باب الصفيح
دجاجات الحارة ، يقأقئن، ينبشن التراب، بحثا عن بقايا حبوب، تركتها غرابيل النسوة ، وثمة ديك، يخرج مزهوا ، من زقاق خرب، ترك لتوه، كيسا من الزبالة، عزقته أم أحمد بالأمس، عُرفَهُ الأحمر ، يرتخي بدلال على صدغه الأيمن، وقف وسط الدجاجات، كقائد كتيبة، يتأهب لإعطاء الأوامر، تفحصهن لبرهة، ومضى دون جلبة، كأن لا واحدة منهن، تستطيع أن تهدر طاقة، تولدت لديه بعد شبع..! زينب، تخرج من باب دارها، تتمطى بأنوثة نضجه، في يدها مقشة من عيدان الذرة،انكبت بها على الفناء، تكنسه، بلا هوادة. في هذه الأثناء، كانت الشمس، كعروس في صبحها، ترخي جدائلها على أكتاف القرية الناعسة،وتلامس برفق أعشابا خضراء، نمت بوفرة على أسطح المنازل القديمة، وعلى جنبات الدروب. ثمة دُوريات ، صفقن بأجنحتهن غضبا ، حينما اعتلى غبار المقشة جو الفناء..واتجهن إلى حوض بئر قريبة، فاض ماءها، وانساب سيلها اللامع، نحو زيق ترابي . حينما وصلت الشمس الفناء، دندنت زينب: " طلعت يا محلا نورها شمس الشموسي... " ثم ما لبثت أن صمتت ، حينما رفعت ظهرها عن الأرض، ورأت ذلك البيت ، بباب الصفيح ، الموصد على فواجع ألمت بأهله!
هي تذكر تلك الأحداث ، تماما كما لو أنها أمام عينيها ، وإن كان ذالك قبل خمسة أعوام، بل سكان القرية بكاملها، يذكرون ما حدث، وبعضهم يُنحسون من رؤية باب الصفيح، بمساميره الصدئة. كان هذا البيت فيما مضى يضم بين حيطانه الدافئة، أسرة إبراهيم البرزي( زوجة وتوأمين، وأبويه ) كان ذلك فيما مضى، قبل ليلة ربيعية، يظهر فيها القمر خجلا لسبب ما! كان قبل أن تحطم قوة إسرائيلية بابه المصنوع من خشب الصنوبر..وتعتقل إبراهيم البرزي، وتحطم موجوداته البسيطة ! في تلك الليلة وقعت لمبة الكاز من مكانها، وكادت تحرق التوأمين . "لولا ستر الله ، لراح الطفلين " تمتمت إحدى النساء لأخرى ، لم يُتح لها الدخول إلى البيت . وقالت ثالثة بنفس قوي " يكسر جاههم هالكفرة، ما بيعرفوا الله .. " . ظل حشد من الناس يواسون الأسرة حتى الفجر .. " كان إبراهيم عمود البيت" تقول الأم باكية لأهل الحارة .
في الصباح ، ذهب الأب الأكبر، إلى المدينة ، ذهب على حماره الهرئ، ليشتري لوحين من الصفيح ، ليصلح الخراب الذي لحق بالباب، وقد كلفه ذالك واحد من الدنانير الثلاثة التي كانت تحتفظ بها زوجة إبراهيم !.
اعتقال إبراهيم البرزي، كان بمثابة كارثة لأهل البيت، وعلى نحو آخر، نستطيع القول بأن الأسرة وقعت تحت وطأة الفقر والعوز. وحينما كانت الأسرة تبكي على ما حل بها، ظل الختيار على مدار أسبوع كامل يصلح خراب الباب وهو في حالة صمت غريب! حلت عليه، بعد اعتقال ولده بيوم.وكان مكابرا، لدرجة عدم السماح لأحد بمساعدته حتى في إصلاح خراب الباب!ولا يسمح بدخول أي شيء من بيوت الجيران ، من طعام وخلافه، كأنه كان يرى كرامته بذلك تهان، حتى وإن نفقت الدنانير.لذلك كانت زوجة إبراهيم تطأ حقول القمح المحصودة، فتلم القش منها، وتنسج منه الصواني والسلال وتبيعها لأهل القرية، أهل القرية يشترون دائما منها، وعلى الأغلب بدافع العطف على حالهم، الختيار يعرف ذلك ، لكنه كان يعزو الأمر لكدٍ تبديه زوجة ابنه في العمل، وهذا بالنسبة له أشرف بكثير من المعونات الخيرية!
بهذا سار حال الأسرة نحو التقدم، والتعامل مع الواقع الجديد،على أنه قدر محتوم ، كما كانت الأم تقول، أو الصمود في وجه العدو، كما كانت تقول الزوجة. وما إن اعتادت الأسرة على غياب إبراهيم، وبعد نصف عام بالتحديد، اجتاح القرية وباء الحصبة ، وحلت إحدى لعناته، على البيت الطيني ، إذ أصيب التوأمين بهذا الداء معا، ولم تنفع الإجراءات البسيطة، التي يتخذها في العادة الناس، والتي هي وقائية أكثر من كونها علاج ، فظل التوأمان حبيسي فراشهما، إذ رفض الختيار بعثهما لحجرة العزل في بيت المختار،حيث يزورها طبيب من المدينة كل أسبوع مرة ! وأحدا لم يعرف السبب من وراء هذا القرار، بل إن أحدا لم يسأله عن ذلك. وبقيا تحت رحمة خرق الماء التي لا يبدو لها جدوى ! حيث في نهاية أسبوع من الإصابة، خرج التوأمان من البيت سويا على الأكف.
في العادة ، يتوقع الناس الموت إثر هذا الوباء، وهم في الغالب مهيئون له..غير أن موت التوأمين كان بمثابة صاعقة برق ، ومضت بغتة على أهل القرية .
ولولت النسوة، ولطمن خدودهن، وثمة من شقت ثوبها . توافد الناس أفواجا على البيت، يهونون قدر استطاعتهم، من مأساة حلت على ساكنيه ،بينما الختيار يقعي بصمته على مسطبة الدار. اليوم ، رحل التوأمان مدورا الوجهين ، بعد أن غسلت الحاجة أمينة بشرتهما الحنطية. كان رحيلهما كفيلا بأن يغرق أمهما في بحر من الدموع، ظل هائجا لمدة شهر، فهما وحيداها ، اللذان نبتا في أحشائها بعد طول عناء، عدا عن أنها استفرغت هما وكدرا عمر كوامنها بعد اعتقال إبراهيم ، غير أن عملية الاستفراغ هذه أخذت منحى لم يتوقعه أحد ، إذ أن بحر عينيها الهادر لم يتوقف إلا حينما لفتها الحاجة أمينة بالكفن..!
فعل فعلته القدر، وظل كضبع سمين، يتربص في الفناء ، ينتظر بذائقة نهمة فريسة جديدة. وليس من باب الرحمة، أن أتى هذه المرة على عيني الختيار، الذي حبس الدمع فيهما ، ليطمر نورهما! بل كأنه يتناول وجباته بتلذذ ! لقد نعت الناس ذالك البيت، بالبيت المنكوب، فما حدث كان أقوى من تخيلهم، وبدا القدر في لحظات ،كالوباء تماما..!
هذا الوباء، لم تطهره دموع النسوة، ولا الدعوات التي انهالت من كل بيت في القرية ، طلبا من الله، رحمة سكان البيت المنكوب..إذ أنه طال الختيارة، وأقعدها في الفراش كسيحة، لمدة عام ، حتى صارت وليمة لأكفان أم أحمد !!
" يا الله، يا مالك الكون، لتكن لك نظرة في الضعفاء من عبادك" قالها مختار القرية حينما نودي بوفاة أم إبراهيم.
البيوت قذفت أصحابها بلا هدى، بوجوه واجمة، وقلوب خاشعة ، وألسنة مستغفرة، وعلى غير العادة، ظل بيت العزاء مفتوحا سبعة أيام! أما الختيار ، فظل هناك ، على المسطبة، غارقا في صمته المديد، الغريب،يأكل هذه المرة مما يأتيه من الجيران وأهل الخير من القرية.ومع تقادم الأيام، انحسر الناس عن خدمته، وأوكلت المهمة إلى زينب ، حيث ظلت قائمة على ذلك دون كلل أو ملل ، ترقب بعنين مندهشتين، الجالس على المسطبة، يأخذ الضمور منه مأخذه، وبدأ ظهره بالانحناء نحو الأرض!والناس ظلوا في حيرة مما يحدث خلف باب الصفيح، منهم من يتساءل ، وآخرون يطلقون لمخيلتهم العنان، في وصفه، حتى صار الأمر كأسطورة!
في هذا الصباح، تذكرت زينب، إبراهيم، تذكرته بأسى يقطع الظهر، هو، من يستحق أن يتساءل الناس عن حاله، ترى يمكن له أن ينسى فجائعه ؟ تساءلت زينب، ودمعة فرت من عينيها.