الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-03-2007, 09:29 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
حسين موسى
أقلامي
 
إحصائية العضو







حسين موسى غير متصل


الابحار في الممنوع

جاء صوتها كبركان انفلت من عقدة الأرض ، وتوازن الجغرافيا، وخرج عن كل العلوم ، وحده علم الأسى الذي لا يدرّس في المدارس والأكاديميات ، تعربش حنجرتها كدالية استيقظت من سبات الفصول ، وتحول كبت أعنابها إلى"زبيب".
- دع عنك الهموم ، وامض إلى بوح الراحة ، والصفاء..!
كانت الصدمة تعتريني ، تقذف عناصر تكويني الكيميائية إلى الهواء ، تشكل جزيئات ومواد مختلفة، وأطياف مثل دمي ، ولون جسدي المتآكل بفعل سكاكين الجراحين..؟

انهض من إغفاءة حلم يسترجع صورتها ، وطبيعتها الهادئة ، كموجة ارتطمت بصخرة بحرية، ما لبثت أن أعادت السباحة إلى وجه الماء المعكر بالزبد، وملوحة ترتدي لونا لم تعرفه قط الألوان، خربشت أخاديدها فعل حب ومقاومة وفعل احتواء.
تركت في عنفوان الصخرة بعضا من آثارها لتضمها إلى أحشائها ، وتطعم الباقي لموجة جوعى جديدة أتعبها المسير.
إنها ليست كأي كائن آخر ، فللبحر سره وفلسفته، يقف وراء سبورة الطبيعة ،ويقتفي نعل الجبال، ليطل علينا بأسراره كلوحة تشكيلية لفنان عالمي..

الكل فينا يجهد بتحليل أبعاد اللوحة والألوان ، والخطوط ، فالبعض يضحك ، وآخر يبكي، وذاك يتسمر مشدوها ، وذيك تبحث عن صورتها في عقم شريان الفنان ، وزخم أفكار الناقد ، تقرب الأشياء إلى ذاتها ومفاصل الأنوثة لديها .

وحدها أحاسيس الرسام تطبع نفسها وتأسره في زنزانة القماش والخشب.. تتنفس سم غليونه ،وتواشيح أعواد الثقاب المحترقة ، وراحة جثة الرماد المنتحر، كامرأة هندوسية قتلها العشق ، تسارع الى الاغتسال شوقا للقاء الحبيب في نهر الغانج المقدس.
ويحذوها إيمانها أن تجتمع معه في "بوذا" ، المعبدة شرايينه من التقاء نهري "غنجا" و"جمنا" كبصرة العرب .

كنت أدرك حزنها ، الساكن في ولع الأيام ، وكانت الأمواج تحول بيني ، وميناء عينيها، الذي تفضح منارته كل شيء.. ولن يقوى الضوء المنبعث منها ، على استيضاح الثوب الذي يغوص نصفه في الماء ، كحورية تندس في كتب الأطفال ، وقصص الجدات، تسهبن في وصف نصفها الآدمي ، كملاك هبط من السماء، يحمل سر الله في خلقه ، أبدع فيه وصوّر.

لقد تناهى الى سمعي ، هذا النصف العلوي ، فيما تسب نصفه الاخر الى مشاعري، يقلبها على نار الحزن الذي تجمل حسنها وأنفتها.

كانت مثلي بحاجة لمن يجفف ثوبها ، او يمنع الأصداف البحرية من بناء أعشاشها في فناء قدميها .
ليت تلك المخلوقات تفرّج بين شفتيها ، لنستأنس بالابتسام ، ربما كانت تدرك بغريزة ما ، أنها ستكون الطبق الأشهى عند الأثرياء ، تزين موائدهم ، ربما لايستسيغون مذاقها ، لكنه حب التملك والمفاخرة .
وغالبا ما يتم التخلص منها في سلات المهملات أو بلغة أخرى " القاذورات " وبعد أن يشبعون نهمهم بغرس سكاكينهم في صدرها العاري . وتمتصها ألسنتهم الطويلة ، وتنتهك عفتها وهي لا تملك لسانا للصراخ أو الاعتراض، وحتى تحديد واختيار طريقة إعدامها..؟

يعاتبني صمتها ، كسنديانة بسقت في رحم الجبال ، تظلل علينا حر الأيام ، والأفكار المتقدة في رؤوسنا كالجمر في كانون الفلاحين .
كنت كغيري بحاجة إلى هذا الظل ، لعلي أحظى بغفوة في رماد التفكير ، ولكن من يمنع النسيمات من دفع الشرر إلى التطاير في عيني..؟
من يمنحها هي بعض ماء ، أو غيمة تقف عند رأسها ، تلثم سنابل شعرها المتماوجة ألقا في موسم الحصاد..!

من المستحيل ان يتوقف السحاب عن العدو في الفضاء، وهو الذي يبحث مثلي عن حب لينجب المطر.
حتى الرياح لا ترحم ، تهدهد ثيابها ، تعلكها ، وترمي ببقاياها عند أقدام الأشجار ، نزعة فضائحية لموت ما قبل الموت..؟

أي علاقة تلك التي تجمع الأقدار .؟ وأي لغة تؤلف بين الألسن ؟
وحدنا نحن البشر ، نملك مخزون المتناقضات ، ونتغذى بالحزن والسعادة ، بالفاجعة والأمل.. حتى استواء الموت والحياة على ذات الجسد .
حتى ان الاختيار ، يصبح ضربا من ضروب الانتحار ، تقف أمامه العقول عاجزة عن تقبل النتائج ، والحيرة التي نصبت مضاربها في جدب الخيار ، تطال المفصل الواصل بين شريان الموت والحياة .

لا ادري كيف أداري صوتها ؟
وأين يمكن أن اسمعه..؟
في أذنين مخصصتين لمعالجة الأصوات ، كمعمل تكرير مياه البحر المالحة؟ أم في دهاليز مشاعري المتشابكة كخيوط عنكبوت كان يقتل الملل بالانتظار ، وجهد في صنع شبكة معقدة ، لم يجد فيها مكانا لجسده المفعم بالعطاء .؟

فهل سيمزق صوتها تلك الشبكة الرهيبة ، ويترك الضوء يتسرب الى حجر الخفاش المستمتع بالعمى ، يقض مضاجعه ، تتخبط مجساته بين النور غير المدرك بالإحساس، وآلية انعكاس حركة الأشياء أليه..؟

قد يستغرق بعض الوقت ليلملم ذاته ، ولكن الخشية أن يغير القادم الجديد طريقة نومه
ويعتدل كبقية المخلوقات .وبالتالي يفقد خاصية التميز عن الغير؟؟!
إنها المعضلة المتفاقمة والمتدحرجة ككرة الثلج..؟ تحدث ثورة في كنه هذا المخلوق الغريب العجيب..! قد يتساوى مع البوم في سكن الخرائب ، إلا أن الليل ملعبه.. يقيم الأشياء كما هي ، فلا تكلف ، ولعبة الكذب والخداع ، تنام بانتظار الصباح .

عزائي في دموعي أنني كالخفاش ، أرى دون عيون ، ورادار مشاعري ، مقياس قربي وبعدي من الأشياء .. أحب ولا أستطيع الكره فدواخلنا أجهزة طيف تحلل الألوان وتفرزها وتركبها لتظهر الصورة بمن حوت كما هي دون زيادة أو نقصان .
فالعيون يجب أن نحاكمها بجرم التستر على حقيقة الانجذاب ، وبأقل تقدير بتهمة التزوير ، ورشوة الجمال.

مسكينة هذه الحاسة القابعة في أعلى الرأس ، تحسب الأشياء من علوّ ، فتفقدنا قيمة التواضع ،وفهم ناجز لعظمة الحياة ؛ ومساكين أولئك الذين يتبرعون بعواطفهم لحاسة في قاموس الحواس مازالت قاصر؛ والأكثر عقابا أمام الله.

مدين أنا لها لاستل سيفي ، أعارك في هذا القرن ، معظم الحواس ، واجرد أبطال قصائدي من صباغ الألوان ، وادعهم يفترشون الليل ، عندئذ وحده خوفهم سيعري ما كانوا في النهار يكتمون .

تطهرني كلماتها من فلسفة العمر ، وتلقيني أمام عجزي ، ونزعتي المتصابية للحب، عاريا دون اقمطة ، نشيدا جنائزيا طاردا للغناء، والسؤال يطارد السؤال :
عن الصمت ، والحزن ، والبركان ، والآه المكتومة، وأي افتراس هذا الذي أمارسه لعين الشمس..؟

لعلها قرأت شاهد قبري ..؟ والتاريخ المريب لموتي وميلادي..؟
فمن الصعب تخيل موت أحد قبل الولادة.. أو لم يولد حتى يموت..!
امقت نفسي أمام اغتصابي لمذاق الضحك ، وخيانة المزور للزائر .؟
ربما التمس العذر لمشاعري أن تجنح نحو المستحيل ، فالقائمون من الموت وحدهم يعرفون معنى الحياة، ويدركون خرافة الأساطير.

قد تتشابه المستحيلات في عالمنا ، والهموم هي نحن، دواخلنا .. وأركان نظام حياتنا، نمت فينا واقتاتت خبز بؤسنا، ولها روح كحالنا ، فلا نستطيع أن نكون سوى ذواتنا .
فالقائمون من الموت وحدهم يعرفون معنى الحياة ، و يدركون خرافة الأساطير ؛ إنها محاولة اكتشاف الحقيقة ، و قهر المستحيل .
ربما تتشابه المستحيلات في عالمنا ، و الهموم هي نحن ، وأركان نظام حياتنا، نمت فينا،و اقتاتت من خبز بؤسنا، و لها روح كحالنا فلا نستطيع أن نكون سوى ذواتنا.
ليس من عادتها أن ترسل كلامها إرسالاً، و هي التي تختزن كل معالم الصمت ك
"الجوكندا "، يظن الجميع انهم يراقبونها، و يتلون عليها صلاتهم و لكنها وحدها تراقب عبراتهم و فيض الدموع المسفوحة على مذبح الحزن أو حتى الندم، والتوق للاعتراف، تلك اللوحة العاطية للشعور بالطمأنينة، تقبع وحدها دون الرسام .
سأخبئ صوتها بداخلي، أطفئ به دمي البارد، أو حتى أرشه على مشاعري المتلاطمة في الأرض البوار، قد تنبت شيئاً ً ما، من الصعب أن أتكهن به، كوارث الياسمين في البيت الدمشقي، يتجّنى على ورثته، يترك شذا بوح العطر المنبعث من محيط البحرة القابعة في صحن الدار و الإيوان، تعانق أوتادها، جذور الشجر المستريح في عمق التاريخ. و يشتري العطور الباريسية، و لم يعد يلق على ياسمينته حتى الصباح و كأن باريس بعطورها، و بخورها، ستعطيه شخصية جديدة، و روح أوروبية لا تلبث أن تتلعثم مع مطبات لغتنا التي خبرناها كطرقاتنا .وحدها مسالك الطرق الترابية، تحفظ خارطة سيرنا، و تترك على وجهها آثار أقدامنا، و بمقاساتنا المتعددة، كفتاة تلقننا دروس في رضى الوالدين، و تحقق أوردتنا بالعطاء .
إنها تعج بالحياة . . .و أي حياة تلك التي تتعربش جسدها الصغير ، كشجرة اللبلاب لا ينقطع خضابها صيفاً وشتاء، و دورة النسغ تحرك مشاعرها، و لقاءها بي كثمرة نضجت حتى التعفن . .
رباه أي قدر هذا الذي يجمع الأحزان . . . و أي إناء سيجمع هذا الوجد الساكن في الأحداق . . و ماذا تريد من جبل هدته الزلازل ، يقبع وسط صحراء البوح ، لا أنيس سوى وجه الرمال المحترق ، و حمم البراكين المتفسخة كجثة لعملاق مضى ، أتبحث مثل قابيل عن مكان تواري فيه سوءة هابيل أم عن جمرة متقدة تدفئ أحاسيسها و مشاعرها، المهانة في عصر الزحام . .؟
هل قرأت ملحمة "جلجامش" الشهيرة، و تريد أن تتعمد في طريقة عصرية للصوفية . . ؟
أحلل سوائل قلبي ،في مختبر الأيام،أقتفي آثارها في بوادي العمر، فلا أجد إل واجهة غير مسكونة، لا تحمل سوى اسمها ، و عنوانها ، و تفاصيل الهوية .
أحاول عبثاً أن أتفحص سيرتها الذاتية ، فتقفز في وجهي كالهاتف الخلوي، عبارة المجيب الآلي ، أن الرقم المطلوب غير مخصص . . !
يصرخ داخلي :
أنا لا أحلم ، أو افصل فتاة على مقاسي . . ؟ !
و يلح علي السؤال : و رب الكون أعرفها ، شاهدتها، و لمرة واحدة صافحتها . . !
و تهدأ ثورتي عند هذا ، و الذاكرة ، عن عرقها المصهور في يدي ، و رائحة الارتباك الذي أصابني ، يرقص على إيقاعات خفقان قلبي ، كراقص "الروك أند رول" .
كانت لحظة رائعة، لا تعيشها عدسات الكاميرات ، ا لمتدافعة للالتقاط صور الساسة و الراقصات ، إنها مشهد البائس الذي يفتش الحواري عن كسرة خبز يسكت فيها غول الجوع الذي يفترسه . . ؟
فالكيمياء يتم تحليلها و ليس تصويرها ؛ وحدة المشاعر التي تلتقط لحظة تحلل العرق في الأكف المتعانقة ، و لا مكان للعيون في صدق اللحظة .
أذكر . . انني بقيت عدة أيام دون اغتسال ، حتى لا أفقد آثار فعل جسدها الثم سرها القابع خلف حبات العرق المنعتقة من الأسر توقاً للحرية ، و حرصت على أن لا أعبث في كيانها المتصابي ، أو أن ألوث بدماثتي و قبحي وجهها .
- أليست مخصصة إذن ؟
استحضر صفاتها ، شعرها ،جبينها ، رموشها و العيون ، لونها ، طولها و عرضها و استدارة صدرها ، و كل مناسك الجمال لديها . . !
- استغفر ربك . . !
جاءني الجواب حاداً كنصل السكين الذي طعنت فيه ذاكرتي، ليطعن جهلي بالنساء، و تلطمني آيات الله المحكمات ، "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " !
ارتد إلى خجلي، من سنين عشتها، و قارعت فيها من الأهوال و الخطوب، تلقيت خلالها الأوسمة و النياشين أقماراً تعلو رأسي .
و يتوالى وحي الآيات " و هديناه النجدين" . .!
استيقظت و كأني أبدأ حياتي من جديد ، و تأخذني طفولتي إلى صدر أمي و حليباً رضعته، لا اعرف معنى الحب ، و فلسفة النظريات،و تراجم اللغات، و لكني أحببت أمي . و تأثرت عبر حليبها بآلامها ، و مرضت معها و ضحكت لفرحها .
لم يتسن للنور حينها إن يدخل بعد عيني، و اختبر أوصافها، و ما أدركته بمخيلتي أو ما يماثلها، إنني أحببتها، و صارت أكسير طفولتي، و المناخ الذي بذرت في تربية حبات شبابي .
كنت أراها بداخلي ،اقطف من أزاهير أحاسيسها ، و اغرف من امرأة مهما تجملت، فلن تصل على حماة المشاعر المتقدة . . إنها عطية ربانية تجتاح كياني الصغير ، و تدفع نحو الاستيقاظ في عقلي ،تدربه على النظر بالبصيرة ، دون البصر الذي ينخدع بالبراق في الأشياء، إن تلك المختفية وراء ستار الرياء، و مساحيق التجميل ، و الابتسامة الفاضحة ، واستظهار الكلام الممجوج للعاشقين .
لقد تعلمت أن البذور، متعلقة بتكوينها لتنضج، و المناخ للنمو، و حاجتها إلى الشمس، هي رباط اتصال مع الأكوان، و رسالة الله إليها لتعطي و تثمر .
انه آية الخلق والإبداع ، تتشابه البذور ، كما نحن ، وكل تعطي ثمرة مختلفة بنكهة مختلفة، لن تستطيع التكهن بولادتها ، وابنائها ، بالنظر إليها ؛ وحدها التربة ، دون عيون ، تحتضنها ، وتدفق عليها من الدفء ، والأناة ، ما يجعل حملها طبيعي ، كمشاعرنا ، التي لا تحتمل أن نرفع من الحرارة تحت مرجلها أنّى نشاء،ة فنسقط في لعبة الانفعال ، أو خبزا قتله التخمير الزائد عن الحد.

كنت سأصرخ أنني احبك..؟
وفجاة تبخر الصوت بداخلي.. وتقيدني قطرات العرق المنداح من جسدي..! وتتلاطم الأفكار في رأسي كموة تائهة في عرض البحر ،تلاحق الموجة..!

لماذا تتلاطم الأمواج ..؟
ولماذا لا تتلاقى..؟!
وأي حديث ذلك الذي يدور بينهما ..؟

اكره الأمواج ، وأشفق على البحر تلوث وجهه بالزبد المتطاير حنقا من شفاه الأمواج التي لم تستمتع قط بالقبل ..تصرخ من فعل الاغتصاب على جسد الصخور، التي تتلقفها عذراء ، وتلقي بها بعيدا، تئن فاغرة فيها ، تذوي صوب وجه امها المنكسر تواري عورتها ، والشرر المتطاير يغري الصيادين للمغامرة ، يتركون كؤوسهم تعاتب صمت الليل ، على شفاه غليظة ، أنهكتهم رشفا ، وصمّت آذانهم من القرقعة ،لا يألون جهدا يغلّوهم بكل الفصول في آن . ولايعنيهم أن يمسحوا عن قامات الكؤوس بصمات أصابعهم .

يتراءى إلى قلبي آهاتها المتكسرة في طبقات الهواء، وأنفاسها المعتلية صهوة جواد خبر للتو بطش الميدان ،وأترعت آذنيه صليل سيف النخوة التائهة في زواريب الساسة.

ها أنذا احترف الوجع ، ومحترفي شلال الآه..المتساقط كحبات البرد ، تتدحرج يتيمة على الشارع المهجور.

أتوق لرؤيتها لأصنع التآخي بين عيني وداخلي ، أقيم لهما الأفراح ، على وقع زغرودة عبق الأرض الملتحم بسواقي المطر، وأعطرهما بدموعي .
أحببت الدموع ..فملحها يحمل طعم الحقيقة..!

أمسك سماعة الهاتف ، ألوي عنق قرص الأرقام، ليدلني إليها . وتتسارع دقات قلبي ، مع الحرارة المتدفقة في رحم الأسلاك ..؟
- ترى بماذا هي منشغلة الآن..؟
الخطوط الموصلة إليها توقد النار في رأسي ..!

- من ذا الذي يستمتع بصوتها ، وعذب حديثها ..؟
- وأي أنغام ساحرة تلك التي تأتيه منسابة عبر الأثير ..؟
- وأية إيقاعات تراقص كرسيه..؟

أستيقظ من تشعب أفكاري ، على رنين الجرس ، يذكرني بانتهاء الدرس في المدرسة ، والفرح للتخلص والانعتاق من ظل المعلم الثقيل ، والمؤشر بين يديه يذكرنا على مدار الحصة بالثواب والعقاب، وكأنه مندوب الرب ، في الأرض ، يلقي علينا أوامره ، ونواهيه، ويجعلنا نحملق بالنار مطولا ، حتى يكون للجنة مذاق الخلاص الجميل .
- آسفة كنت مشغولة قليلا ..! أجابت

ويعبّ طول النفس ، والزفير الذي ينبش الشوق وقبح العتاب ، من نبع الارتياح ، كرؤية يوسف للشمس والقمر يسجدان له ، غير عابئ بدرب الآلام المنتظر.
المهم إنها كسرت ثورة العتاب بداخلي ، ووضعتني أمام عجلة النشوى ، أدور معها ، نحتمل سويا رعونة السائق ، وطيش الطرقات ، وضغط المكابح المتواصل ، الملزمة لنا بالتوقف عند الناصية، أو وسط الزحام ، تفاديا للأرواح المتهالكة على مذبح العيش.

- كيف أصبحت الآن..؟
- بخير والحمد لله..طمئنيني عنك..؟

كان طيف الكلام هو الذي يسبقني إليها ، يهرب من رحى الاغتباط الذي يطحن أشواقي.
حتى الشوق ، يتقمص رواية أقصها عليها، قد لا تدرك أنها بطلتها.
إنها تستشعر مدى ارتباكي ، الذي خبأته خلف أسلاك الهاتف الشائكة ، وآثرت أن يتوه في أشواكه ، تخفف من أند فاعته العقد والتوصيلات.

بذكائها تحاول فتح باب القفص ، ليهرب منه البوح المسجون بداخلي .
- حاول أن تكتب الأشياء كما هي ..؟
هل أبوح لها بأنني احبها .. وأقفز في الفراغ ..؟

فنحن حفرنا مجرى علاقتنا كأصدقاء ، وأنشأنا جدران قنواته من خرسانة نقاط اللقاء ، فهل أخون قول الرسول الكريم بقضاء حاجاتنا بالكتمان..!
عبثا أحاول لملمة شقائي وبؤسي ، وأرضي العطشى أمام انهمار المطر ، وجليد العشق الراقد في قلبي ، يذوب رويدا رويدا ، ليفيض في أول فسحة من طريق اليأس الطويل .

كان قطار مشاعري يصفر عند كل محطة ، ينادي على راكب ، يمتطي عنق الحب ،المتدلي كزهرة دوار الشمس التي أغوت "فان غوغ" تراقص لون الشمس ، وتخبئها في رحم الحقول، أقامت مسكنها في مساحة لوحته التاريخية الشهيرة .
وحده "غوغ" الذي كان يستشعر عشق الزهرة الصفراء ، وسحر دورانها ، ومتابعة نظراتها للشمس السارحة في الفضاء ، تنتظرها في الصباح مجللة بقطرات الندى ، الذي يتساقط كالدمع في المساء، من عنقها المائل نحو الأرض ، تغفو على أمل اللقاء .

لم ترتجي من الشمس حبا ، أو حتى أن تلقي عليها السلام همها أن يدخل شعاع النور إلى تكوينها ، فهي التي تمردت على وجه الأرض ، تتطلع إلى من يحملها إلى عالم السماء ، .
انه مفهوم الثورة على الذات وما يقيدها ، ثورة إبراهيم عليه السلام على ما وجد عليه الآباء يعبدون ، فحمل عصاه ليعمل في الأصنام تحطيما وتكسيرا ، ولم تأخذه في الانسجام مع إيمانه لومة لائم.

هل أحست بتوقد مشاعري..!
كأنها تريد إن تجرد ذاتي مما بقي ليسترها ، فهي الناقدة البارعة في التلصص على خلوة الكلمات ، فالمقدمات في العمل الأدبي عطر ، تستطيع أن تتعرف ببساطة على سرّ تركيبته ، وشخصية أبطاله.
فكيف لي أن أتعرى أمام امرأة بنصف عمري ..؟
وأي حياء سيرقد بعد اليوم في فراش قصائدي ..؟ وعفّة مفرداتي..؟

اطرق أبواب عقلي ، فيعنفني العمر ، على وقاحتي ، فأرتد إلى قلبي ، استجيره ، عساه يرد إليّ مظلمتي.

ليت لدينا القدرة على أن نوقف الزمن ،ونزيد من قواميس لغتنا لنهجو بؤس عقولنا.

مسكين " أرخميدس " لم يكن عاشقا ، عندما قال أن الأشياء تزح حجمها من السائل المغمورة به.
وأي أسف سيعزّي تأخرنا عن العمر بعمر .
وهل العمر تكوين الجسد الفيزيائي ، ام فيض القلب وعمق الأحاسيس .؟

تجبرني هزائم العمر ، على نصب خيمتي في الأرض الخاوية ، تجاور آهة الوطن، فالذاكرة مشبعة بالآمال ، والأشواق ، وتاريخ يختزن ذاتنا .
أنوء بحمل يهدّ كياني ، وتثقل علي مساحة الرفض ، لتضغط على نشاط رجولتي الشفهية ، واكاد ادخل في غيبوبة ، أتمنى أ لاّ أستيقظ منها ، حتى لا أواجه الحقيقة مثل "شموط" الذي أبقى اللاجئ يتأبط " بقجته" ، وتفترس نظراته الجبال والسهول والوديان ، ينتظر العودة ، وكأنما الوطن حبا يسير إليه، أو يأتي الوطن إليه بحكم الشوق .

يشبهني هذا الفلسطيني الباحث عن لواعج الفرح في العودة ، وحضن يضمه ، فأحتاج معه إلى رحم يضمني ، تسعة أشهر جديدة ، أتخلق بمكنوناته ، وتشق صرخة ولادتي صمت الانتظار الطويل ، أكون في عالم حلمت به وتنسكت في حاراته ، وتسولت الق نصفي الآخر ؛ لاكون في عالمها ، تحنو علي بصدرها ، ويتحرك في فمي دفء النفس ، وهي تناغيني ، وأحفظ عنها دورة الحياة لجسدها.

ما أسهل أن نخفف من وقع الأشياء على نفوسنا ، وما أقسى الإحساس بالموت خنقا في الينابيع .

إنها هي ..
يجري حبها في عروقي مجرى الدم في الوريد ، يعيش صلة الرحم مع الأعضاء النابضة بالحياة.

استسلم لهذا الشعور ، تاركا روحي تغرق في الوهم اللذيذ ، وينتابني إحساس الطفل الفرح بلباس للعيد ، ينتظر الصبح ليخرج مستعرضا فرحه قبل التكبيرة الأولى للصلاة.
انه شعور من لم يعد من الموت ، ليفشي سرّ البرزخ ، نشاهد منه تورد وجنتيه ، وابتسامة عريضة ، تشق شدقيه ، لكننا وحدنا نعرف انه لن يعود إلينا ، لن يبكي مثلنا .

وّدع قنديلي آخر قطرات الزيت ، وبات ضوئه يعلو ويخفت ، تماما كخفقان قلبي ، المفتوح على خط اللحظة الفاصلة بين ليلي ونهاري ، بأسي وفرحي .

انه سفينتي تبحر في الممنوع .
تنتظر الصفحة الأخيرة في الرمل بين البحر واليابسة مشرعة صواريها امام نيران الإجابات .
فمن يلقنني الشهادتين .. ويجدد النصيبة على قبري المفتوح على الفاجعة ، المستترة بلا ضمير..؟! .



انتهى


حسين موسى






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماهو الممنوع والمسموح!!في المجتمع!! رولا زهران منتدى الحوار الفكري العام 6 01-03-2007 08:28 PM
الممنوع!! مرغوب رولا زهران منتدى الحوار الفكري العام 7 19-07-2006 08:14 PM
كوع في الممنوع..!! توفيق الحاج منتدى الحوار الفكري العام 6 20-06-2006 05:40 PM

الساعة الآن 02:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط