|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
*العطر والبندقية* * الفصل الأول * ما أجمل الحقول في بلادي، وما أجمل ترتيبها، ترى المواسم من قمح أو ذرة تفترش الأرض من أقصاها إلى أقصاها، يحيطها شيء من الزراعات الناعمة، مثل الفلفل بخضاره الداكن، وثمره متعدد الألوان، أو العصفر بلون زهره البرتقالي، الذي يعكس أشعة الشمس فيزيد الطبيعة بهاءً، ثم ترى على حدود الحقل أشجار الحور العالية إذا كانت الأرض قريبة من الماء، أو أشجار السرو الكثيفة لو كانت تسقى يدوياً أو من ماء المطر ، وتجدها تقف راسخة تحمي الأرض والزرع من عتو الرياح عندما تزأر، وتحدد لصاحبها ملكيته بين أقرانه. جمال خلقه الله، لنستمتع به، وبه نجد طريقنا الدائم نحو حمد المولى وشكره، ونحس في قلبنا بالنعم التي أنعم بها علينا. ولكن هذا الجمال الربانيّ البديع، قد يخبئ خلفه عداوات وخلافات، يكاد ألا يظهر لها حـل وشــيك، وخصوصاً عندما تنتقل من زعيم إلى آخر، ومن جيل إلى جيل. داخل قرية البيادرية، لا تكاد الأمور تختلف عما رسم لها، فقد أصبحت الأعراف السائدة، مثل قوانين تطاع من الجميع، فلا يجرؤ أن يكسرها أحد. في مثل هذا الحمى، نشأت العوائل والعشـائر المختلفة، وكان أبو جميل من أكبر أغنياء القرية، يمتلك أفضل أراضيها، التي تقع قرب النهر، وقد ورثها أباً عن جد، ولكنه كان مع غناه شديداً، يستهاب جانبه، شديد العصبية، يمتلك مجموعة كبيرة من الأسلحة المختلفة، ولديه عصبة قوية من الرجـال الأشـاوس، يحمون ممتلكاته، ويدلـّون بوجودهـم وتجمّعهم على قوته ومركزه، وهم معه أينما تحرك وكيفما سار. أما جاره أبو سليم، فكان من الأغنياء المعدودين أيضاً، ويمتلك أراضٍ شاسعة قرب النهر أيضاً، ولكنه إنسان خلوق مسالم، لا يؤمن بالسفه والفجور، أو بالاعتداء على الغير، وينظر إلى كل الناس نظرة رضى. دخلت العداوة بين الجارين منذ عهد جدهما الأكبر، ولم يتغير موضوعها ولم يخرج عن خلافهما على حصص الماء، وخصوصاً عندما يشتد الحر ، وينخفض منسوب النهر. كان فرع رئيسي للنهر البعيد، يمر من جانب أرض أبي جميل، وينحدر من بعيد قليلاً جانب أرض أبي سليم، وكل سقايات القرية يأخذها الأهالي منه، وفي أحد أيام الصيف القائظ، خشي أبو جميل ألا تكفيه حصة المياه المحولة إلى أرضه، أو ألا تصل إلى عمق زراعاته، فأرسل رجاله عند الفجر، فشكلوا سداً ترابياً، جعل الماء كله يجري في اتجاه ممتلكاته، ويمنعه عن الوصول إلى أراضي أبي سليم، الذي فوجئ بانقطاع الماء في وقت حاجته، فأسرع يستطلع الأمر، فوجد السد الترابي، فنبشه بسرعة لتعود المياه إلى الجريان في مجراها المعتاد، وما هي إلا سـاعة من نهار، حتى حضر أبو جميل يســبقه رجاله والسـلاح، وبدأ إطلاق الأعيرة النارية في الهواء، مما اضطر أبو سليم ومن معه إلى الهرب والتخفي بعيداً. غادر أبو سليم مسرعاً ويمم وجهه نحو مركز الدرك، المسؤول الرســـمي عن الأمن في المنطقة، وسجل شكوى بحق جاره، وفي نفس الوقت، وصل الخبر إلى المختار ، الذي سارع إلى دعوة الطرفين للحضور مع رجالات القرية إلى دارته، لرأب الصدع، وحل الخلاف. * الفصل الثاني * عيسى أحد أبناء القرية، شاب في السابعة والعشرين من عمره، حصل على الشهادة الثانوية من مدرسة القرية، وأصر أن يذهب إلى العاصمة ليستكمل تعليمه، حتى حصل على شهادته الجامعية، ومكث في العاصمة بضع سنين، ولكنه لم يستطع مقاومة رغبته أن يعود إلى قريته ويعمل فيها، فهي عشقه ومبتغاه الدائم، كما أن فيها زهوة، الصبية الجميلة ابنة المختار، التي أحبها من بعيد، مذ أن كان شاباً يافعاً، ولم يتجرأ يوماً أن يشي بما يعتمل في فؤاده، فالمختار من الأغنياء، ومقامه في القرية عالٍ جداً، فكيف الوصول إليها . . ! سمع عيسى بما حصل، وعرف أن مجلس القرية سيعقد بعد ساعات قليلة، ورغب أن يحضر الجلسة ليرى الأمور عن كثب، وفي نفس الوقت أن يتعرف على رجالات القرية وكبرائها عن قرب. أما المختار فكان دأبه، كلما نشب خلاف ما، أن يتدخل بسرعة لحل النزاع، قبل أن يتدخل الغريب، وهذا الغريب هو مركز الدرك بالطبع، أما لو تدخل الدرك فعلياً، فإن المشكلة الوقتية تحل سريعاً بطريقة ما، ولكن نزاعات متعددة لا تنتهي تنشأ بعدها، كما أن قائد الدرك، يدرك من واقع خبرته في المنطقة، أن النزاع إذا تم حله داخل كل قرية، وبدون تدخل من طرفه، فإن الوضع الأمني يكون أفضل، فكان يعطي الفرصة في كل مرة للتصرف، قبل أن يقترب ويضطر إلى التدخل، وهكذا عقد المجلس، ومرت المجاملات المتبادلة في مثل هذه المواقف بهدوء يشوبه الحذر، ثم ابتدر أبو جميل الجميع متحفزاً. * إن أراضيّ واسعة، وفي يوم قائظ شديد الحرارة مثل اليوم، فالماء لن يصل عمق الزراعات إلا ضعيفاً، ولا يكفي، ولن يوقفني أحد عن ري أراضي بالكامل. وعارضه أبو سليم . . موجهاً حديثه للمجلس : * كيف يبني أبو جميل سداً يمنع الماء عن الوصول كلية إلى أرضي، هل نترك الأرض تموت أم ماذا . . ! أنا لا أقبل بهذا أبداً وسألجأ إلى الدرك، وماذا عن موضوع الأسلحة واستخدامها ضدي وضد رجالي، أنا لدي من الأسلحة الشيء الكثير، ولم أرغب يوماً باستخدامها، هل تريدون أن نشعلها حرباً . .! لو كان الأمر كذلك فأنا مستعد، ولا مانع عندي. وانبرى أبو جميل صائحاً . . . * هل تهددني، أنت لا تخيفني، أنا مستعد أن أحارب القرية كلها، أما تدري من أنا. وتدخل المختار . . . * يا جماعة، أيها الأحباب، لقد اجتمعنا لنحل الخلاف، ونمنع أخبارنا وخلافاتنا أن تتسلل إلى الخارج، هل تريدون للغريب أن يتدخل بيننا، أما تعلمون ماذا يعني ذلك . . ! وعلى هذا المنوال استمر الجدال، وطال الخلاف، ولم يظهر على السطح أية بادرة أمل، وكان رجال كل فريق يقبعون خارج المجلس، يستعرضون أسلحتهم وقوتهم، وينتظرون الأوامر، وطال الأمر طويلاً، ووجدت الكراهية طريقها للقلوب، وزاد التبرم في جميع الوجوه. انبرى عيسى الشاب المثقف متوجهاً بحديثه إلى المختار . . . *عمي المختار، هل لي أن أتدخل وأتكلم . . ! سكت الجميع واستغربوا جرأة الشاب الذي كان حضوره لمجلس الكبار مستغرباً، فكيف إن تكلم وأبدى رأياً . . ! لم يكن الأمر معتاداً في القرية من قبل أبداً. * تفضل يا عيسى سنسمعك، قل ما لديك. اتجهت الأنظار كلها إلى عيسى، ينتظرون ما سوف يتفوه به هذا الشاب حديث السن. * أنا أعلم بأن كمية الماء عند بدايـة فرع النهر تكون كافية لجميع الأراضي في القرية طيلة أوقات السنة، أليس كذلك . . ! أبو جميل: نعم، ولكنها تضعف كلما مرت داخل الأراضي، وفي كثير من الأحيان لا تكفي أبداً .. *حسناً، إذا قمنا بتركيب مضخات كافية في المكان المناسب، ماذا سيحصل . . ! أبو سليم : سيصل الماء قوياً ويكفي جميع الأراضي. أبو جميل : ولكن، هل تعلم ماذا تقول، إنه مشروع كبير، كيف يمكن التفكير فيه. *لا عليك يا أبو جميل، تكلفة مبنى المضخات، سيتشارك فيها الجميع، أما المضخات فكل واحد أو أكثر يشتري لنفسه مضخة، ثم يتم تنظيم الحصص بجدول معروف ومتفق عليه، ومن يرغب، فيمكنه تجهيز خزان أرضي يخزن فيه حاجته من الماء ليستعملها وقت الحاجة، المـاء كثير والخير عميم، وهـذه أرضنا وهي وطننا، ولا نحتاج خلافاً ولا نزاعات، سيكفينا الماء، ونفكر بعدها في مشاريع أكبر بكثير لتطوير قريتنا، ونعيش دوماً بأخوة وسلام. لم ينبس أبو جميل ببنت شفة، بل قام من مجلسه سعيداً وخرج إلى رجاله، أحضر أفضل وأجمل بندقية يمتلكها، عاد إلى المجلس، توجه إلى عيسى، أعطاه البندقية، وقبل رأسه. شاهد أبو سليم ما حصل، فسارع يجري إلى عيسى، سلم عليه وقبل رأسه، وتقاطر الجميع على الشاب المحبوب، الذي حل المشكلة والنزاع بالحلم والهدوء وحب الخير، وأعطى للقرية آفاقاً جديدة لم يكن التفكير فيها متاحاً من قبل أبداً . . . كان المختار يراقب من طرف خفي وهو يبتسم، وقد أضمر في نفسه أمراً، أما عيسى فكان واقعاً تحت ضغط الموقف الجديد الذي وجد نفسه فيه، وما أن تحرر قليلاً مما هو فيه، حتى سمع المختار يناديه: * عيسى . . . يا عيسى . . . أسرع عيسى إلى المختار، فور أن قدر على ذلك. * نعم عمي، آسف كنت في وضع صعب، اعذرني أرجوك. * عيسى، أيها العزيز، لم لا تحضر لزيارتنا اليوم مع والديك، هنالك حديث بيننا علينا أن نكمله، أرجو ألا تتأخروا . . . |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||
|
هذه القصة تمثل الحكاية القروية الواقعية ذات البعد الرمزي، وهي من النصوص الطويلة المتماسكة التي نسجها أحمد فؤاد صوفي، وفيها حضور قوي لبنية الفصول (فصل أول/فصل ثانٍ)، مما يضفي عليها طابع الرواية القصيرة أكثر من مجرد قصة قصيرة. السرد كلاسيكي ممتد، أقرب إلى الرواية المصغرة. اللغة واضحة، وصفية، مع حضور البيئة الطبيعية والقروية بشكل بارز (القمح، الذرة، الفلفل، أشجار الحور والسرو...). الحوار حيّ، يحمل توتراً واقعياً، ثم ينفرج بالحل. القصة تقدم نموذجًا للانتقال من عنف البندقية إلى عقل العطر (الحلول السلمية). فيها بعد إصلاحي/تنويري واضح، يجعلها قريبة من "القصة التعليمية الاجتماعية". تنتمي إلى المدرسة الواقعية الإصلاحية ذات الطابع الاجتماعي-الرمزي. تقف إلى جانب نصوص مثل الخباز (برزاني) وإدراك حسن (عبدالرحمن الخطيب) التي تمزج بين الواقع والنقد الاجتماعي. لكنها أكثر "توازنًا ورومانسية" بفضل حضور الحب (عيسى وزهوة) الذي يفتح أفقًا جديدًا. العطر والبندقية نص متكامل يمكن اعتباره قصة طويلة/نوفيلا مصغرة، تحمل سمات الرواية القروية الواقعية مع إسقاط رمزي واضح. من أهم نصوص أحمد فؤاد صوفي لهذا العام 2024، وتستحق أن تُدرج ضمن قصص الواقعية الإصلاحية الرمزية.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||
|
الأديب العزيز/ عباس العكري المحترم ،، |
|||
|
![]() |
|
|