أحبتي , هذا بحث قرأته في "مؤتمر الأدب المقاوم " الذي أقيم بدعوة من حزب الله في بيروت , تموز الماضي , ارتأيت أن تقرأونه وأن نناقشه معا . انشره في حلقتين لظروف تقنية .
[size=4]لا ابـداع بمعـزل عن الحريــة !
كل أبجديــة تكون نتاج بشر يســكتون على الأســر عاقرٌ وهراء , وفيضٌ من ثرثرات وأكاذيب !
كلّ قصيدة لا يسكنها هاجسُ التحليق فوق كـل سـياجٍ مادي ومعنوي , جارية ٌ , مجرد جاريــة في قاموس العبث وسلطنة الانحنــاء !
وكل شاعرٍ شاعرٌ مع وقف التنفيذ , ما لم يعمَــد تجربته بالصراخ والدم السخي الذي يجعل التراب ملامســا لقداسـة السماء السابعة .
لأجيال عديدة كان الشـعر العربي يغرف حبــره من جرح فلسـطين , جرح راعف ومتدفق وسـيّال , ومستمر ولغوي كذلك ! لأنه تأسـس على مجرد حناجر في غياب سواعد كان بإمكانها لو وجدت أن تغير وجه التاريخ .
الجرح الفلسطيني أورثنا هزائم لا تحصى , نكبات ونكسات، وأوهام انتصارات صغيرة ،وخلّف لنا أكداسا من قصائد ينطبق عليها القول تماما "اجمل الشعر أكذبه" . لسنوات كان انتصار فلسطين شعريا فقط !
الشعراء الفلسطينيون والعرب كانوا جبهة المقاومة في الوقت الذي تحولت فيه الجيوش العربية إلى مجرد حرس شخصي للحاكم , وبات السياج الحدودي لجغرافية العواصم يبدأ حول قصر الحاكم العربي وكل ما وراءه عدو مفترض ! والحبر مهما كان بليغا , لا يمكنه الوقوف في وجه دبابة أو راجمة صواريخ !
منذ ما قبل 1948 ولغاية اليوم ألسنتنا أطول من سيوفنا على رأي نزار قباني .
لعل الانتفاضة كانت بداية لتشكل حالة من الاختلاف , صار النص الشعري الذي كتبها مقاربا للواقع , تحوّل الحجر الفلسطيني إلى مفردة لها توهجها في قاموس اللغة الحديثة , وجاءت مدريد وغر ناطة وقبلها كامب ديفيد لتحقن الشعراء بإحباط جديد !
الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 أخذ القصيدة إلى مكان مغاير ,بيروت كانت ولا تزال المنبر الحر الذي لا تحكمه المقصات والعسس والمخبرون ,اجتياحها كان بمثابة سقوط مدوَ لآخر قلاع العزة والكرامة، التي في ذاكرة العرب لا في واقعهم المعاش .
وارض كلبنان بكل ماتحتويه من ارث حرية وتراث تحديات ومواجهة لم تكن فريسة سهلة للجيش العبري , كلكم تذكرون كيف انتفض أحرار كثيرون وكيف اندحر المحتل .
أظن التجربة اللبنانية كانت سباقة ومؤثرة ومنحت كثيرا من شعراء العرب الجرأة على الخروج من شرنقة اليأس , ثمة قصائد كلنا نذكرها بفخار وكبر دوّنت بأجسادها الشهيدة أجمل ما قيل في المقاومة من بوح , من" سناء محيدلي" و"حسن قصير" و"وجدي صايغ" و"راغب حرب"، وكثيرين سواهم أنسنوا التراب، وموسقوا الريح، وأعادوا الاعتبار لأمـة باتت قادرة على النهوض والعنفوان .
الجنوب اللبناني الذي بقي جزء منه في قبضة العدو المحتل , تحول إلى قاموس لغوي شعري , مرادف تماما للحريــة .
شعراؤه لم يصمتوا , أطلقوا كلماتهم صراخا في وجه الصمت والعتمة وتشكلوا أضمومة من تبغ وسنابل وبنادق وحساسين , ليؤكدوا أن تسامق جبل عامل يطاول السماء التي لاحدود لامتدادها في الأعالي .
لهؤلاء يدين شعر عربي كثير وشعراء عرب كثيرون، استمدوا من روحية تجربة الشعر الجنوبي أشرعة قادرة على الإبحار وأجنحة تواقة للتحليق .
وكان يمكن لهذه التجربة أن تنكفئ كسواها , وأن يذهب" محمد علي شمس الدين" و"جوزف حرب "و"شوقي بزيع" و"حسن عبد الله "و"عصام عبد الله "و"جودت فخر الدين" وشعراء غيرهم جعلوا بقصائدهم الجنوب سقف العالم , كان يمكن لهؤلاء أن يذهبوا إلى الإحباط والصمت , وان يدخلوا كما كلنا دخلنا مستنقع الهزيمة ولذنا بالسكوت لولا المقاومة ، المقاومة الإسلامية أو اللبنانية الوطنية كما يحلو للبعض تسميتها !
نهر الدم الجارف والقاني كان بمثابة المصل لزمن عربي كله يرقد في غرفة العناية المشددة .
استعاد الشعر حيوية التشظي اثر كل قذيفة كاتيوشا تسجل في الطرف الآخر العدو أننا مازلنا على قيد الحياة .
أجزم أن أمة ميتة نعاها شعراؤها ومبدعوها لسنوات بدأت تحرك أصابعها، وسجل جهاز تخطيط القلب قيامها من الغيبوبة والعدم !
كل شيء كان مواتا , خط الحياة كان جنوبا , كان يزداد امتدادا ,والمسافة نحو الفجر تقصر وتقصر كل يوم .
المقاومة الإسلامية جعلت الجنوب ديوان العرب الجديد , انمحت من قاموس الشعر المعاصر مفردات الهزيمة واليأس والعار والخيانة والخضوع والزحف على البطون والعمالة , لتحـل مكانها مفردات أخرى , الخيام, قانا , المنصوري , الشهداء , أمهات الشهداء , حزب الله , البطولة و نصر الله .
عاد إلى الشعر الشعر , لم يعد شعراؤنا يخجلون من واقعهم , المقاومة علمتنا كيف نكون أعزّاء , وكيف نرفع جباهنا على الشمس لنكتب فوق خلودها انتصارنا العظيم .
أظنني اذهب في الغزل بعيدا , وأعترف أنه من بين كل إناث الأرض , ليس اطهر أنوثة من المقاومة , ومن بين كل رجال الأرض ليس اكثر رجولة من مقاومين حملوا أرواحهم على أكفّهم ودفعوا من دمائهم ضريبة صمتنا المقيت !
المقاومة بحد ذاتها شكلت حالة من الإبداع , وانتصار المقاومة كان الإبداع بحد ذاته.
كيف ؟
هل لأحد أن ينكر أننا استسلمنا في السنوات الأخيرة إلى ثقافة الاتباع !
ثقافة الزيف والاستهلاك والخضوع للآخر , وأن شعارنا جميعنا كان / أن نمشي الحيط الحيط ونقول سترك يارب , أو سترك يا إسرائيل وأمريكا / !
المقاومة قلبت الموازين , أسست فينا ثقافة الحرية , والانتصار , لسنوات تســاوت الجباه بالأحذية , أقولها بلا خجل , لأنه واقع عشناه .
مع كل عملية شجاعة لرجال المقاومة ، كانت أجسادنا تستقيم على قياس شجرة وجبل وشمس ,عدنا نشعر برجولتنا , وحين سـجلت المقاومة الإسلامية أول انتصار على الجيش الإسرائيلي الذي لا يهزم , تأكدنا أننا لم نفقد رجولتنا بعد , وان قصائدنا تستمد من الجرح الحي جمرة البوح وتستند إلى رايات خفاقة فوق تراب طهّره أبناؤه بالدم والبطولة والتضحيات .
هذا التغيير أخاف الكثيرين , كان المطلوب من لبنان أن يبقى قويا بضعفه فكسر المقاومون هذه القاعدة وصار لبنان قويا بمقاومته .
كان مشاعا وغدا محميا بالصناديد...
صار الإسرائيلي لأول مرة يشعر بالخوف , بأنه محاصر حتى وهو في مستوطناته البعيدة . وأن يد المقاومة قادرة على الوصول إلى أعماق رعبه الأكيد .
المقاومة غيرت الكثير واقعا ولغة كذلك , حتى صورة الإنسان تغيرت في شعر المقاومة والشعر الذي كان نتاجا لانتصارها المتميز . حتى صورة المرأة تغيرت في شعر المقاومة , صورة الطفل والكهل والتراب .
أقول في قصيدة عنوانها / جنوبية / :
جنوبية وتتقن روعة الإنجاب والتطريز /
تتقن مشهد الجرحى وكيف الدفن، مثل العرس للشهداء/
تكتب كلما وقفت على الشباك حرية /
جنوبية لها ألف من الأبناء... تعلمهم فنون الشعر والإملاء /
كيف قراءة المعنى وراء القول/ كيف السطر حين نشقه في الرمل/
لا تنهيه فاصلة ولا التنقيط / كيف الأرض قرآن لأهل الأرض
والكتب السماوية...
جنوبية تخرج من مدارسها جميع الناس كتابا....
وكانت لا تفك الحرف أمية ....