الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-12-2011, 04:53 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمد الطيب
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد الطيب
 

 

 
إحصائية العضو







محمد الطيب غير متصل


افتراضي عودة السجين






عودة السجين




الليلة ، لفظته الزنزانة ، وتخلص منه السجان . ألفى نفسه ، مع بزوغ نور الفجر ، لأول مرة خارج المحمية بدون حراسة.

غير مكبل اليد ولا معصوب العين ، مسكوبا فوق كرسي الإسمنت ، بحديقة الشارع الرئيسي لمدينته .
حرك يديه ومسح على وجهه وعينيه .
حاول فتحهما فرشقهما الضوء .
لم يتحمله فأغمضهما .
ثم أخد يتعود على الضوء رويدا حتى انقشع الضباب وأخذ يتتبع المارة :
راجلين وسيارات وعربات .
استوى جالسا وكأنه يستعيد الحياة من جديد .
رقت لحاله امرأة وزوجها خرجا باكرا قصد السفر ، رأته مطويا فوق مقعد الحديقة العمومية
، شاحب اللون ،
نحيل البنية ،
ممزق الأطمار،
اقتربت منه وسلمت ،
يجيب بعينيه وملامحه ،
ولا ينطق لسانه .
لسانه لحمة محمرة متفخة ضاق بها تجويف فمه وما تبقى من اسنانه.
ألقت في يده بعض الدنانير صدقة لوجه الله . أبصرهما ، ولم يتبين ما قالت ، وإنما سمع دويا عميقا غير مفهوم .
مد يديه يشير ..
ساعدوني لأقف .
حاولا معه حتى استوى قائما
أخذ يخطو بعض الخطوات .
حمد الله كثيرا لا زال قادرا على المشي،
يطلب منه العون والقدرة ليصل عند أهله .
سلمته المرأة بعض ما معها من الزاد وانصرفا .
حاول أن يتناول منه قليلا فما استطاع مضغه وبلعه .
أخذ يسترجع معالم المدينة ومسالكها .
تغيرت معالمها كثيرا ،
بنايات شاهقة متراصة على جنبات الشارع ، ولوحات إشهار فاخرة زينت واجهات المحلات التجارية .
تأمل المكان وتبين أنه على مسافة من بيت أهله .
استرجع ذاكرته ،
تعرف على الموقع كما تعرف على بعض الوجوه من المارة ،
ولكن أحدا لم يستطع اكتشاف هويته.
إنه تغير راسا على عقب .
أصبح ، مقوس الظهر ،
أصلع الرأس ،
أصفر البشرة ،
غائر العينين ،
لا يمت بأية صلة لما كان عليه قبل اختفائه .
تدحرج ببطء شديد،
يخطو خطو السلحفاة نحو بيت أهله .
يتوقع لقاء زوجته التي تركها حاملا من شهرين ، ورؤية والديه المنكوبين والمكلومين بفقدانه ، والسلام على أخته التي تليه ،
وتفقد أخيه المشاكس العنيد .
تذكر كيف كانت أخته تلهو بفناء الدار ، مع بعض بنات الجارة بالعرائس ، المصنوعة باليد ، المكسوة ببعض بقايا القماش المزركش ،
كما تذكر أخاه الأصغر المشاغب ، وصعوبة انصياعه لأوامر كل كبير في الأسرة .
لقي في طريقه أحد طلابه بالجامعة آنذاك ،
لم تتغيرهيئة الطالب ولا ملامحه .
توقع أنه سيصافحه ويعانقه ،
لكنه أيضا لم يتعرف على السجين المشرد . وضع الشخص بعض الدنانير بيده صدقة وتابع طريقه .
تيقن عندها أنه مجهول في البلد .
استمر في شق طريقه دون أن يعبا بأحد ،
لأنه في نظرهم في عداد الموتى ،
وعاد اليوم بهيكل وهيئة وملامح غريبة ومشوهة . .
قضى اليوم كله في الطريق إلى البيت .
وقف قليلا بمدخل الزقاق المؤدي إليه ،
بدأ يتبين الأصوات ويميز بينها .
يتأمل الوجوه ويحييها في صمت ،
بعضهم من أصدقائه ومعارفه وجيرانه ،
لم يأبه أحد بحضوره إلى الحي ،
تابع طريقه ، يتهادى ويترنح ،
حتى ولج باب البيت .
لعلها البناية الوحيدة في المدينة التي لازالت على أصلها .
لم تتأثر كثيرا بعوامل الدهر .
توجه إلى حجرته القديمة ،
وجدها هي هي بأثاثها وتجهيزاتها وأغراضها ، وكأنه خرج منها لبعض الوقت ثم عاد .
تفوح من أثاثها رائحة غريبة
استقبله فتى من سكان الدار، في ريعان شبابه .
سأله الشاب عن وجهته وغرضه .
لم يتمكن من الجواب .
وأنى له أن يفعل !
وما وسيلته للحديث والتخاطب ؟
إنه عاجز عن النطق والتعبير .
اكتفى في الرد بعبرات الدمع المنهمر، المبلل لشعر لحيته الرث المبعثر .
استعاض عن النطق بحركات أنامله المرتجفة .
لم يتمكن الفتى من معرفة قصده ووجهته ،
اعتقد أنه في حاجة لأكل أو مساعدة .
أخذ بيده ورافقه إلى خارج المنزل ،
سلمه بعض النقود والطعام . وودعه .
التفت العائد يمنة ويسرة ،
حاول طرق الباب فلم يستطع .
لجأ إلى ركن بجوار الباب محاولا الاستسلام إلى النوم .
لأول مرة منذ سنوات ينام حرا طليقا بمكان هو الذي اختاره لنفسه .
تغمره سعادة دفينة ،
لأنه لم ييأس من لقاء أبويه وأهله .
لم يلم الفتى على صنيعه .
أصر على البقاء حتى يتبين مصير زوجته وذويه .
نسي الفتى ، ولم يخبر أمه وجدته بالغريب . فقضى ليلته بالعراء .
وفي الصباح الباكر خرج الفتى - كعادته - لأداء صلاة الصبح في مسجد الحي ، فوجد الغريب جالسا القرفصاء تصطك جوانحه من شدة البرد . فرق لحاله ، وأدخله إلى البهو وزوده بألبسة وأغطية ، وتركه .
عرجت أم الفتى بعد برهة على البهو ، فاستغربت وجود شخص غريب مستغرق في نوم عميق . تركته وعادت لإتمام بقية أشغالها .
ثم لم تطمئن ، فعادت إلى البهو من جديد، وأزاحت الغطاء عن وجه النائم .
رجل مشرد ، ومن الذي أدخله وأحسن إليه ؟
ملامحه مالوفة عندها .
فقالت في نفسها : يخلق من الشبه أربعين ... سبحان من لا شريك ولا شبيه له ...
سالت ابنها بعد عودته ،
أجاب بأن الغريب ولج الدار مساء أمس ، وأخرجته ، ففضل قضاء الليل بجاورها ، ولما شعر بقربي منه صباحا أخذ يشير بأصبعه إلى صدره ثم إلى الدار . وكأنه يرغب في الاحتماء من لفحات البرد القارس داخل الدار ،
فلبيت رغبيه .
ردت الام على ابنها ، ملامحه غير غريبة علي .
إنها مألوفة عندي .
استعان الغريب بهما ليجلس ، ودموعه لا زالت وسيلة تعبيره الوحيدة عن آلامه وحسرته ورغباته .
الجدة مقعدة في سريرها تنادي الفتى من بيتها .
شعرت بالغريب ،
سمعت حديثهم عنه ، فحركتها عاطفة الأمومة ،
تحدت الآلام والمرض وأخذت بيد حفيدها متوجهة نحو الغريب .
بادرها الغريب قبل وصولها وحاول اعتصار الحروف ، وناداها بصوت مضطرب غير واضح ولا مفهوم
" أمي " ،
سمعته ، وفهمته ، وعرفته ، وصاحت بأعلى صوتها :
ابني الحبيب ...
ابني الحبي ...
ابني الح ...
وهوت إلى الأرض مغشيا عليها .
كانت صدمة المفاجأة أقوى من قدرة تحملها .










 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 10:05 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط