رنين
تتأمل ملامحها القاتمة, وجسدها الضئيل, وهي تتجول في أركان بيتها ! تفكر بأسى كيف ستحتمل وجودها عامين كاملين؟! كيف ستربض على روحها كيس ملح ثقيل؟! تصورت الأمور ميسرة بوجودها, ,لكنها تكاد تنفجر غيظاً وهي تراها تمسك بذراع طفلها وتحادثه بلهجتها المكسرة (لأ... هبيبي! لا انكسر!)
"الله يكسرك يا البعيدة» لا! ينبغي أن تعاملها بلين وحذر! فهي ستكون أما لأولادها في غيابها! «اللعنة على الوظيفة وعلى قعدة البيت! ما هذه الحياة!».
رنين الهاتف، يأتيها صوت نسائي آت بعد غياب... تقول متعجبة بعتاب مبطن: «وكيف تذكرتني؟!.
لكن الصوت يتجاهل عتبها ويباغتها بسؤال مندفع: «وكيف الشغالة؟! إيه نيّالك! يا للا يختي حطي رجل على رجل! أنا آتية لزيارتك اليوم! لا ! لا تحكي انك مشغولة!...».
تغلق السماعة بغيظ ، كانت تخطط للخروج مساء، لا بأس، آداب اللياقة تقتضي عدم صد زيارة!
يرن الهاتف مجدداً...
«وكيف الشغالة؟! ... كم التكلفة؟ ! والإقامة؟! وما دبرت إعفاء؟ ارتحت من الحضانات وشعتلة الأولاد...!» تقطع فيض التساؤلات بغيظ حقيقي وهي تقول: «اسألي عن أحوالي أنا والأولاد!!».
تتأفف بسأم, تنادي طفلها فلا تسمع رداً ترفع صوتها، تنتظر سماع رده، لكن صوتاً غريباً يصلها من بعيد «نامات! ... مدام!».
تنفجر بلا مقدمات وهي تبحث بسرعة عنها، ومتى سيعود لينام ليلاً؟!... وكيف ينام الآن.. يا ويلي! هل دسّت له مخدراً لترتاح؟! هل أجبرته.. . أرهبته بشيء؟!
تتأمل براعم خوف وعدم فهم تتشكل في نظرتها وهي تتسمر أمامها بتساؤل وانتظار، «لم تفهم شيئاً مما قلت ربما؟!» تغمرها شفقة مباغته «يا حسرتي عليك! تاركة أولادك حتى تربي أولاد الناس! وأنا اتركهم للوظيفة - يلعن أبو المصاري!!.
يرن الهاتف مجدداً «اللعنة على النساء! كل أحاديثهن تتمحور حول الشغالة!» تتركه يرن.. تذهب لسرير طفلها الغارق في نومه، نجده بلا غطاء! «ثمة تفاصيل صغيرة لا تتقنها غير الأم!» تهمس لنفسها ! تنزع حذاءه وجواربه المتعرقة وتحضنه وتدس جسدها جانبه ... هكذا هي متعبة حد القلق وقلقة حد التعب!
وجه الخادمة يقرعها... لكم تخافها! تخاف الإنسان المذبوح داخلها أن يستفيق... منتقماً!!
«لكم أخاف عليك! ماذا لو أرهبتك؟! ماذا لو...».
الهواجس تتكالب عليها تحاول أن تنام لكن الرنين يمنعها .. وهو يتواتر ملحاحاً مندفعاً من ... داخلها!