|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
صوت المؤذن كان قد بعثر قيلولة هذه الظهيرة ، و نثر ما يشبه الدخان الأسود خبر الوفاة عبر مذياع الجامع ، وفاة المنجد العجوز صاحب الأسنان الصلبة كحصى النهر ، و القامة المنحنية ، و الذي استلقى البارحة فقط على الفراش الذي صنعه لنفسه ، و الذي قال عنه بأنه المرقد الأكثر راحة و الموضع الذي يقلك إلى أرق الأماكن .... لأن حشوه من صوف الحملان ذوات الأرواح البريئة و التي تسبح في فضاء الغفوة. كان النوم في هذه الرطوبة و في هذا الحر عملا ً مرهقا ًً ، و ضربا ً من ضروب ِ اليأس . أما الغيبوبة التي تأخذني في أحلام اليقظة ، فإنها تستردني خمسا ً و خمسين خطوة إلى الخلف ، نحو الأمس البعيد ... البعيد كما المدن المجهولة .... و هناك ألاحق أحلامي الملونة مرة أخرى ، أتقافز كمهر ٍ وليد ٍ اللحظة َ ، لا يتعبني قلبي الخافق مثل مجنون ، و لا يرهقني الدم النافر من وجهي ... مزهوا ً بنفسي ، فجميلتي النائمة في سرير القلب ، باحت بأن وجهي قي طلته يدخل البهجة إلى نفسها ، و أن قامتي بلل قمتها الغيم .... فجميلتي الناعسة في وضح الأنوثة ..... تحبني ..... فلأغرق في عمق الغيبوبة ، ما الضير في ذلك !! .. أما هي ، فعلى عتبة الذاكرة أسندت رأسها ... و على درجات السلم المؤدي إلى سطح الدار ... أرسلت شعرها الأسود مع الريح قصيدة أنثى ، فصنعت فضاء ً لا ينمو فيه غير الزنبق و القرنفل و الورد الجوري . الغرفة المجاورة لمدخل الدار ، شباكها يبدو كسجن ٍ صُنع من وهم .. يُغَلقُ بابها على أيقونة و بعض تسابيح و القليل من صور الأجداد ... و كتلة بشرية تغرق في همومها و أحلامها ... تنتظر برقا ً قد تصنعه الغيوم ... في الآخِر ِ من كل تنهيدة . " صباح الخير .. " كنت أهجس .. ثم ألـِج ُ غرفة السجن الوهمي ... ذات التسابيح و سحنات الأجداد المصلوبة على الجدران .. و سرعان ما تثب الكتلة البشرية خارجا ً .. مخلفة ً دفئا ً ناعما ً صنعه وجودها الخاطف .. تختفي في أرجاء المنزل أتحسس حفيف ثوبها وهي تتدبر شأنا ً من شؤون المنزل اليومية . لم أكن قد خبرت ُ النساء ، ولم تكن لدي تجارب معهن ، كنت أكتفي بعلاقات عامة لا سمات لها ... و من النادر جدا ً أن ترقى فوق مستوى الجيرة و القرابة و ما يتبعها من واجبات و فرائض يكون لها طعم الخل . كانت هي من القريبات من عائلة أمي اللواتي كن قد تعدين ما يسمى تقاليد عائلية و كانتً متمردة على أمها وعنايتها الآسرة و المقيدة... وعلى أختها الكبرى التي ما فتئت ترصدها و تحصي عليها خطواتها .. كانت كطائر لا يتقن غير التحليق ... لا قيود تشدها إلى الأرض . على عتبة الذاكرة أراحت كتفها ... و أرسلت شعرها تنهيدة مع الريح ... و على درجات السلم اقتادتني من معصمي بحركة سريعة ، و عند متسع السطح بسطت يدها و قالت حالمة : - أمسك يدي ... أمسكت ُيدها ... كانت من عجينة ... ضئيلة الحجم كعصفور ... أصابعها إذا اجتمعت إلى بعضها كانت تختفي الحدود بينها .. - انظر إلى السماء و هيا بنا ندور ... و ندور ... حتى تزوغ بنا الدنيا ... درنا و دارت السماء بنا و الأرض و أسطح المنازل ... زاغت عيوننا ... و أحسست بنا نطير و نطير ... حتى إذا وصلنا الغيم .... سقطنا ... ثم انتابني إحساس بالتقيؤ و بدأ يغيب و ينمحي ، متخذا ً لون الرماد ... ثم اختفت السماء و الأرض و الأسطح و صارت الأصوات مطاطة ، رنانة لها صدى ً عجيب لكأنه آت ٍ من واد ٍ سحيق ... سحيق ... كنت قبل لحظة السقوط أرغب في قول شيء ... أي شيء ... كأن أصرخ ... " النجدة " أو ... " ابتعدوا عن طريقي ... " أو .. آآآآه ه ه .. آه ٍ كم وددت لو خرج صوتي ... أي صوت حتى لو تجشأت ... تمنيت أن أسمع نفسي ... كل شيء حولي بات حياديا ً إلاها ... كانت تضحك ضحكا ً عاليا ً ، وظلت تضحك ... و تضحك حتى سقطت مثلي في هوة الدوران ... سقطت سعيدة ، منشرحة ... بينما كنت أتعرق ، وأعاني . كنت أحدق من موقعي في السقوط بعين واحدة تتأرجح معها كل الصور ، خجلا ً من انبطاحي المخزي .. كم كان مناسبا ً لو أظلمت الدنيا و سقط الليل فجأة ً ... هكذا في وضح النهار ... حتى لا أشهد نفسي في عينيها منهارا ً ، خائبا ً . " ادخل ..! " سمعت صوتها يدعوني بهمس جاء من أعماق يقظتي الحالمة .. ثم أصبح واضحا ً أنني المقصود من القول : " هل ستقضي الوقت على الباب ؟؟ " . دخلت ُ على مهل ... أعلق بصري في ظلمة المكان ... في الزاوية الممتلئة بأيقونات كامدة ... حزينة . أنفض عن كتفي غبار الحر المتراكم... كانت ما تزال في جلستها تحت غطاء من العتمة أحدثه انسدال الستائر الرمادية على النافذة ، و انغماس الشمس في الأفق الحزين ، و كنت ما أزال في عنائي من توهج الذاكرة المباغت . كان الوقت ما يزال باكرا ً، فالساعة لم تتجاوز الخامسة مساء ، و الحر راح يتبعثر في الهواء ، كما تتبعثر سحابة دخان ٍ عابرة ، و الذهاب في نزهة هو أمر في غاية اللطف ، و تحت وطأة هذه الرؤية ... قلت : - هناك جنازة ، فهل علينا أن نبقى حتى موعد الدفن ، نحن عجوزان لا حول لنا ، و لن يلومنا أحد .... لنخرج فنتنفس هواء الجبل .... أو ... ما رأيك في صعود السطح ، هناك يمكننا رؤية البلدة كلها ... نتسلى يعني ... و نقضم الوقت كحبات الفستق .. لاذت بالصمت طويلا ً ثم قالت وهي ما تزال تبتسم لكن بخفر ٍ مفاجئ : - سيصيبك الدوار ... أنصحك بالذهاب إلى المقهى ، فأنت لم تعد تقوى على صعود الدرج ... هيا اذهب فأنا لن أضجر ، لدي الكثير من الأعمال للانشغال بها ... هيا مع السلامة . بهذه العبارة أجهزت ْ على ما بقي من شيخوختي ، ثم أسندت ْ رأسها على كف ّ الذاكرة ، و أرسلت تنهيدتها مع الريح قصيدة أنثى ... أنثى أرهقها تكوم السنين على كتفها .... و انشغلتْ بالتطلع في ّ مليا ً و أنا أغادر عتبة السبعين عاما ً ، معرّضا ً أكثر من أي وقت مضى للدوار و السقوط ... لا يحرجني الشعور بالاستسلام , و لا إرهاصات الخيبة ... لا هم ّ مقيم لدي سوى أن تمر اللحظات خفيفة ً ، بسيطة ، أن أعبر في هذا العمر بأمان إلى الجهة الأخرى ... أن ... أن أموت ببساطة و سلام . 10 / 10 / 2004 |
|||
|
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| نشأة الوهابيين .... | معاذ محمد | المنتدى الإسلامي | 57 | 23-02-2011 02:05 PM |
| الذب عن الشيخ الألباني نادرة العصر، ويتيمة الدهر | ياسر أبو هدى | المنتدى الإسلامي | 25 | 24-06-2009 02:59 AM |
| وقفات في حياة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله | هند الكثيري | المنتدى الإسلامي | 23 | 10-06-2006 02:37 AM |
| عطوان يفتح النار على خدام | م. وليد كمال الخضري | منتدى الحوار الفكري العام | 5 | 27-01-2006 01:16 AM |
| الصفعة المقدسة | محمد ذهني | منتدى القصة القصيرة | 3 | 29-09-2005 10:30 AM |