ما ذا وراء "مطر الصيف" بعد "الوهم المتبدد"؟
نايف ذوابه
حينما تقوم إسرائيل بتصفية الناشطين السياسيين والعسكريين من خصومها لا تقوم بذلك تصفية للحسابات السياسية وحسب، وإنما تبتغي أيضاً من عمليات الاغتيال تنشيط العملية السياسية وتحسين جو أداء الحكومة التي يرأسها حزب كاديما النسخة المطورة عن الليكود الشاروني....
هذا ما ينبغي ألّا يغيب عن بالنا ونحن نحلل الأعمال العسكرية التي تقوم بها إسرائيل؛ لتذكّر بوجودها وبهيمنتها، وعلو صوتها لمن لا يسمعه، أو لا يرهبه في المنطقة؛ حتى يبادر سياسيو المنطقة إلى عرض خدماتهم عليها والشواهد أكثر من أن تنحصر ...
قامت إسرائيل باغتيال جمال أبو سمهدانة لمزيد من الضغط والإحراج لحماس، وقد تكون أحياناً حماس نفسها بحاجة لهكذا ضغوط لتعلل الاستجابة لضغوط قائمة في جبهة أخرى كالاستجابة لضغوط التوقيع على وثيقة الأسرى... وقامت إسرائيل باغتيال عائلة الطفلة هدى غالية في عملية ترويع كبرى للرأي العام الفلسطيني، ونقلت الفضائيات الصرخات المفجوعة للطفلة غالية وهي تردد: ياباااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه ولا من يسمع ولا من يردّ ... لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن ينادي ...إنها عملية ترويض للراي العام العربي كله، وليس للفلسطينيين وحدهم، يتعاون فيها الإعلام الرسمي العربي مع إسرائيل والغرب ...إسرائيل هي صاحبة الكلمة وهي صاحبة الأمر والنهي ....لذلك لم تزد ردود الفعل الرسمية العربية سوى عن مزيد من القبلات من محمود عباس على خدي أولمرت، ثم إفطار عمل في أحد الفصور الملكية برعاية ملك عربي!!
عملية الوهم المتبدد موجعة وقاسية لكن لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن الأعمال العسكرية هي الوجه الآخر للعملية السياسية، وهي سياسة بنكهة البارود بدل المراوغة وسياسة الاستنزاف والسقوط من الإعياء... هذه الردود الإسرائيلية التي صدرت عن مسؤول إسرائيليين كبار: يقول المعلق الإستراتيجي الإسرائيلي الجنرال (زئيف شيف): فإن مخططي العملية ومنفذيها أثبتوا أن لديهم قدرات كبيرة في جمع معلومات استخبارية فائقة الأهمية ساعدت على نجاح العملية بشكل تجاوز كل التوقعات. وحسب (شيف)، فإن المقاومين لم يقدموا على تنفيذ العملية إلا بعد أن عرفوا كل التفاصيل المتعلقة بالموقع المستهدف. ويعرب (يعكوف بيري) الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية (الشاباك) عن استهجانه من الجرأة التي ميّزت منفذي العملية الذين نفذوا العملية على الرغم من وجود تعزيزات عسكرية كبيرة جداً في محيط المكان. من ناحيته لا يرى الجنرال (دان روتشيلد) سبباً للشعور بالمفاجأة من جرأة منفذي العملية، قائلاً: "مثل هذه الجرأة هي صفة طبيعية لأناس يتبنون عقيدة دينية إسلامية، لكن المفاجئ بالنسبة لي هي قدرات التخطيط الفائقة التي ميزت الإعداد للعملية.
طبعا أسفرت العملية عن قتل ثلاثة جنود وجرح آخرين واختطاف جندي آخر... أرعدت إسرائيل وأرغت وأزبدت من أجل تسليمه بأقصى سرعة وتوسطت مصر من أجل ذلك، وما زالت ميليشيات أبو مازن وأجهزة استخباراته تجد في البحث عن الجندي المخطوف ....!!
وفي صباح هذا اليوم قررت إسرائيل القيام بعملية (مطر صيف) رداً على عملية (الوهم المتبدد) التي لم تلق حجراً في المياه الراكدة بل ألقت صخرة فأحدثت صوتاً ورجة وانداحت دوائر كثيرة، تلوح للمراقب فيها أبعاد سياسية قادمة تتناول العلمية السياسية، و(مطر الصيف) قد لا يبدو سيئاً للعملية السياسية، فهو على عكس ما يُظن يعمل على تهدئة لهيب الصيف لا على تسعيره(على الرغم من الترويع الذي تسببه هذه العملية للمدنيين المستهدفين بالغارات الوهمية والحقيقية وقصف محطة الكهرباء التي تغذي 70% من القطاع)، ولهذا اختار سياسيو إسرائيل هذا الاسم(مطر صيف) ليطلقوه على هذه العملية العسكرية التي يُتوقع أن يخلفها حالة من النشاط والانفراج السياسي، لا سيما وأن حماس قد مهدت لنتائج هذه العملية بتوقيع وثيقة الأسرى، والأعمال العسكرية التي هي -كما قلنا- الوجه الآخر للعملية السياسية، هذه الأعمال هي المبرر الإخلاقي للعملية السياسية بعد أن تصمت المدافع.....!!