القدير عباس العكري
أود أن أخبرك أخي الكريم بأنك استطعت أن تجعلني أرى المشهد رأي العين، وهذا يدل على قدرتك الكبيرة كقاص يجيد تصوير الحدث من الخارج والداخل أيضاً .
بدأت السرد باستخدام ضمير المخاطب، واستهللت النص بجملة فعلية تجعل القارىء يعتدل في مكانه / تنتفض بشدة مما سيحل بك غداّ .
هذا الدخول المباشر كان موفقاً جداً، وأصبح القارىء أمام الشخصية الرئيسة، والتي تنتفض مما سيحل بها غداً ..
طرح الأسئلة في ذهن القارىء منذ الجملة الأولى
( لماذا تنتفض الشخصية من الغد ..؟)
( ماذا سوف يحدث في الغد ..؟ )
هذه التساؤلات هي سر قوة البداية في النص .. أهنئك .
يحمل القارىء هذه الأسئلة في ذهنه، ويمضي بها، في محاولة لإيجاد أجوبة لها.
لا رفيق لك سوى الغربة والليل الطويل، تحاول النّوم و الجاثوم يهاجمك مرة أخرى، ها أنت تخرج من الفندق المطلّ على السّاحل لا تدري إلى أين تسعى بك رجلاك النحيفتان،
في الجزئية السابقة ..
تعريف لدواخل الشخصية والبيئة المكانية، الغربة / الشعور بالوحدة / الأرق المستمر / الفندق المطل على الساحل.
بعد التعريف بالبيئة المكانية وحالة الاغتراب والأرق، يكمل السارد وصف البرد في بلاد الهجرة / المطر بغزارة، يحمل في يده حقيبته السوداء والتي بها أثمن ما احتفظت به الشخصية لأيامها العصيبة .
راقت لي هذه الجزئية ( تخاف الانزلاق الذي أصبح عادتك )
وزمن وصول الشخصية إلى بلاد الهجرة ( منذ أيام ) / البيئة الزمانية.
حمل الحقيبة والحرص عليها يعبر عن حالة القلق الدائم عند الشخصية
هذا القلق الدائم من الغد .. هو تفسير لتلك التساؤلات في بداية النص.
الحبكة في هذا النص اجتماعية مترابطة وسردية أيضاً، والسبب في أنها سردية أيضاً هو ما يعتمل في دواخل الشخصية من ذكرياتٍ عن الماضي / الحنين إلى الطفولة / المغامرات المتهورة، والذي أظهره القاص من خلال السرد.
وركض الشخصية هو محاولة للهروب من واقع القلق وحالة الاغتراب في داخل الشخصية.
فتقع الشخصية على الأرض، فتغضب وتقذف الحجارة نحو حاويات القمامة.
فمايحدث عندها ..؟!
تلمح الشخصية ظلال تتحرك .. بداية الحدث، والانتقال من الحبكة السردية إلى مترابطة ..
تصغي لنبرات غريبة، وتمعن النظر لأيادي مرفوعة تشير لك بالتّوقف، يستقرّ شعاع الليزر على حقيبتك وحيثما وضعتها تحرّك الشّعاع معها، يرتجف قلبك خوفا، والعرق يفيض من جبينك. تبدأ تلعن حظك: أهل أصاب أحدهم الحجر؟ لعلّ لحيتي الكثّة أصابتهم بالخوف، ربما ملابسي العربية هي السبب! وكلابهم تنبح عليك بجنون، تزداد يقينا بأنّ المشهد قد بدأ للتّو، وأنّ أي حركة منك ستحوّل الوضع إلى مشهد مطاردة أنت الأرنب فيه بلا ريب. يشير لك قائدهم المقنّع بترك الحقيبة، ونفسك تهمس لك: حقيبتك أشبه بالمتفجرات.. يا لتعاستي.
ظهور شخصيات الشرطة ثم الكلاب / أشعة الليزر المسلطة على الحقيبة
فجرت في داخل الشخصية بركان من الأسئلة، حاول السارد تسليط الضوء من خلالها والمونولوج الداخلي على فكرة النص..
حقيبة سوداء / لحية كثة / وملابس عربية تساوي ( إرهاب )
تلك التهمة التي يحاول الغرب الصاقها فيما يسمى بالإرهاب الإسلامي ..!
راق لي جداً مونولوجك الداخلي أخي عباس .. أهنئك
ثم ..
تمسك حقيبتك بقوة ويراودك شعور بأنّك لن تراها أبدا، احتفظت بها طوال الخمسة والأربعين عاما التي عشتها في بلادك، وبركان الكلاب يستعر.. فجأة تعدو الكلاب ولعابها يسيل، وتعضّ يد النّدم على الخروج في هذا الوقت النحس، وتنظر للجند حيناً و للكلاب تارة أخرى، ويفزعك الكلب المقطوع ذيله ذو الفرو الكاكي الذي سبقهم جميعا، ثمّ تسمع صوتا من خلفك أصابك منه الرعب أكثر ممّا أنت فيه، فبدأت تصرخ بأعلى صوتك رافعا حقيبتك للسّماء
في الجزئية السابقة ..
يفصح السارد عن عمر هذه الحقيبة، ويفسر سر تمسك الشخصية بها ( خمسة وأربعين عاماً ).
أشعة الليزر مسلطة إلى الحقيبة، وهنا يبحث القارىء عن حل للشخصية، ويتفاعل معها ( العقدة / ذروة التأزم .
الصوت الي سمعه الشخصية من الخلف ظل مبهماً / غير واضح
ورفع الشخصية للحقيبة إلى الأعلى كأنه إعلان بأن حقيبته خالية من الإرهاب/ دليل برائته من ذلك الصوت، وانتفاضته ورفضه لما يجري حوله.
لتأتي لحظة التنوير هنا ..
فأدبر عنك مولّيا ذلك الكلب اللّعين، وتنظر للخلف لتجد قطا ينتفض عند حاويات القمامة والحصار يشتد عليه
في الجزئية السابقة ..
ينصرف التركيز إلى مصدر الصوت / حاويات القمامة / ومحاصرة القط ( وفيه رمزية ).
ثم الخاتمة، هنـــا ..
الآن تدرك أنّ الوقت حان لتنتفض نحو المجهول مع حقيبتك دون أن تكمل المشهد الذي لازلت تحاول معرفة خاتمته.
جاءت الخاتمة لتخبر القارىء بأن العداء / الإرهاب الإسلامي ( كما يدعون ) مستمر ..
وترك لنا القاص النهاية مفتوحة، كأنه يخبرنا بأن هناك انتفاضات أخرى تتجدد.
ختاماً ..
هذا النص مكتوب بلغة راقية، والقاص عباس العكري متمكن من أدواته جداً.
استمتعت بوقتي هنا أخي الكريم
شكراً لك
والتحايا أزكاها ..