الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-04-2009, 08:16 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
حنان بيروتي
أقلامي
 
إحصائية العضو







حنان بيروتي غير متصل


افتراضي ذات صيف بعيد …

ذات صيف بعيد …

* حنان بيروتي
ذات صيف بعيد
لستُ أدري ما أصابني ، قشعريرة تعتري جسدي الصغير .. أغفو على صوت أمي تدندن لي كي أنام ، لا أعرف لِـمَ تبكي وهي تتفحص وجهي ، أحسّ برائحتها وأنفاسها قريبة ، أتمنى لو أقول لها : يـمّـه اتركيني لأغفو قليلاً ! لا أطلب شيئاً إلا شربة ماء !

أستغرب أن تعمد لإشغال ( الكانون ) في هذا الجوّ الحار ، أرقبها وهي تسحب بطانية من مطوى الفراش في زاوية الغرفة ، بيتنا غرفة ومنافعها وحوش صغير ، " روح الدار " كما تردد أمي دائماً في الأماسي الصيفية ، تقترب مني ، وتلف جسدي بالبطانية ، لا يظهر إلا وجهي ، تضمُّ ساقيّ وتربطهما بإحكام .. أحاول التـفلُّـت.. الحركة ، فلا أستطيع الاحتجاج إلا بالصراخ ، الحرارة تزداد .. أكاد أختنق ! ما الذي يحدث ؟ !

أرقب أمي بقلق وهي تغلق النافذة اليتيمة وتوصد الباب الخشبي لا بل وتحشو قطعة قماش في فتحة الباب .. يـمّـة ! ! لماذا تفعلين بي ذلك ؟ ! .. لا أستطيع الكلام ، أشعر بحرّ شديد ... عطش .. أكاد أنفجر .. أريد ماء ! ! كم هو مؤلم مـا أحسّ به ، حرام عليك ما تفعلينه بي ! يـمّـه حرام ! ! عرفتك حنونة فماذا أصابك اليوم ؟ !

أمي تقف هناك قرب الجدار وهي ترقبني ، تردّد كلمات سريعة مبهمة ، أركِّـز عليها نظرة مستغيثة .. أترجّـى قطرة ماء .. تبدو الشفقة والتعاطف في وجههـا غير أنها تتردد وتجمد مكانها ، وأنا أحترق .. جسدي أحسه جمرة ، أليس مبكراً أن أكابدَ كل هذه الأوجاع وهذه المقاساة ، أحس بجسدي يتفلَّـت مني ، أتخيل بأني أسبح في ماء بارد ، أو أحبو في حوش الدار بملابس خفيفة .. ثمـة أشخاص لا أعرفهم بدأوا بالتوافد إلى الغرفة ، يدخلونها دون أن يفتحوا الباب أو يستأذنوا ، يقفون حولي وهم يشيرون لي بالاقـتراب …

أمي تقف جامدة كأنها لا تراهم ، أشعر بالحزن لأني سأغادرها ، وبين رغبتي في الخلاص وتشبُّثي بالبقاء ، أراها تقترب مني ، وتخلِّص جسدي من الغطاء الثقيل ، ترفعني بين ذراعيها ، تبكي ، جسدي مرتخٍ وعيناي نصف مفتوحتين ووجهي محمرّ ، أستشعر شهقاتها وخوفها المتوجس وهي تقبّـلني ، تمسك امرأة لا أعرفها بيدي ، أشعر بارتياح ، الحرارة والألم والاختناق تبدأ بالانسلال مني ، لكنّـا لا نغادر ، تقترب مني طفلة وهي تهمس : أن لا بدّ من الانتظار لبضع دقائق أخرى ريثما ينتهي الأمر .. لم يعد هناك ألم .. بقايا صغيرة تتلاشى أشبه بكابوس يوشك على الانتهاء …
اسمع صوت أمي وهي تصرخ : راح الولد ! ! الولد راااح ! ! ياااناس !

في صراخها فزع ، تشرع الباب الموصد وتهرول للخارج وهي تولول .. الحقوني!…. الحقوني ! ! أرى نساء يحطن بأمي ، تقترب إحداهنّ ، أجفل وأنا أرقب ملامحها الصارمة وهي تبعـد النساء وترفع جسدي إليـها وتتمتم قربه بكلمات متزاحمة ، ثم تقول بلهجة من لا يصدق هو بذاته ما يقول : ما تخافيش يا أم جمال ! هسا بناملك ساعتين أو ثلاث وبصحى مثل الحصان ! !

لكن أمي تصرخ غير مصدقة : لا يبدو بأنه بخير ! قلبي غير مطمئن ! ! تصرخ المرأة متنمِّرة في وجهها : أستغفر الله العظيم منك يا مرا ! ابنك محصّـب يعني ميّـت ميّـت ! وأنا ساعدتك بما أعرف قلتلك ، اكمريه ! الكمر مجرَّب وأحسن علاج !

ثم تلقي بجسدي المتهالك في حضن أمي المصدومة وهي تردد كمن يريد الخلاص من موقف مزعج : اعملْ خيراً شراً تلقَ ! ! وتغادر ..
وأمضي مبكراً عن عالم لم أشهد منه غير صور متناثرة مبهمة ..

ما أطولَ الليلَ !
كئيبة هذه الليلة ومحمَّـلة برائحة الألم والنزاع الأخير .. وهذه المرأة المصلوبة على سريرها لا تنام ولا تتوقف عن الأنين والشكوى ! يا لطلباتها التي لا تنتهي !

" جيسيكا "خادمتها الفلبينية تكاد تضيق ذرعاً بها ، النعاس والإرهاق يهدها لكنّ المرأة لا تعرف الهدوء .. " ارفعي قدمي قليلاً .. آآخ .. كم يؤلمني كتفي ‍! لا تتركيني هذه الليلة غداً سأنام وأريحك ‍! .. ‍‍‍‌

ما هذا الوجع الذي يصعب وصفه .. يفوق احتمال البشر ، إن شاء الله ما يذوقه أحد ! " لا صديق ولا عدوّ ! " جيسيكا " يغلبها النعاس ، تتمدد على الاسفنجة المفروشة في الجهة المقابلة للسرير ، تتجاهل نداءها قبل أن تذهب في إغفاءة مشتهاة .. لا تعرف كم غفت قبل أن تستفيق على المرأة وهي تهذي بوهن : جمال ! هيوه جمال ! يا حبيبي يـمّـه ! …

ـ مَن جمال الذي تناديه ( ماما ) في الليل ؟ !
يصطدم سؤالها بعيون مفتوحة على آخرها بدهشة وكلمات مقتضبة حول أخ توفي صغيراً بالحصبة منذ أكثر من أربعين عاماً !

ذات صيف بعيد
كان يوماً حاراً محمّـلاً برطوبة مزعجة ، راقبتْ بفزع الحبيبات المنتثرة على وجهه وخلف أذنية ، تأمّلت لونها المائل للإحمرار ، تذكرت قصص جاراتها عن الحصبة ، كشفت عن ظهره وجدت الـحُبيبات اللعينة تنتشر عليه .. " يا ويلي ! الولد محصِّـب ! " لا بدّ أنّ عيناً أصابته ، فبالأمس كانت جَـمْـعة النساء الأسبوعية في بيتها ، كان جمال قد أفاقَ للتوّ من نومه ، بوجهـه الأبيض المشوب بحمرة خفيفة تنقَّـل من حضن لآخر بين الشهقات والنظرات الصائبة ، فهو قد مشى وسنّـن مبكراً ، لم ترَ النساء أجمل منه ! يبدو ذكياً وبصحّـة جيدة وأكبر من سنّـه .. لا بدّ أنّ عيناً لعينة أصابته ! ! واليوم تظهر عليه أعراض الحصبة ! هي في قرية نائية مع زوجها الذي يعمل في الجيش ، لا أطباء هنا ! ! أقرب ( حكيم ) يبعد مسافة ثلاث ساعات ونصف .. وبالسيارة ! ! من أين لزوجها أن يأتي بإجازة ؟ ! لا بدّ أن تستشير جاراتها .. أشارت إحداهنّ عليها بأن تسأل الداية ( أم غصّاب ) والتي سمعتْ عنها بأنها تعرف الكثير من العلاجات الموصوفة المجرَّبـة .. تمسك بالطفل وتطلب منها أن تخلع عنه كلّ ملابسه حتى تميّـزَ حُـبيبات الحصبة عن غيرها ، تقلّـبه .. يزعق الولد: أيوه ! أيوه ! عليه عين ومحصّـب وجايته قوية و …
يجفل قلبها برعب حقيقي : لا ! لا تقوليها ! إلاّ جمال ! حبّـة قلبي ونور عيني ! دبريني الله يستر عليك دنيا وآخره .. وأنا بكرمك ! !

ـ : هناك طريقة واحدة موصوفة لينجو ويعيش .. أكمريه ! ! وتملي عليها التفاصيل …
تقترب من طفلها الغافي وقد ارتفعت درجة حرارته ، تنـفِّـذ مـا أوصت به ( أم غصّـاب ) … تلفّـه بإحكام ببطانية ثقيلة وتربط ساقيه وذراعيه بعد أن تمدهما على جنبيه كي لا يهرب من الحرارة ، تغلق فتحات الباب .. تردّد الدعاء له بالشفاء وردّ العين .. ترقبه بإشفاق وهو يطلب الماء ، لكنّ كلام النساء المحذّر يمنعها من الاستجابة، " لا تسقيه ولا نقطة ميّ ! ! "

لكنّ الخوف يمزّق قلبها وهي ترقب وجهه المحمـرّ أشبه بحبة بندورة ناضجة ، تخلصه من غطائه الثقيل .. تستشعر بهلع ارتخاءة جسده في حضنها ، ملتهب مثل جمرة والعرق يغرق مسامه كلها .. أنفاسه ضعيفة .. تصرخ بأعلى صوتها .. تستغيث .. لا تتلقّى غير كلمات مواربة .. هسّا بنام .. بصحى مثل الحصان ! ! …

لكنّـه لم ينم ، بقي يئنّ بين ذراعيها مثل دجاجة نصف مذبوحة حتى أسلم الروح ! ! سنوات طويلة مرت ، أنجبت بعده الكثير من الأولاد ، لكـنّها لم تنسه قطّ ! بقي جرح جمال غائراً في قلبها ينزّ ندماً ودماً …

ونـمضي معاً .. ! !
أرى أمي وقد تغيرت كثيراً ! ! أرقب سريرها وأثاث الغرفة والفتاة الغافية في الجهة المقابلة ، تبدو أمي متألمة تقاسي أوجاعها الأرضية ، تنادي باسمي : جمال : هيوه جمال .. يا حبيبي يـمّـه! !
يهمس : أبي وهو يتأمّـلها بإشفاق : ما زالت تقاوم ! ترفض أن تأتي معنا .. لكنّ الأمر لن يطول كثيراً ! !
تقول لفتاة تقف قربـها .. لقد جاؤوا .. جاؤوا ليأخذوني ! "
تتلفت الفتاة حولها بخوف لكنها لا ترانا ..
اسمع أصواتاً .. يـمّـه ! … يـمّـه ! .. لا تستجيب .. سننقلها للمستشفى .. دخلتْ في غيبوبة .. ربما !! .. يرفعونها على حمالة ، خلف كمامة الأكسجين . تخمد أنفاسها .. أساعدها على النهوض .. ونمضي معاً … ! !






 
رد مع اقتباس
قديم 04-09-2025, 03:23 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أحمد فؤاد صوفي
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







أحمد فؤاد صوفي متصل الآن


افتراضي رد: ذات صيف بعيد …

الأديبة الكريمة ،،
رأيت في قصتك ثقة كبيرة في السرد تشابه ثقة المحترفين ،،
القصة قوية ومتكاملة، وفكرتها جديدة ،،
وقد استمتعت بقراءتها ،،
سلمت الأيادي ،،
تقبلي ودي واحترامي ،،







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 04:25 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط