بلا عودة
بين أحضان الحزن يبكي .. يلتف حول نفسه ، يحتضن بندقيته الخشبية بشراسة ، ثم يدفن رأسه بين ركبتيه ، يلتف الصغار من حوله ، يقتربون بحذر ، لكنه لم يتعقبهم هذه المرة ، ولم يقذفهم بالشتائم واللعنات ، أحذ يحتضن نفسه أكثر زادت ارتعاشاته ، واعتلت أناته ، نظر المارة إلى تاريخ اليوم وأدركوا الذكرى ..
ما زال يقاتل مع رفاقه .. ينطلق بأقصى سرعته نحو الصندوق الأخير ، يدوي انفجارً هائلاً ، يتحسس نفسه ، يتأكد من حياته محتضناً صندوق الذخيرة الأخير ، ينتشر من حوله عبق الدماء .. يبدأ في تحريك أطرافه .. يحاول التخلص من تلك الأنقاض ..
ينغرس في أشلاء الرفاق ، يتفقد ما تبقى من ملامحهم ، وينخرط في البكاء، يشهق محاولاً فتح منفذ للتنفس .. تتجمع أمامه أشلاؤهم .. يتحركون تجاهه في هدوء ، ينادونه ، فيبتعد مذعوراً ، يتشبثون به ، ينفجرون مرة أخرى ، فيتوحد معهم صراخاً ، حتى ينحبس صوته ..
تختلط رؤيته لما حوله ، يعود منكمشاً داخل نفسه .. يستنجد بالقوم ، فيلكزه أحدهم .. يجلسان معا يتناولان ما تبقى من طعام .. يستيقظ فزعاً يتأكد من ذهاب عقله .. تحاول بعض الحشرات اختراق ملابسه .. يتفرغ لإبعادها ، ويعاود صراخه طمعاً في مرور أحياء ..
يغلبه النوم مرات ، يصحو أخيراً على همهمات للحياة ، ينطقون بالشهادتين من حوله ، يسحبونه في صعوبة ، فينجحون في تحريك جسده المنكمش...
يرفع رأسه من بين ركبتيه ، ينظر إلى التاريخ مرة أخرى ، ينادي رفاقه بكل قوته ، يتراقص مع أرواحهم ، يجمع القمامة ثم يبعثرها في شارع آخر .. يشيح ببندقيته الخشبية ، ويطلق الهستريا في وجوه الجميع