24-05-2006, 01:38 PM
|
رقم المشاركة : 1
|
معلومات
العضو |
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
بين النقد الأدبي و الأديب - الجزء الثاني
 |
|
 |
|
إنَّ هذه الأسطر تأتي تكملةً لمقالةِ بين النقدِ الأدبي و الأديبِ , و التي كنت قد شرحت فيها و قدمت تعريفاً أوليّاً لمصطلحِ النقدِ الأدبي .
و وقفتُ عندَ عبارةٍ قلتُ فيها :" .... فإما ناقدٌ متطرّفٌ لفكرهِ فمن لا يكتب كما يهوى فليسَ بالأديبِ , و إمّا شخصٌ لا مبالٍ يزرعُ الكلام جزافاً , و شرُّ الأمر بالتقييد و الإطلاق ....".
و سأدعُ الحديثَ عن الطرفِ الثاني ممن يزرعون الكلام جزافاً لزمنٍ غير هذا و مقالةٍ سوى هذه , و ليسَ التأجيلُ لقلّةِ خطرٍ ينضوي تحته و ينتجُ عنه , إنّما لأهميّة فيه تتعلقُ بالنواحِ الثقافيةِ المتشعبةِ , و بحيث تأتي مجموعةَ المقالاتِ التي بين أيدينا كأساسٍ متينٍ له تتناسب و أبعاد زواياه الخطيرةِ .
أمّا الطرف الأول من المعادلةِ فهو الناقدُ الأدبي المتطرفُ لأفكارهِ الذي يشتُّ في الابتعادِ عن مركزِ النصِّ الأدبي , حتّى يصل إلى نتيجةٍ تحليليةٍ سلبيةٍ تعتّمُ على جماليةِ العملِ و تسلطُ الضوءَ على ما تستسيغه أهوائه .
و ما هذه الانحرافاتِ بشكليها المباشر و اللامباشر إلا انحرافٌ ناتج عن قوالبَ فكريّةٍ مسبقةِ الصنعِ .
يحاولُ من خلالها الناقدُ قولبةَ العملِ ضمن حدودٍ ضيّقةٍ جدّاً , لا تتناسبُ و كمّ الأفكارِ الأدبيةِ الهائلةِ , التي تدلّ عن رغبةٍ جماعيةٍ في إعادةِ بناءِ صروحِ الأدبِ العربيِّ, كي يساهمَ بشكلٍ فعّالٍ في بناءِ فكرِ الأمّةِ الحضاري و إنارةِ عقولِ أبناءِ الأمّةِ بعدَ أن حجبت شمسها غيومٌ لا محالةَ زائلةٌ , بل و أرى أقلاماً شبابيةً تحاولُ أن تسابقَ ذاتها للوصولِ إلى قمّةٍ يكونُ المجدُ تركةً و نصيباً لهم و لأمّتهم و أبناء بجدتهم.
و إنّ هذا ليدعو إلى التفاؤلِ و التشجيعِ لا إلى الخلافات الّتي تصلُ أحياناً إلى التناحرِ و التآمرِ محوّلين بذلك ساحاتِ الأدبِ و الثقافةِ من مراكزِ حوارٍ و عطاءٍِ إلى بؤرِ خلافٍ و شقاقٍ.
و إن نظرنا إلى أصلِ هذه الأمورِ لوجدناه يتعلقُ بشكلِ الأدبِ و هيكلهِ لا بمضمونهِ و جوهرهِ , و بمدرسةِ الأديبِ و معتقدهِ لا بإنسانيتهِ و خدمتهِ لواقعِ الأمةِ العربيةِ , و إنّ هذا الأمر يجعلنا نتوهُ في دوائرَ مغلقةٍ مركزها شكلُ العملِ الأدبيِّ , و محيطها الانعزاليةُ و عدمُ التواصلِ مع الآخرين .
و دليلُ ما أقول: أنّ بعضَ من يدَّعون الغيرةَ على الأدبِ العربيِّ و مكانتهِ ينفرُ من أعمالٍ أدبيةٍ فقط لمجرّدِ رؤيةِ الصياغةِ و القالبِ الأدبيِّ الّذي وضعت فيهِ كشعرِ التفعيلةِ و القصّةِ القصيرة .
و أحياناً كثيرةً يتجاوزُ الأمرُ هذا و نوغلُ في تطرّفنا و نخترعُ أساليبَ محترفةٍ بالشتمِ و السبِّ , ظاهرها أنيقٌ و باطنها كسمِّ الأفاعي.
نحاولُ من خلالها جلبَ الأدلَّةِ و إثباتِ الحججِ و تطبيقِ القوانينِ , لا للتدليلِ على أهميَّةِ الفكرةِ و أهدافها, بل لكيلِ التهمِ للآخرين , و قد تتجاوزُ التهمُ هذه حدَّ الأمورِ الأدبيةِ لتصلَ إلى مرحلةِ المساسِ بالقضايا الروحية و العقائديّة .
و هذا من أهمّ الأمورِ اّلتي تزرعُ الفرقةَ في صفوفِ الناشئةِ العربيّةِ , و تقتلُ روحَ العملِ و تجرفُ الأديبَ و الناقدَ معاً عن هدفِ الأدبِ و هو خدمةُ الإنسانيةِ و الأمةِ العربيةِ .
إنَّ قوالبَ المحاكمةِ المسبقةِ لدينا تشوّهُ النصَّ الذي بين أيدينا في عيون ِأنفسنا و أفكارنا قبلَ البدءِ بالقراءةِ , فمثلاً الاعتمادُ على قالبِ الشعرِ القديمِ ينفِّرنا بلا شعورٍ من شراءِ ديوانٍ للشعرِ الحديثِ بالرغمِ من أنَّ شعرَ التفعيلةِ قد أثبتَ مكانةً و حضوراً لافتاً في زماننا و أتقنَ لغةً لطيفةً تتوازى و تسمو أحياناً على بعضِ نماذجِ الشعرِ القديمِ , و رأينا من رموزِ هذا الشعرِ" الشاعرة مي زيادة" و" الشاعر بدر شاكر السيّاب" و غيرهم من الذين قدّموا نتاجاتٍ عظيمةٍ تسهمُ في بناءِ صرحِ و سوقِ الكلمةِ العربيةِ و الإنسانيةِ .
إنّ من يعانونَ من مثلِ هذهِ النظرةِ أقدّرُ مدى اهتمامهم و شوقهم إلى الماضي العظيم للأمّةِ العربيّةِ و أمجادِ أجدادنا عن طريقِ العودةِ إلى مناهلِ و ينابيعِ أعمالهم
كي نتعلمَ منهم مصادرَ الأمورِ و مبادئها , و لكن هذا لا يعني بأيّ شكلٍ من الأشكالِ أن نحبسَ أنفسنا بين أسوارِ الماضي و نتوه في دوائرهِ و نهملَ تطوراتِ الحاضرِ و سباقِ التطورِ و أهميَّتةِ , و عدم إدراك أنَّ لكلِّ زمانٍ أدواتٍ تحتِّمُ علينا استخدامها دونَ أن ننكرَ الأدوات القديمة .
و هذا المثالُ الذي أضربهُ على حالةٍ من حالاتِ المعاناةِ ينطبقُ على مثالٍ آخرَ يوجهُ عيونَ أفكارهِ على الحضارةِ الغربيةِ و نبذِ الماضي و التراثِ بكلِّ ما فيهِ من تاريخٍ و أمجادٍ و دروسٍ و عبرَ .
و هكذا فإن النقَّادَ و القرَّاءَ يندرجون اليومَ بأغلبيةٍ كبيرةٍ تحتَ مجموعتين :
المجموعة الأولى:ترى في الأدبِ القديمِ و عمالقتهِ ديناً مقدساً لا يجوزُ المساسُ به .
المجموعة الثانية:ترى بثقافةِ اللاقانون و اللاضوابط دواءً سيشفي داءً عضالاً حطّ من مكانةِ أمتنا و ما تعانيهِ, و مرشدها إلى ذلك منارةُ الغرب و ثقافته.
و كلّ نظرةٍ من هذه النظراتِ لها مشاكلها, سأقف على أهمها هنا:
فمشاكلُ المجموعةِ الأولى تبرزُ في أنّها منغلقةٌ على ذاتها في متاهةِ الماضي دونَ مواكبةِ الحاضرِ و أدواتِ الحضارةِ التي برزت في عصرنا, و التي لا تسيءُ إلى الماضي بل تعزِّزُ من مكانتهِ للاشتراك في الهدف نفسه .
و أما المجموعة الثانية فتعاني من خطرِ الانسلاخِ عن الحضارةِ الأمِّ و تقويض أساسٍ متينٍ للأدبِ العربيِّ, و من خطرِ اختلافِ الثقافاتِ و تباينها بين الأمَّم و الشعوبِ و لهذه النقطة سأفرد الحديثَ في مقالةٍ مستقلةٍ إن شاء الله .
لهذا كلّهِ أدعو الجميعَ إلى الحوارِ الَّذي لا يسبقهُ إلا النيَّةَ الصادقة و العملُ المخلصِ من أجلِ البناءِ و التعميرِ , و نبذِ القوالبِ المسبقةِ التي تؤدي بشكلٍ أو بآخرَ إلى الانحراف , لأننا عندما نقومُ بقراءةِ نصٍّ أدبيٍّ نجني ثمرةَ فكرٍ و لا نعلنُ بدايةَ حربٍ.
و نصوِّبُ الأمورَ بدافعِ الغيرةِ على الأدبِ لا بدافعِ إهانةِ الآخرَ و إيجادِ السبيلِ لكي نكذِّبهُ و نهينه .
و لقد صارَ من الواجبِ علينا إتقانُ لغةَ الحوارِ في عالمٍ أمسى كقريةٍ صغيرةٍ رغمَ اتساعه .
و أمسى تناقلُ المعلومةِ و الفكرةِ أسهلُ من الذهاب إلى السوقِ و شراءِ الكتبِ و الصحفِ لأنَّ الإنترنت و العلم قد دخلت إلى كلِّ بيتٍ و منزلٍ و هذه فرصةُ العربِ أن تقومَ أمجادهم في بناءِ صروحِ الإنسانيةِ و مواكبةِ الحضارة.
و إنَّ هذا الأمر يدعونا إلى إبرازِ شخصيتنا و ماضينا المتناسق مع حاضرنا و مستقبلنا , لا أن ننسفَ الماضي و نتنكرَ له كما يدعو البعض و لهذا الحديث بقية إن شاء الله تعالى .
بشار مرعي - سوريا |
|
 |
|
 |
|
|
|
|