات أو مئات الآلاف فقط من العلمانيين أو المتنورين بعض الشيء أمثالي. لا يؤمنون بأي من هذه الديانات، إلا بقدر ما هي تصوّرات للبشر أنفسهم عن الوجود، ويعتبرون في نظر المتديّنين زنادقة وملحدين!» «وأنا يا مولاي، ما وضعي الآن بين هذه الديانات كُلّها وبين المتنورين؟» «سؤالك وجيه أيها الملك، لكن الشمس حميت، وأنا عطشت وجعت وشوّبت، وأريد أن أنتحر، والقبر الذي حفرته لنفسي بنيت عليه ضريحاً وقبّة لمحبوبتك، لذلك سأطلب إليك أن تحفر لي قبراً بدلاً منه» «مولاي! سأفعل لك ما لم يفعله ملائكي أو جنيٌّ وربما إله لبشر، ولن أدعك تنتحر حتى لو اضطررت للعودة إلى سجني!» وحرك ملك الملوك شمنهور الجبّار يده في الهواء وإذا بالمكان يتحوّل إلى روضة من الجنان، انبثقت منها مئات الأشجار المثمرة والنباتات المختلفة، والورود والزهور الجميلة. وتخللتها ينابيع، يجري فيها ماء كالسلسبيل، وعمت أرجاءها نوافير من الذّهب، ترشّ الماء رذاذاً في الاتجاهات كُلّها، وعرّشت فوقها أقواس قزح، وظللتها غيمة زرقاء نديّة، وفرشت ممراتها بالسجاد والديباج، وأفردت فيها أرائك مجللة بالحرير الموشّى بخيوط الذهب، وامتدت في منتصفها مائدة بأطيب المأكولات، في أوانٍ من الذهب الخالص، كان بينها ظباء محمّرة وفراخ بط مقمّرة وخراف مشويّة وجديان مقليّة، وفروّج محشو بالأرز والصنوبر واللوز، وطيور حجل، وفراخ حمام، وسمك وإقريدس وسلطات من كل أنواع الخضار، وفواكه لا يوجد مثلها إلا في الجنان العادنة، وخمور لذيذة معتّقة من زمن سليمان. وقد أحاطت المائدة عشر فتيات حوريّات من بنات ملوك الجان، كأنّهن ملائكيّات أو من حور العين يرتدين ثياباً من الحرير الأحمر الشّفاف، ويتزينّ بأجمل الجواهر، وقد أطلقن شعورهن على ظهورهن، وكنّ دارعات الصّدور، ضامرات الخصور، ممتلئات الأرداف، ممتشقات القوام، منتصبات السيقان، بعيون سود وخضر وزرق مكحّلة، بأجمل الألوان مشكّلة، خدودهن مورّدة، وأنوفهن من أجمل ما أبدع الخالق منضّدة. وشفاههن حمر كشقائق النّعمان، وأعناقهن كرقاب الغزلان، ونهودهن جامحة كذكور اليمام، وأصابع أيديهن كأعواد الغيصلان أو قضبان الخيزران، وأظفارهن تُبرق كاللؤلؤ مخضّبة بالمرجان، سبحان الخالق الديّان، وقد تضوّعت منهن رائحة العطور النّفاذة بالعنبر، من عبقت في أنفه قال الله أكبر! فيا سعد من حواهن، وإلى صدره ضمّهن وألقاهن. ينسى أمه وأباه، وأيّام شقاه، والبيت الذي ربّاه، والبلد الذي حواه، وحتّى من خلقه وسوّاه!. بدا الأديب لقمان كأنه في حلم، إذ ليس من المعقول أن تأتي الجنة إليه بهذه السهولة. كان يقف في غاية الدهشة حين خاطبه ملك الملوك: «تفضل يا مولاي، يسرّني أن تكون ضيفاً على أوّل مائدة لي بعد ثلاثة آلاف عام من السجن. آخر مائدة لي كانت مع الغالية عستارت، وهي المائدة التي أودت بي إلى السجن وبعستارت إلى الموت، فقد كان جواسيس سُليمان لنا بالمرصاد» «هل تحاول إغوائي كي أكفّ عن الانتحار أيها الملك؟» «أظنّ أن محاولة إغوائك ستكون أكبر من أن تتخيّلها يا مولاي فيما لو أردت ذلك!» «وهل ثمة ما هو مُغوٍ أكثر مما أرى؟» «هذا لا شيء يا مولاي!» وتقدّمت فتاتان يخلب جمالهما العقول. فقدّمهما ملك الملوك للأديب لقمان: «الأميرة الحورية «نور السماء» أجمل جميلات الجن من بين الحوريّات، وابنة أكبر ملوك الجن من بعدي الملك «حامينار» العظيم» وأشار إلى الفتاة الثانية وتابع: .. والأميرة «ظل القمر» ابنة ثاني أكبر ملوك الجن، يمكن أن تعتبرهما خليلتيك وتفعل بهما ما تشاء يا مولاي، فهما في خدمتك وتحت أمرك، وإن شئت غيرهما من هؤلاء أو من غيرهن جلبت لك» «أشكرك، تكفيني الأميرة «نور السماء» وحدها، فمن يحوز على هذا الجمال الخارق قد يستحيل عليه أن يفكر في غيره، وإن كنت أرى فيه ما يمكن أن يغويني ويثنيني عن الانتحار!» «آمل ذلك يا مولاي» وهتفت الأميرة نور السماء: «شكراً لمولاي لهذا الإطراء الذي لم أسمع أجمل منه وآمل أن يتوّج بثني مولاي عن الانتحار» «حتى لو انتحرت أيّتها الأميرة، سأنتحر سعيداً لأنني حظيت بمشاهدة جمال مثل جمالك قبل انتحاري» فقاطعهما ملك الملوك طالباً إليهما الجلوس واستئناف الحديث. أخذ الأديب لقمان والأميرة «نور السماء» مجلسيهما إلى المائدة، فيما جلس الملك شمنهور والأميرة «ظل القمر» في مواجهتهما. كانت فتاتان تقفان خلف كل اثنين للخدمة فيما توزّعت باقي الفتيات على المائدة. مالت الأميرة نور السماء برأسها نحو الأديب لقمان وهمست بصوت عذب، أحس به يدغدغ مسامات جسده: «ماذا يرغب مولاي؟» التفت الأديب لقمان إليها فغدا وجهه قريباً من وجهها، وشعر بالحياة تدعوه إليها بكل جبروتها، همس بصوت خفيف: «أرغب أن تكوني مليكة قلبي، بل وملكة الأرض كُلها، وأكون أنا حارسك!» ندّت شفتاها عن ابتسامة لم ير الأديب أجمل منها في حياته: «شكراً للطفك يا مولاي. هل تفضل الخمر أم عصير الفواكه أم حليب الظّباء، قبل تناول الطعام؟» «هل قلتِ حليب الظباء؟» «أجل يا مولاي» «أنا لم أذقه في حياتي، ومع ذلك سأجرّب، ولا مانع بكأس من عصير البرتقال أيضاً» «أمر مولاي» مدّت الأميرة نور السماء يدها إلى إبريق ذهبي، غير أن إحدى الفتاتين الواقفتين سارعت إلى أخذ الإبريق فيما راحت الأخرى تقدّم عصير البرتقال. تذوّق الأديب لقمان الحليب بتناول رشفة صغيرة، وحين وجد أنه أطيب من أي خمر، رفع الكأس إلى فمه وراح يتجرعها إلى أن أنهاها. أحسّ بحاجة ماسّة إلى سيجارة. التفت إلى نور السماء ليجد أنها تنتظر أوامره: «نفذت سجائري منذ الصّباح، هل لي بسيجارة أيتها الأميرة؟» «أي نوع تفضّل يا مولاي؟» «ماذا لديك؟» «كل أنواع السّجاير والسيجار يا مولاي» «هل لديك سيجار «هافانا» مثلاً؟» |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
تتمة الفصل الأول |||||||| ||||||| |||||| ||||| |||| ||| || يتبع الفصل الثاني |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||
|
(2) |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | |||
|
«طبعاً أيها الملك، انزعه. وليسرِ عليهم ما يسري على الجميع، هل تريد الناس إذا ما عرفوا أن يقولوا أنّ الأديب لقمان فضّل أبناء قومه على الآخرين، ثمّ لا تخف عليهم إنهم يجيدون استخدام الحجارة إذا ما اضطروا إلى الدّفاع عن أنفسهم، على أية حال تصالحت فئة منهم مع اليهود ويبدو أنهم سيتصالحون جميعاً معهم، كما تصالحوا من قبل في عهد سليمان» |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | |||
|
«لا بأس بهذه المقصورة يا مولاي، آمل أن تكون الرّحلة مريحة» |||||||| ||||||| |||||| ||||| |||| ||| || صعود إلى الفضاء انطلقت المركبة في اتجاه شبه عمودي إلى أعلى. تساءل الأديب لقمان عمّا إذا كانت المركبة مرئية أيضاً من قبل البشر، فأجابته الأميرة نور السماء أنها مرئية وأنه ليس في مقدورهم حجبها عن الأنظار، فتخوّف من أن تطلق دولة ما صاروخاً عليها مما لم يتم نزعه بعد، فسال ملك الملوك: «هل فرغت الجيوش من نزع الأسلحة ووضع الأخرى تحت السيطرة أيها الملك؟» «أجل يا مولاي، وعادت معظم الجيوش إلى قواعدها» «ألم تُرق أيّة دماء أيها الملك؟» «ولا نقطة يا مولاي» «أحسنت، وأحسنت جيوشك العظيمة أيّها الملك» ارتفعت المركبة عالياً، كان واضحاً أن الرائد ينطلق ببطء. أخذ الأديب لقمان ينظر عبر النافذة ويرقب الأرض، فوجئ بمنظار ينتصب أمام عينيه. بدت له القدس وكأنه يرقبها من أعلى قمم جبل الزيتون، مرّت في مخيّلته لمحات سريعة من ذكريات طفولته وصباه في شوارعها. شعر أنّه سيبكي فهرب مارّاً بجبل المنطار حيث أيّام الرّعي والفداء فيما بعد! استقر قليلاً يرقب عمّان، وما لبث أن أشاح نظراته إلى دمشق. قفزت صورة ابنته وابنه وزوجته إلى مخيّلته، تبعتها صور بعض الأصدقاء والذكريات، ولم يتنبّه لنفسه إلا والدموع تغرورق في عينيه، وحين هتفت الأميرة نور السّماء قائلة: «أنت تبكي يا مولاي؟» أجهش بالبكاء، ولم يعد ينظر عبر النافذة. أخرجت الأميرة نور السماء منديلها وراحت تمسح دموعه، فيما ملك الملوك يهتف متسائلاً: «ألم تقل أنّهم أذاقوك الأمرّين وأنّهم أفسِدوا يا مولاي، فلِمَ تذرف الدمع عليهم؟!» «لا أعرف أيها الملك، نادرة هي الأيام التي لم أذرف فيها الدّموع، ولأبسط المسائل، فما بالك وأنا أغادر مَن سيظلّون أهلي وأقاربي وأصدقائي وأبناء موطني وكوكبي مهما فعلوا، ويبدو أنني عاجز عن كرههم، بل لا سبيل إلى نزع محبتهم من قلبي، ثمّ كيف أنسى الأرض التي ولدت وترعرعت بين أحضانها، في سهولها ووديانها، في جبالها وهضابها، وفي تلالها وروابيها؟!! أَوعِزا إلى رائد المركبة أن يسرع، يبدو أنني لا أستطيع النظر إلى الأرض دون أن أبكي» انتقلت الأميرة نور السماء إلى جانبه وضمّته إلى حُضنها كطفل، فأخذ يديها وقبّلهما. اندفعت المركبة بسرعة هائلة ثمّ أبطأت لينطلق صوت الرائد يرطن بالعربيّة المشوبة بالجنيّة: «إذا شئت أن تلقي نظرة على القمر يا مولاي فنحن الآن في مداره» «هل بلغنا القمر أيتها الأميرة؟» «نعم يا مولاي، ولو لم يبطئ الرائد لكنّا الآن في مدار الزهرة!» ألقى الأديب لقمان نظرة على القمر، كانت الأسلحة تنتظم في صفوف هائلة الطول والعرض. وكادت أن تغطّي سطح القمر، وقد وضع كلّ نوع على حدة. تساءل ملك الملوك وهو ينظر من نافذة أيضاً: «لم أكن أتصوّر أن لديكم كل هذه الأسلحة يا مولاي، سلاحنا كان بسيطاً في عهد سليمان» «أين أنت وأين سليمان أيّها الملك، فنحن الآن في عهد زنّيم» وأشار إليهم لمتابعة الانطلاق نحو الزُّهرة. ندّت حركة ما في المركبة، فاندفعت بسرعة هائلة. وبدلاً من الإحساس بهذه السرعة، شعر الأديب لقمان بعد لحظات وكأن المركبة توقفت، حاول طرد بعض التساؤلات من مخيّلته فلم يُفلح، فراح يستجمع معلوماته البسيطة عن الكون والسرعة وقوانين الجاذبيّة وما إلى ذلك، ليجد نفسه يغرق في متاهة لن يخرج منها عاقلاً. فقرر تناسي كل شيء والاستسلام للأقدار الجنيّة! بل إنه أقسم في نفسه ألا يتساءل حتى لو رأى نفسه يتناول طعام الغداء في أتون الشمس دون أن يحترق، أو يرى نفسه يسير بخطىً ثابتة على كوكب ما، مع أنّه غدا بوزن الريشة. ألقى يده فوق يد الأميرة نور السماء وحاول أن يغفو بعض الوقت. لم يكد يغفو حتّى هاجمته الأحلام الفظيعة. رأى سكّان الأرض يُغزون من قبل قوة كونية جبّارة مسلّحة بأسلحة فتاكة ولا يجدون السلاح للدفاع عن أنفسهم. صواريخ عملاقة تدكّ عواصم العالم لتحيلها إلى ركام. استيقظ مذعوراً حين كانت باريس تدمرّ على مرأى منه. نظر إلى جانبه، يده ما تزال مُلقاة على يد الأميرة نور السماء، والملك شمنهور يجلس على مائدته يداعب بعض الجنيّات فيما أخريات يُدللنه ويتراقصن من حوله. «ما بك يا مولاي؟» «يبدو أنّه لا سبيل إلى النوم أيّتها الأميرة، ويبدو أنني اتخذت قراراً أحمق بنزع أسلحة دول الأرض ووضع القواعد تحت سلطة الجن. أليس في ميسوري الاتصال بالأرض أو مشاهدتها لمعرفة ما يجري؟» «سأنقل رغبتكم إلى قائد المركبة يا مولاي» وأخذت جهازاً صغيراً راحت تخاطب عبره قائد المركبة. «إنه يحاول يا مولاي» أخذت بعض السّتائر المعلقة على جدارن المقصورة تنفتح يُمنة ويسرة أو إلى أعلى، لتبدو عشرات الأجهزة والكاميرات المبثوثة في الجدران، وشاشة شبه تلفزيونية في مواجهته. ظهرت بعض الصّور المختلفة لكوكب الأرض على الشاشة. انطلق صوت قائد المركبة: «استطعنا السيطرة على كافة محطّات البث التلفزيوني في كوكب الأرض، ليأمُر مولاي، ماذا يُريد أن يرى؟» «أرني موسكو أيها القائد» «هاهي موسكو يا مولاي!» ظهرت موسكو على الشاشة ببعض شوارعها وأحيائها: هاهي الساحة الحمراء، الكرملين، البولشوي، المتحف، جامعة موسكو، شارع جوركي، الناس يتجوّلون وليس ثمة ما يشير إلى وجود حرب. مرّت في مخيّلة الأديب لقمان بعض صور ذكرياته الجميلة في المدينة. «حسناً فعلت أيها الرائد، أرني باريس ولندن وبكّين وواشنطن ونيويورك ودلهي ودمشق وبيروت وبغداد وطهران والقدس!» راحت صور العواصم تظهر على التوالي، لم يبدُ هُناك ما يعكّر صفوها، اطمأن الأديب لقمان وهو يحاول إقناع نفسه أنه حمَّل حُلمه ما لم يكن وارداً أن يحدث، وأنه مجرّد حلم عابر لا غير. كانت صور المدن والعواصم ما تزال تتوالى بمرافقة عزف أجش على الناي! أبدى الأديب لقمان رغبته إلى الأميرة نور السماء في أن تقوم ببث رسالة إلى أبناء كوكب الأرض، فأبدت حماسها وسرورها، غير أن الأديب لقمان طلب أن تبث الكلمة إلى الشّعوب عبر أجهزة التلفاز والراديو حسب لغة كل شعب وفي آن واحد، ولم يكن قادراً على تنفيذ هذه المهمة المعقدة إلا ملك الملوك، الذي كان قد حمل نساءَ ه ودخل بهن إلى مقصورة في المركبة كي يبتعد عن أعين الأديب لقمان والأميرة نور السماء. خاطبته الأميرة بالتخاطر الجنيّ طالبة إليه الحضور، فقدم على الفور شبه عارٍ: «اعذرني يا مولاي، ثلاثة آلاف عام، لا أراك الله عذابات سجني، الحياة دون نساء الجن والإنس لا تطاق، أليس كذلك يا مولاي؟» «لا أعرف أيها الملك، فأنا لم أعرف نساء الجن بعد، أما نساء الإنس فكنت أمضي أعواماً في بعض سنيّ عُمري دون أن أتمكّن من مواصلة إحداهن، ومع ذلك كنت أحتمل الحياة، وإن شعرت أنه يتاح للحيوانات أن تمارس حقّها الكامل فيها بشكل استحال عليّ أن أرقى إليه، ثمّ إنني الآن في أمر البشريّة ولست في أمر النساء» «مُرني يا مولاي» «سخّر لي طاقاتك الجبّارة لنقل كلمة إلى البشرية بكل لغات العالم في آن واحد» صمت ملك الملوك لحظة هو يفرك عينيه ويهرش رأسه وما لبث أن هتف: «لا أعرف كيف يمكن أن يتم هذا، ولا أعرف كيف يخطر على بال مولاي مثل هذه الطلبات المعقدة، ولا أعرف أيضاً لماذا يقلقه مصير البشرية بهذا القدر. نفّذت أمرك يا مولاي يمكنك مخاطبة بشريّتك بكل لغاتها الحيّة، هل أستطيع العودة إلى فتياتي يا مولاي، تركتهن كما خلقهن الله، إنها المرة الأولى في الفضاء الخارجي وبعد..» «وبعد ثلاثة آلاف عام، لقد عرفت ذلك أيّها الملك» «وقد لا تتكرر يا مولاي!» راح الأديب لقمان يضحك من طرافة ملك الملوك ولا مبالاته العجيبة، والبساطة الشديدة التي يحقق بها المعجزات التي يطلبها منه، حتى ليبدو عليه وكأنه لم يفعل شيئاً، أو لم يطلب شيئاً من أحد. هتفت الأميرة نور السماء: «لقد دخلنا مدار الزهرة يا مولاي، هل نهبط على الكوكب أم ندور حوله؟» « لنبق في الفضاء إلى أن نوجّه الرسالة، ليخفف السرعة» «أشرت إليه يا مولاي» «حسناً أيتها الأميرة، ستظهرين وحدك على شاشة التلفاز وتوجهين الرسالة التي سأنقلها لك» «ليكن يا مولاي» وراح ينقّلها ما ستقوله، ليجد أنها حفظت كل جملة بمجرّد انتهائه منها، وحفظت الرسالة كُلّها قبل الظهور على الشاشة. سُلطَت إحدى الكاميرات عليها. اختفت صور مدن الأرض عن الشاشة لتظهر صورتها، ابتسمت بمودّة، وظلّت صامتة للحظة فيما ابتسامتها تحلّق عبر الشاشة لتضفي عليها روعة أخّاذة. نطقت بصوت عذب: «أعزاؤنا أبناء كوكب الأرض. بالسلام نحييكم وبالمحبّة نلقاكم، وبالأمل المشرق نطلُّ عليكم ونمدُّ أيدينا بالورود لكم. نحن رسل الخلاص البشري. رسل المحبّة والسلام. رسم المعذّبين واليائسين، رسل البائسين والمشرّدين والفقراء والجوعى. رسل الثكلى والحزانى والأيتام والمرضى، رسل الحق والحرية والعدالة، رسل الطامحين إلى المحبّة والسلام بين بني البشر، رسل الباحثين عن الخلود الإنساني، رسل رافعي ناموس العلم والمعرفة، رسل محبّي الحياة، رسل الساعين إلى الجمال الأسمى، رسل الطامحين إلى الكمال، رسل الهادفين إلى وحدة البشر على كوكب الأرض، رسل المكدّين للرقي بمكانة الإنسان. أيها الأعزاء.. نحن لسنا آلهة ولسنا أنبياء، نحن بشر مثلكم، شاءَت الظروف أن نفوقكم علماً ومعرفة، ومعذرة إذا ما اضطررنا مرغمين إلى السيطرة على أجهزة بثّكم الإذاعية والتلفزيونية لبضع دقائق كي نبلّغ رسالتنا لكم. ويسرّنا أيها الأحبة أن نعلن لكم بدء عصر جديد هذا اليوم، بعد أن قامت قوّاتنا الخفيّة بنزع سلاح دول الأرض كافة ونقلته إلى القمر. ووضعت محطّات وقواعد أسلحة الدَّمار الشامل وجميع مصانع السلاح تحت سيطرتها، دون أن تريق نقطة دمٍ واحدة من دماء أبناء الأرض الأعزاء. لقد ولّى عهد الرّصاصة أيها الأحبّة وجاء عهد الكلمة، فتحاوروا وتناقشوا، وتشاجروا بالكلمة إن شئتم، وليكن شعاركم المحبة، ونبذ الكره ووأد الفساد وإصلاح النّفس، ولتكن غايتكم الرّقي بالعدالة الإنسانية ونشدان المعرفة وتطوير العلوم. استمعوا إلى العُظماء من الأدباء فيكم، والعلماء بينكم، والفلاسفة منكم، ولا تأخذوا كثيراً برأي الحكام والكهنة والطّوائف والأحزاب، وأصحاب رؤوس الأموال، فهم في الغالب ليسوا على حق. إننا إذ نودّعكم أيّها الأحبة على أمل اللقاء بكم، لن ندعوكم إلا إلى ما دعاكم إليه العظماء من آلهتكم ورسلكم وأنبيائكم وقادتكم ومصلحيكم من قبل، فأحبّوا بعضكم، أحبّوا بعضكم، ومعذرة مرّة أخرى لاضطرارنا إلى استغلال أجهزتكم ومحطّاتكم. بالمحبّة لاقيناكم.. وبالمحبّة نودّعكم.. » أحبّتكم: رسل الخلاص! يتبع |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 6 | |||
|
وأشار الأديب لقمان بيده، فاختفت صورة الأميرة نور السماء من على الشاشة وألغيت السيطرة ليعود البثّ الأرضي العادي. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 7 | |||
|
الرواية طويلة جدا . |
|||
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| قصص للأطفال | د.طارق البكري | منتدى الأسرة والمرأة والطفل | 2 | 12-03-2007 02:18 AM |
| ثالث اثنين الميكانو و فلسفة ؟! | سرمد السرمدي | منتدى القصة القصيرة | 0 | 13-02-2006 11:06 PM |
| نحو السهل الممتنع في فلسفة الفعل ! | سرمد السرمدي | منتدى القصة القصيرة | 0 | 13-02-2006 10:57 PM |