|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
ذات صيف بعيد … * حنان بيروتي ذات صيف بعيد لستُ أدري ما أصابني ، قشعريرة تعتري جسدي الصغير .. أغفو على صوت أمي تدندن لي كي أنام ، لا أعرف لِـمَ تبكي وهي تتفحص وجهي ، أحسّ برائحتها وأنفاسها قريبة ، أتمنى لو أقول لها : يـمّـه اتركيني لأغفو قليلاً ! لا أطلب شيئاً إلا شربة ماء ! أستغرب أن تعمد لإشغال ( الكانون ) في هذا الجوّ الحار ، أرقبها وهي تسحب بطانية من مطوى الفراش في زاوية الغرفة ، بيتنا غرفة ومنافعها وحوش صغير ، " روح الدار " كما تردد أمي دائماً في الأماسي الصيفية ، تقترب مني ، وتلف جسدي بالبطانية ، لا يظهر إلا وجهي ، تضمُّ ساقيّ وتربطهما بإحكام .. أحاول التـفلُّـت.. الحركة ، فلا أستطيع الاحتجاج إلا بالصراخ ، الحرارة تزداد .. أكاد أختنق ! ما الذي يحدث ؟ ! أرقب أمي بقلق وهي تغلق النافذة اليتيمة وتوصد الباب الخشبي لا بل وتحشو قطعة قماش في فتحة الباب .. يـمّـة ! ! لماذا تفعلين بي ذلك ؟ ! .. لا أستطيع الكلام ، أشعر بحرّ شديد ... عطش .. أكاد أنفجر .. أريد ماء ! ! كم هو مؤلم مـا أحسّ به ، حرام عليك ما تفعلينه بي ! يـمّـه حرام ! ! عرفتك حنونة فماذا أصابك اليوم ؟ ! أمي تقف هناك قرب الجدار وهي ترقبني ، تردّد كلمات سريعة مبهمة ، أركِّـز عليها نظرة مستغيثة .. أترجّـى قطرة ماء .. تبدو الشفقة والتعاطف في وجههـا غير أنها تتردد وتجمد مكانها ، وأنا أحترق .. جسدي أحسه جمرة ، أليس مبكراً أن أكابدَ كل هذه الأوجاع وهذه المقاساة ، أحس بجسدي يتفلَّـت مني ، أتخيل بأني أسبح في ماء بارد ، أو أحبو في حوش الدار بملابس خفيفة .. ثمـة أشخاص لا أعرفهم بدأوا بالتوافد إلى الغرفة ، يدخلونها دون أن يفتحوا الباب أو يستأذنوا ، يقفون حولي وهم يشيرون لي بالاقـتراب … أمي تقف جامدة كأنها لا تراهم ، أشعر بالحزن لأني سأغادرها ، وبين رغبتي في الخلاص وتشبُّثي بالبقاء ، أراها تقترب مني ، وتخلِّص جسدي من الغطاء الثقيل ، ترفعني بين ذراعيها ، تبكي ، جسدي مرتخٍ وعيناي نصف مفتوحتين ووجهي محمرّ ، أستشعر شهقاتها وخوفها المتوجس وهي تقبّـلني ، تمسك امرأة لا أعرفها بيدي ، أشعر بارتياح ، الحرارة والألم والاختناق تبدأ بالانسلال مني ، لكنّـا لا نغادر ، تقترب مني طفلة وهي تهمس : أن لا بدّ من الانتظار لبضع دقائق أخرى ريثما ينتهي الأمر .. لم يعد هناك ألم .. بقايا صغيرة تتلاشى أشبه بكابوس يوشك على الانتهاء … اسمع صوت أمي وهي تصرخ : راح الولد ! ! الولد راااح ! ! ياااناس ! في صراخها فزع ، تشرع الباب الموصد وتهرول للخارج وهي تولول .. الحقوني!…. الحقوني ! ! أرى نساء يحطن بأمي ، تقترب إحداهنّ ، أجفل وأنا أرقب ملامحها الصارمة وهي تبعـد النساء وترفع جسدي إليـها وتتمتم قربه بكلمات متزاحمة ، ثم تقول بلهجة من لا يصدق هو بذاته ما يقول : ما تخافيش يا أم جمال ! هسا بناملك ساعتين أو ثلاث وبصحى مثل الحصان ! ! لكن أمي تصرخ غير مصدقة : لا يبدو بأنه بخير ! قلبي غير مطمئن ! ! تصرخ المرأة متنمِّرة في وجهها : أستغفر الله العظيم منك يا مرا ! ابنك محصّـب يعني ميّـت ميّـت ! وأنا ساعدتك بما أعرف قلتلك ، اكمريه ! الكمر مجرَّب وأحسن علاج ! ثم تلقي بجسدي المتهالك في حضن أمي المصدومة وهي تردد كمن يريد الخلاص من موقف مزعج : اعملْ خيراً شراً تلقَ ! ! وتغادر .. وأمضي مبكراً عن عالم لم أشهد منه غير صور متناثرة مبهمة .. ما أطولَ الليلَ ! كئيبة هذه الليلة ومحمَّـلة برائحة الألم والنزاع الأخير .. وهذه المرأة المصلوبة على سريرها لا تنام ولا تتوقف عن الأنين والشكوى ! يا لطلباتها التي لا تنتهي ! " جيسيكا "خادمتها الفلبينية تكاد تضيق ذرعاً بها ، النعاس والإرهاق يهدها لكنّ المرأة لا تعرف الهدوء .. " ارفعي قدمي قليلاً .. آآخ .. كم يؤلمني كتفي ! لا تتركيني هذه الليلة غداً سأنام وأريحك ! .. ما هذا الوجع الذي يصعب وصفه .. يفوق احتمال البشر ، إن شاء الله ما يذوقه أحد ! " لا صديق ولا عدوّ ! " جيسيكا " يغلبها النعاس ، تتمدد على الاسفنجة المفروشة في الجهة المقابلة للسرير ، تتجاهل نداءها قبل أن تذهب في إغفاءة مشتهاة .. لا تعرف كم غفت قبل أن تستفيق على المرأة وهي تهذي بوهن : جمال ! هيوه جمال ! يا حبيبي يـمّـه ! … ـ مَن جمال الذي تناديه ( ماما ) في الليل ؟ ! يصطدم سؤالها بعيون مفتوحة على آخرها بدهشة وكلمات مقتضبة حول أخ توفي صغيراً بالحصبة منذ أكثر من أربعين عاماً ! ذات صيف بعيد كان يوماً حاراً محمّـلاً برطوبة مزعجة ، راقبتْ بفزع الحبيبات المنتثرة على وجهه وخلف أذنية ، تأمّلت لونها المائل للإحمرار ، تذكرت قصص جاراتها عن الحصبة ، كشفت عن ظهره وجدت الـحُبيبات اللعينة تنتشر عليه .. " يا ويلي ! الولد محصِّـب ! " لا بدّ أنّ عيناً أصابته ، فبالأمس كانت جَـمْـعة النساء الأسبوعية في بيتها ، كان جمال قد أفاقَ للتوّ من نومه ، بوجهـه الأبيض المشوب بحمرة خفيفة تنقَّـل من حضن لآخر بين الشهقات والنظرات الصائبة ، فهو قد مشى وسنّـن مبكراً ، لم ترَ النساء أجمل منه ! يبدو ذكياً وبصحّـة جيدة وأكبر من سنّـه .. لا بدّ أنّ عيناً لعينة أصابته ! ! واليوم تظهر عليه أعراض الحصبة ! هي في قرية نائية مع زوجها الذي يعمل في الجيش ، لا أطباء هنا ! ! أقرب ( حكيم ) يبعد مسافة ثلاث ساعات ونصف .. وبالسيارة ! ! من أين لزوجها أن يأتي بإجازة ؟ ! لا بدّ أن تستشير جاراتها .. أشارت إحداهنّ عليها بأن تسأل الداية ( أم غصّاب ) والتي سمعتْ عنها بأنها تعرف الكثير من العلاجات الموصوفة المجرَّبـة .. تمسك بالطفل وتطلب منها أن تخلع عنه كلّ ملابسه حتى تميّـزَ حُـبيبات الحصبة عن غيرها ، تقلّـبه .. يزعق الولد: أيوه ! أيوه ! عليه عين ومحصّـب وجايته قوية و … يجفل قلبها برعب حقيقي : لا ! لا تقوليها ! إلاّ جمال ! حبّـة قلبي ونور عيني ! دبريني الله يستر عليك دنيا وآخره .. وأنا بكرمك ! ! ـ : هناك طريقة واحدة موصوفة لينجو ويعيش .. أكمريه ! ! وتملي عليها التفاصيل … تقترب من طفلها الغافي وقد ارتفعت درجة حرارته ، تنـفِّـذ مـا أوصت به ( أم غصّـاب ) … تلفّـه بإحكام ببطانية ثقيلة وتربط ساقيه وذراعيه بعد أن تمدهما على جنبيه كي لا يهرب من الحرارة ، تغلق فتحات الباب .. تردّد الدعاء له بالشفاء وردّ العين .. ترقبه بإشفاق وهو يطلب الماء ، لكنّ كلام النساء المحذّر يمنعها من الاستجابة، " لا تسقيه ولا نقطة ميّ ! ! " لكنّ الخوف يمزّق قلبها وهي ترقب وجهه المحمـرّ أشبه بحبة بندورة ناضجة ، تخلصه من غطائه الثقيل .. تستشعر بهلع ارتخاءة جسده في حضنها ، ملتهب مثل جمرة والعرق يغرق مسامه كلها .. أنفاسه ضعيفة .. تصرخ بأعلى صوتها .. تستغيث .. لا تتلقّى غير كلمات مواربة .. هسّا بنام .. بصحى مثل الحصان ! ! … لكنّـه لم ينم ، بقي يئنّ بين ذراعيها مثل دجاجة نصف مذبوحة حتى أسلم الروح ! ! سنوات طويلة مرت ، أنجبت بعده الكثير من الأولاد ، لكـنّها لم تنسه قطّ ! بقي جرح جمال غائراً في قلبها ينزّ ندماً ودماً … ونـمضي معاً .. ! ! أرى أمي وقد تغيرت كثيراً ! ! أرقب سريرها وأثاث الغرفة والفتاة الغافية في الجهة المقابلة ، تبدو أمي متألمة تقاسي أوجاعها الأرضية ، تنادي باسمي : جمال : هيوه جمال .. يا حبيبي يـمّـه! ! يهمس : أبي وهو يتأمّـلها بإشفاق : ما زالت تقاوم ! ترفض أن تأتي معنا .. لكنّ الأمر لن يطول كثيراً ! ! تقول لفتاة تقف قربـها .. لقد جاؤوا .. جاؤوا ليأخذوني ! " تتلفت الفتاة حولها بخوف لكنها لا ترانا .. اسمع أصواتاً .. يـمّـه ! … يـمّـه ! .. لا تستجيب .. سننقلها للمستشفى .. دخلتْ في غيبوبة .. ربما !! .. يرفعونها على حمالة ، خلف كمامة الأكسجين . تخمد أنفاسها .. أساعدها على النهوض .. ونمضي معاً … ! ! |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
الأديبة الكريمة ،، |
|||
|
![]() |
|
|