الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-10-2020, 09:52 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالحليم الطيطي
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبدالحليم الطيطي غير متصل


Lightbulb بعد أن صارع الأحزان

بعد أن صارع كلّ الأحزان ،،
.
**كان معنا في مدارس المخيم ،،ولا أدري كيف شعرتُ حين سمعت بموته ،،لقد مرّ في ذهني شريط حياته وشريطنا ،،تذكرته وهو يقف في المطر على الباب يمسك حبل خيمتهم ،،ينظر لا أدري إلام ينظر ،، ساهما كأنّه لا ينظر إلى شيء ،،،فالفقير وهو يرى بؤسه ،تُرخي عينُه ستارة كي لا يطول تركيزه في ألمِه ،،!

..نحن نرحم أنفسنا ولو كنّا في جهنم نفسها ،،!

..وأذكُره وهو يصيد العصافير بين قصب الذرة ،،فيقطع رأسه وينتف ريشه ويشعل نارا ويُقلّبه عليها ،،،ثم يمضغه !!

،،ويذهب إلى بيته ليسهر مع أمّه وأخته تحت نقط المطر التي تتسرب من الشقوق ،،على ضوء الفانوس ،، كانت تتكلم أمّه دائما عن قريتهم وما فيها من خير ،،وتسأل : أين ذهب من كان فيها من الناس والخير ،،،!،،بعد العاصفة

..تقول : كم تكثر الأوطان الجديدة في كلّ نكبة ،،ويقلّ الخير ،،فكأنما يخرج الناس من نفوسهم ،،يتمزقون كما تتمزّق النار في السماء شرارات كثيرة !!.

.

...وتذكرتُه وهو يمشي في الطين حافيا حول خيمة المدرسة ،، تصطك أسنانه من البرد ،،أو الغضَب ،،يمشي مُكشّرا لا يضحك وكأنما يقاتل في طريقه ،،عدوّا يجلس في الهواء ،،!

..وعرفت أنّه مات فقيرا أيضا ،،!لقد مرّ في الدنيا ولم يأخذ شيئا بيده ..! لم يذُق طعم الحياة وهو حيّ يمشي فيها ،،! كمن يمشي في النهر عطشانا ولا يشرب،،!

... ومع ذلك سمعتهم يقولون :أنه مات !.،،فهل كان حيّا ..!.

...وقلتُ وأنا أتخيّل نعشه الذاهب الى الموت الطويل: ..هي رحلتنا القاسية الأخيرة أيّها الأخ ،،،سنجتازها ضاحكين كما كنّا طاهرين ،،وتذوق الحياة مثل الناس اجمعين

ونظرت الى نعشه و أحسسْتُ ،،كأنّه يبتسم لنا ،مع دمعةٍ تسيل من عينيه ...!!

.

.

أنا أكتُبُ هنا في مدونة عبدالحليم الطيطي الأدبية ،، انقر عليها في بحث قوقل






التوقيع

عضواتحادالكتاب والأدباءالأردنيين والتجمع العربي للأدب./الأردن
..مدونتي https://www.blogger.com/blog/posts/6277957284888514056
..في بحر الحياة الهائج..بحثْتُ عن مركب ،،يكون الله فيه

 
آخر تعديل راحيل الأيسر يوم 20-03-2023 في 12:26 AM.
رد مع اقتباس
قديم 04-10-2022, 01:45 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبدالحليم الطيطي
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبدالحليم الطيطي غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

،،ومن يُهدي الحياة لمن فقَدها يُهدي الله له الحياة،،ولو بعد حين .
..والحياة في الأرض ليست هي كلّ الحياة......فهناك حياة أنتظرها لم تبدأ بعد .....وكم أكره الذين لا ينتظرونها ..فهُم وحوش لأنّهم لا ينتظرون الله
.
.







التوقيع

عضواتحادالكتاب والأدباءالأردنيين والتجمع العربي للأدب./الأردن
..مدونتي https://www.blogger.com/blog/posts/6277957284888514056
..في بحر الحياة الهائج..بحثْتُ عن مركب ،،يكون الله فيه

 
رد مع اقتباس
قديم 18-03-2023, 06:16 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

الأستاذ الموقر / عبد الحليم الطيطي

نص مؤلم بأحداثه وشخوصه ولغته الماهرة التي أجادت السرد بكل سلاسة ..



شكرا لجمال ما كان هنا ..


صافن / هل معناه بالفصحى
كمعناه بالعامية ؟؟
هل معناه ساهم وشارد ..؟؟
هو سؤال للتعلم منك سيدي
فلقد قرأت في ملفك أنك معلم للغة العربية ..
وأنا تلميذة تسأل لتتعلم ..
وأعلم أن أغلب الكلمات التي نستخدمها بالعامية لها أصل فصيح ..


لك التقدير والاحترام أستاذنا المكرم/ عبد الحليم الطيطي







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
قديم 19-03-2023, 10:03 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عبدالحليم الطيطي
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبدالحليم الطيطي غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راحيل الأيسر مشاهدة المشاركة
الأستاذ الموقر / عبد الحليم الطيطي

نص مؤلم بأحداثه وشخوصه ولغته الماهرة التي أجادت السرد بكل سلاسة ..



شكرا لجمال ما كان هنا ..


صافن / هل معناه بالفصحى
كمعناه بالعامية ؟؟
هل معناه ساهم وشارد ..؟؟
هو سؤال للتعلم منك سيدي
فلقد قرأت في ملفك أنك معلم للغة العربية ..
وأنا تلميذة تسأل لتتعلم ..
وأعلم أن أغلب الكلمات التي نستخدمها بالعامية لها أصل فصيح ..


لك التقدير والاحترام أستاذنا المكرم/ عبد الحليم الطيطي

أردتها بهذا المعنى الدلالي - يعني صار معناها هكذا ...وأردتُ تشبيهه بالخيل الصافنة .................وأرجو منك أن تكتبي ساهماً بدل صافنا .................ولك ألف سلام


................أردتها بهذا المعنى الدلالي .........- يعني صار معناها ساهما ..............لكنّي أردت تشبيهه بالخيل الصافنات أيضا.......................................و






التوقيع

عضواتحادالكتاب والأدباءالأردنيين والتجمع العربي للأدب./الأردن
..مدونتي https://www.blogger.com/blog/posts/6277957284888514056
..في بحر الحياة الهائج..بحثْتُ عن مركب ،،يكون الله فيه

 
رد مع اقتباس
قديم 09-02-2024, 05:43 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عبدالحليم الطيطي
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبدالحليم الطيطي غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

......إضافة إلى التغريبة..................







التوقيع

عضواتحادالكتاب والأدباءالأردنيين والتجمع العربي للأدب./الأردن
..مدونتي https://www.blogger.com/blog/posts/6277957284888514056
..في بحر الحياة الهائج..بحثْتُ عن مركب ،،يكون الله فيه

 
رد مع اقتباس
قديم 25-03-2024, 04:35 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عبدالستارالنعيمي
الهيئة الإدارية
 
الصورة الرمزية عبدالستارالنعيمي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالستارالنعيمي غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

قصة مؤلمة حقا ونهاية محزنة
وقد دعوتنا على هذا المشرب الهانئ والظل الوارف من ظلال الكلمات البديعة فهنيئا لنا بك أديبنا الموقر الأستاذ عبدالحليم
مع أسمى التحايا والتقدير







التوقيع

أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها
وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ

 
رد مع اقتباس
قديم 05-08-2024, 05:41 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عبدالحليم الطيطي
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبدالحليم الطيطي غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالستارالنعيمي مشاهدة المشاركة
قصة مؤلمة حقا ونهاية محزنة
وقد دعوتنا على هذا المشرب الهانئ والظل الوارف من ظلال الكلمات البديعة فهنيئا لنا بك أديبنا الموقر الأستاذ عبدالحليم
مع أسمى التحايا والتقدير
..................شهادة اعتز بها يا استاذ عبدالستار وألف سلام وامتنان .....






التوقيع

عضواتحادالكتاب والأدباءالأردنيين والتجمع العربي للأدب./الأردن
..مدونتي https://www.blogger.com/blog/posts/6277957284888514056
..في بحر الحياة الهائج..بحثْتُ عن مركب ،،يكون الله فيه

 
رد مع اقتباس
قديم 09-07-2025, 01:28 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عبدالحليم الطيطي
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبدالحليم الطيطي غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

قال.......نحن في غ ز ة بعضنا في القبور والآخرون جنب القبور... والمولود في غزة ...يعود للموت سريعاً.....
كزهرةٍ لا تنبت في رماد الحرائق........
قلت.... ..نحن نريد أن ننصركم ..ولكنّنا كالعبيد يتمنّون أن يفعلوا ولا يقدرون
...قال..... لا أدري هل المصابون أنتم أم نحن....







التوقيع

عضواتحادالكتاب والأدباءالأردنيين والتجمع العربي للأدب./الأردن
..مدونتي https://www.blogger.com/blog/posts/6277957284888514056
..في بحر الحياة الهائج..بحثْتُ عن مركب ،،يكون الله فيه

 
رد مع اقتباس
قديم 23-07-2025, 04:37 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

ينتمي عبد الحليم الطيطي إلى طينة الكُتّاب الذين يكتبون من الندبة لا من الجرح، أي من الذاكرة المتقيّحة لا من الحاضر الصارخ، ما يجعل نصه أقرب إلى "مرثية وجودية" لا لفقيرٍ واحد، بل لجيلٍ كامل ضاع بين خيمة المدرسة ورطوبة الفانوس. غرائبية أسلوبه لا تكمن في الغرابة الشكلية، بل في دمج الواقع المادي بالقسوة المجازية دون أن يفقد صدقه، حتى كأن العصافير لا تُنتَف فقط، بل تُذبح رمزيًا كلما اختنق طفلٌ تحت سقفٍ مثقوب.

لا يحيل القاص إلى أي سردية معروفة، لكنه يخلق تناصًا داخليًا مع السيرة الفلسطينية الكبرى دون أن يذكرها، فتغدو العاصفة رمزًا للنكبة، والمطر للزمن، والخيمة لخراب الوطن. كل صورة في النص تسكن في تواشجٍ مع نص أكبر منها: الأدب الفلسطيني، وسير النفي، وحكايات اللجوء، من دون أن تقع في فخ المباشرة أو الشعارات.

النص، في جوهره، ليس حكاية فقير، بل مجاز طويل عن المعنى المسروق من الحياة. طفل يُرمى في الطين، يجوع، يُسلب، يُمنع من الضحك، ثم يموت، ويُقال عنه "لقد مات"، دون أن يعترف أحد بأنه لم يعش أصلًا. القصة هي احتجاج ساكن، لا صراخ فيه، لكنها تُحدث في القارئ ارتجاجًا داخليًا، لأن السؤال الذي يطرحه النص — "هل تُحسب الحياة حياةً إن لم تُعش؟" — لا يتعلق بصديقه، بل بالقارئ نفسه، الذي يُجبر على أن يرى وجه الحياة وهي تتجعد في نعشٍ لم يُحمل فقط، بل كُتب عليه سطر أخير لا يُنسى: "مر في الدنيا ولم يأخذ شيئًا بيده."

القاص عبد الحليم الطيطي لا يكتب من منفى وجودي بل من حافة الطين ذاته، حيث الكلمات لا تُزخرف، بل تُنتزع من لحم المعاناة. في هذه القصة، كما في مجمل تجربته الإبداعية، يكشف عن حساسية شعرية فريدة حتى في أكثر التفاصيل بؤسًا، ليحوّل حياةً مكسورة إلى بيان إنساني صامت، مشحون بكل ما لا يُقال. هو شاعر قبل أن يكون قاصًا، ولهذا فإن نصوصه، وإن اتخذت شكل السرد، تبقى مأهولة بالإيقاع الداخلي، بالصورة التي تُجرِّد الواقع لا لتُجمِّله، بل لتكشف هشاشته العارية. يكتب الطيطي لا ليُسلّي، بل ليُشهر الحقيقة التي يمرّ بها الكثيرون دون أن يلتفتوا إليها: أنّ الحياة — حين لا تُعاش بكرامة — تصبح مجرّد صراع عبثي مع عدو يجلس في الهواء.

ولعل قوة القاص تكمن في قدرته على تخليد من لا نصيب لهم من الذكر، أن يمنح "الفقير الذي مات ولم يأخذ شيئًا بيده" خلودًا سرديًا يتجاوز الفقر والخذلان، وأن يقول — دون خطابية ولا خطابة — إن الأدب يمكن أن يكون نعشًا مضيئًا، يحمل الغائبين إلى نوع آخر من الحياة، بعد أن صارعوا كل الأحزان.

المثير الغرائبي في أسلوب عبد الحليم الطيطي في قصته "بعد أن صارع كل الأحزان" لا يكمن في عناصر خيالية أو خارقة بالمعنى الكلاسيكي، بل في قدرته على تحويل الواقع البائس إلى واقع أغرب من الخيال ذاته، من خلال لغةٍ يوميةٍ تتقاطع مع فداحة التجربة حتى تبدو كأنها حلم ثقيل أو كابوس مستمر. غرائبية الطيطي ليست غرائبية الشكل، بل غرائبية الواقع حين يُسرد بصدق قاسٍ دون مكياج بلاغي ولا رتوش لغوية.

فالمشهد الذي يمشي فيه الطفل في الطين حافيًا، بأسنان تصطك من البرد أو الغضب، وهو يقاتل عدوًا يجلس في الهواء – هذا ليس مجازًا فنيًا بقدر ما هو واقعة شاذة عادية، عبثية جدًا لدرجة أنها لا تحتاج خيالًا، بل تحتاج فقط قدرة على رؤية المأساة وهي ترتدي ملابس اليومي.

الطيطي يمارس تناصًا صامتًا مع النصوص المؤسسة للوجدان الفلسطيني والعربي دون أن يصرّح بها. فصوت الأم وهو يسرد النكبة وخراب القرية، يُسرْبل هذه الذاكرة الكبرى في حكاية صغيرة، عظيمة إنسانيًا. هذا التناص غير المعلن يمنح النص عمقًا ثقافيًا هائلًا، لأن القارئ يشعر بأنه يقرأ عن طفل، لكنه يسمع أصداء أمة بأكملها وهي تسأل: "أين ذهب الخير بعد العاصفة؟"

الطيطي يجعل من أكثر الأشياء بداهةً، أشياء صادمة، ويجعل من قصة فقير مات جائعًا حكاية وجودية كبرى تُقرأ بصوت فانوس فلسطيني خافت، في خيمة، وتحت الشقوق.
ما فعله الطيطي في هذا النص بجملة واحدة: لقد جعل من الجنازة نصًا، ومن النعش قصيدة، ومن الموت وعدًا مؤجّلًا بالحياة.
___
النص القصصي "بعد أن صارع كل الأحزان" لا يسرد حياة، بل يشهد على غيابها. إنه ليس تأبينًا تقليديًا، بل مرثية لوجود لم يُعاش، وشهادة سردية على حياة معلّقة بين الطين والموت، بين المخيّم والمجهول، بين الجوع وذاكرة القرية المفقودة. من اللحظة الأولى، يُنهي النص وهم التدرج الزمني المعتاد، فالحكاية تبدأ من النهاية — الموت — ثم تتراجع بشكل مفكك إلى الطفولة المحذوفة. هذا الانقلاب الزمني يعكس طبيعة الحياة ذاتها كما رآها الراوي: عبور باهت نحو التلاشي.

اللغة في النص تقطر وجعًا لا يُصرَّح به، بل يُهمَس في الزوايا، حيث "تُرخي العين ستارة" و"يقاتل الفقير عدوًا في الهواء". هذه الصور المجازية لا تخدم فقط وظيفة البلاغة، بل تُعيد بناء الواقع ككابوس، لا كحدث. العين تغلق نفسها رحمةً بالنفس، والجسد يتحول إلى مقاتل لا يعرف خصمه. كل كائن في هذا العالم — من الطين إلى المطر، من الشقوق إلى الفانوس — يصبح رمزًا هشًا لحياة لا تُطاق. حتى العصافير، كرمز كلاسيكي للحرية، تُنتَف وتُشوَى وتُؤكَل في مشهد يعري آليات البقاء البيولوجي على حساب البراءة.

الراوي لا يروي عن صديقه فحسب، بل عن طبقة بأكملها لم يُسمَح لها بالحلم. الفقر هنا ليس صفة، بل هوية راسخة، شيفرة وراثية تقاوم المحو. الأم لا تتحدث عن المخيم، بل عن القرية الضائعة، وعن "العاصفة" التي مزقت الإنسان وخلقت أوطانًا بلا جذور. العبارة "كأنما يخرج الناس من نفوسهم" تمثل ذروة الرمزية في النص؛ إذ لا يتبقى للإنسان حتى نفسه، وتصبح الهجرة نزيفًا داخليًا لا خارجيًا فقط.

الطفل في النص لا يُعاش كطفل، بل ككائن مكشّر، غاضب، جائع، قاتل للعصافير، ساكن تحت قطرات المطر المتسربة، يقف على الباب دون أن ينظر، لأن البؤس أطفأ فيه فعل النظر ذاته. هذا الإلغاء التدريجي لحواس الطفل يمثل تدميرًا بطيئًا للإنسان، حيث لا يتبقى له إلا العضلات التي تقاتل الوهم، والأسنان التي تصطك من البرد أو القهر أو الاثنين معًا. عندما يُقال في النهاية "مات"، يسأل الراوي سؤالًا فادحًا: "فهل كان حيًا أصلًا؟". هنا، النص يبلغ ذروته الوجودية؛ الموت لا يُنهي الحياة، بل يؤكّد عدم بدايتها.

النعش نفسه يتحوّل إلى بطل سردي، يتحرّك أمام الراوي، يحمل "الموت الطويل"، لكن في داخله وعد سردي بـ “أن تذوق الحياة مثل الناس أجمعين". كأن الحياة لا تُعاش إلا بعد الخروج منها. هذه المفارقة تقرّب النص من الفلسفة الوجودية التي ترى في الموت وحده رد اعتبار للمعنى. الراوي لا يبكي، بل يتخيل "ابتسامة" على وجه الميت، مع "دمعة تسيل من عينيه"، في مشهد نهائي يمزج التجلّي مع الانكسار، الحضور مع الفقد.

عتبة النص "بعد أن صارع كل الأحزان" تُهيّئ القارئ للدخول إلى عالمٍ سرديٍ لا يبدأ من بدايته، بل من نهايته، إذ تأتي الجملة مفتوحة على ماضٍ مكتمل، كأننا نقرأ آخر سطرٍ من حكاية مجهولة. هذا التلاعب الزمني هو أول ما يكشف عن براعة القاص في بناء توتّر درامي داخل العبارة الأولى، دون حاجة إلى حبكة تقليدية. عبارة "بعد أن" تحيل إلى فعل مكتمل، بينما "صارع" تفيد المقاومة والمواجهة، و"كل الأحزان" تعميمٌ مجازي لا يترك للأمل مكانًا. العتبة إذن ليست مدخلًا ناعمًا، بل هي صدمة شعورية ولغوية تكشف منذ البدء أن النص لا يروي قصة حدث، بل قصة وجع.

لا يعتمد القاص على تسلسل زمني أو حبكة تصاعدية، بل على تداعي الذاكرة. الراوي لا يحكي، بل "يتذكّر"، والذكريات ليست محايدة، بل مشبعة بالندم والحنين والخذلان. كل فقرة تُكتب كأنها مرآة مشروخة لحياة لم تُعش، بل مرت مرّ الكرام، حيث تتحول أفعال الحياة اليومية إلى علامات موتٍ معلّق. الطفل لا يضحك، لا يشرب من النهر، لا يملك شيئًا، لا يعرف الدفء، لكنه "كان معنا".
يتميّز السرد بلغة مشبعة بالانكسار النبيل، لا استجداء فيها ولا خطابية. الشخصيات لا تُمنَح أسماء، لأنهم ليسوا أفرادًا، بل نماذج بشرية مهمّشة. الأم تمثّل الذاكرة الجمعية؛ الأخ الفقير يمثّل الجيل الضائع؛ والراوي نفسه هو صوت الضمير المتأخر، صوت من بقي ليحمل الجثة ويتأملها وهو يسأل: "هل كان حيًّا أصلًا؟"

المفارقة الكبرى أن النهاية التي نتوقع أن تكون حزينة، تنقلب فجأة إلى وعد بالخلاص: "سنجتازها ضاحكين... وستذوق الحياة مثل الناس أجمعين." هنا يبلغ النص ذروته التأويلية، فالموت لا يُكتب كانتهاء، بل كبوابة نحو عدالة مؤجلة، وكأن السرد كله مرافعة شعرية ضد النسيان، وضد حياة لم تكن حياة.
يتخذ السرد شكلًا دائريًا، يبدأ من خبر الموت وينتهي عند "الابتسامة مع دمعة"، كأن القاص يريد أن يقول لنا: المأساة الحقيقية ليست أن تموت، بل أن تُنسى قبل أن تُعاش.







 
رد مع اقتباس
قديم 23-07-2025, 04:39 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان







التوقيع


ع ع ع عباس علي العكري

 
رد مع اقتباس
قديم 23-07-2025, 04:40 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان







التوقيع


ع ع ع عباس علي العكري

 
رد مع اقتباس
قديم 24-07-2025, 11:36 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل


افتراضي رد: بعد أن صارع الأحزان

ممتنة للناقد المكرم الاستاذ / عباس العكري


هذه الجهود المباركة

تقديري واحترامي .







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:18 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط