هذه القياسية لمبنية على الوهم والظلال لا تعطي اي ناتج معقول لان امثالها مخالفة للحقيقة. ومن خرج عن الحقيقة لا يفضي الا الى الخطأ والوهم.
هذه الامثال وقياسيتها خير ما عبر عنها الذكر الحكيم لانها دليلنا الى هذا النوع من القياس المثلي. لأنه لا يكون من المعقول والمنطق قياس الثابت بالمتغير والحق بالباطل والصواب بالخطأ او الكل بالجزء. فكيف بنكران الحقيقة والبرهان عندما يعجب الانسان من اعادة العظام من جديد. وذلك في الاية التي ذكرناها سابقاً وسنذكرها هنا لعلاقتها بهذا الركن من القياس. ويذكر الشيخ عبد الصمد السويلم. ( إن من البديهيات الاولية ثبوت العلة للمعلول الامكاني، كما ان تكرار الظاهرة ليس في نفس المصداق بل في عدة مصاديق لاستبعاد تأثير خصائص شخصية في الظاهرة.
والسببية العامة كظاهرة طبيعية بديهية لانها ذاتية والذاتي لا يعلل وبالتالي لا يمكن اثباته لا بالقياس ولا بالاستقراء)( 9)
هذا المقطع اعتمدناه لاننا راينا في حاجتنا المعرفية في هذا الصدد . لان القياس لا يتم في كل كا يبتغيه الانسان القاصر عن معرفة الكثير من الحقائق ودقائقها.
وعلى هذا يقع ذلك القاصر بالوهم والخطأ والظلال. ولهذا كانت تلك الامثال التي ذكرها القرآن الحكيم وبين لنا من خلالها مدى ذلك الوهم.
{ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظم وهي رميم* قل يحييها الذي انشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم }(10) نستشف ان هذا الانسان القائل لذلك المثل الذي ذكرته الاية الكريمة. وكما بينت لنا الاجابة الاية الثانية لقول ذلك الانسان وكما عبرت الاية الاولى بانه (نسي خلقه) اي خلقته من العدم قبل ان يكون شيئاً مذكوراً في عالم الوجود والموجودات. وجواب الاية هنا جاء مؤكداً وموعظاً بأن الخلق من العدم واللاشيئية لهو اعظم من الخلق من الرميم بما يعني الرميم بقايا المخلوق فتجميعه اهون من الخلق الاول.
وهذا الجواب يفضي الى بطلان قياس الانسان ووهميته وان هذه الرميم دليلاً على البعث والنشور والقيامة لأن لا عدم بعد الحياة الدنيا. بل انتقال الانسان من عالم الى عالم او من دار الى دار او قل من حياة الدنيا الى حياة الاخرة فكلها سواء يدل على لاعبثية الخلق وكل شيء يخص المعاد مكفول في حفظ الله وحكمته لا بما يتصور الانسان في مفاهيمه الدنيوية القاصرة كالقياس الباطل في المثل الوهم.
{ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}(11)
الركن الرابع: قياسية المثال الحق والقدرة المطلقة:
بما ان هذه الامثال تامة وبليغة المعنى والمقارنة فهي كاملة ودقيقة القياسية لانها تعطينا حجة دامغة وبرهان ساطع . وقياسية هذه الامثلة فوق ما نريد من حاجتنا للقياس واعظم مما نتصور حدوده في القواعد المنطقية للقياس المتداول في افكارنا وتصوراتنا والتي تتأرجح بين الصواب والوهم والخطأ والصحيح والحسن والقبح.
هذه الامثلة الالهية انها ايحاء من عالم الحقائق عالم المثال. ونحن نلخص فيها من عظمة البلاغة والحكمة والموعظة استحالة نقضها او دحضها من قبل الكافرين والمكذبين ونستطيع البرهان من ذات تلك الامثلة فخذ مثالاً على ذلك في الاية الاولى السابقة عندما سئل ذلك الانسان متعجباً كيف يحيي الله العظام من الرميم.
فكان الجواب القرآني (( يحييها الذي انشأها اول مرة )) وهذا المعنى هو اعظم مما ندرك من قياس لان قدرة الخلق لا تعطي دليلاً قياسياً محدوداً فيحتاج ذلك للشرح والتبيان بل ايجاز بلاغي بكامل المعنى المطلوب والايجاز هنا بالايحاء الفعلي الواقعي وهو ان هذا الخلق العظيم المطلق خلق بكلمة كن فكان فهل تعجز الاعادة قدرة ( الكن فكان ) وبما نفهم امثال القرآن تخاطبنا حسب حاجة عقولنا من اجل ادراك المعنى القرآني فجعلت القياس المطلق زخما هائلا من ايجادات المعاني والحقائق الفعلية المشاهدة والملموسة طالما كل مخلوق واي واحد منا هو في ذلك القياس المثالي في ارادة الخلق في النشأتين الاولى والثانية ومالرميم الا دليلاً وبرهاناً على ذلك.
الاعجاز القرآني يعطينا المعاني كاملة مع الحجج والبراهين وما القياس فيه الا من اجل تذليل خفايات نتائج المسائل وجعلها ايحاءات واشارات كي نعقلها وندرك مغازيها دون الحاجة الى كشف اسرارها بما لا نطيق والتي لن تكون فيها اي حاجة او سبباً للاعجاز الالهي الى ذلك بل التذكير بالبراهين الظاهرة وما اعظمها هو غاية الاعجاز والمقصد المثالي لأن ما موجود في هذا العالم يدل من خلال الموت على العالم الثاني .
{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ...} (12)
من دلالة هذه الاية الكريمة ان حجج قدرة الخلق وبراهينها لنا بما فيها المثال وما يتضمن من قياس في وجهتين هما:
الاولى: امثلة الحق والقدرة
وهي كما مبين في الذكر الحكيم والتي ذكرنا بعضاً منها في هذا البحث توكيداً وتعضيداً لأساس فكرة البحث واثباتاً للقيمة المثالية باعتبارها محاكات وايحاءات من عالم المثال الدال على نظامية الخلق وحكمة الخالق.
الثانية:آلاء الخلق والصنع
كل آلاء الخلق هي دلائل عملية وبراهين الهية يقتضيها الواقع والوجود الفعلي من خلال المشاهدة والحياة المعاشية في موجودية الكائنات والانسان نفسه. ويجب ان لا يخطر بالبال اطلاقاً بأن هذه آلاء وكل الموجودات على انها قياس على قدرة الخلق بل هذه المخلوقات والموجودات هي قياس لذات عينها وهيأتها بما جعل الله تعالى لكل شيء ما يناسبه ويلائمه بما فيه القياس لذات المخلوق دليلاً على عظمة اعجاز ومطلقية قدرة الخالق.
تبقى القياسية من أهم أسس المثال. ولا يمكن لمثال كامل الدلالة والمعنى بلا قياس . إذن فالقياسية حاجة ذهنية ينبني عليها جانب مهم من الاستدلال العقلي بما يوصل الى نتائج معرفية قيمة. وبهذا فهي ليست شكلاً لفضيا زائداً او اضافة فلسفية لا تفهم بل القياس من بديهات العقل وكغيرة من البديهات والتي تحتاج لقواعد علمية تنظم اتجاه البديهات في مسالك المعرفة الدقيقة حتى ترتبط النتائج بالمقدمات ربطاً منطقياً حفظاً من المتاهات في خضم تنوع دقة المسائل.
الأساس الثاني: الصورية في المثال:
طالما الصورية هي إبداع فني يرسم صوراً مما في الذهن من تصورات من اجل إنشداد المتلقي للمتابعة والتفاعل والتجاوب بعد الاقتناع بالهدف والمضمون.
الصورية هي جزء وعنصر مهم وأساس لأنجاح الأعمال التي يتوقف نجاحها على حسن ودقة رسم الصورة الملائمة وإعطائها الصيغة الإبداعية من خلال كلية العمل والانتاج. وهذا العنصر يدخل في الاعمال الفنية والادبية مثل القصة والرواية والشعر. وهذا العنصر يتطلب الجهد والقدرة على الابداع من اجل إحداث الصورة المطلوبة. وقد يعجز البعض عن رسم صورة واضحة الملامح والمعنى مما يفقد عمله أهم عناصر الإبداع الفني لأنه يفقد عملية المحاكاة الذهنية والتي تشد القارئ للتشويق والمتابعة مما يحدث الإندماج مع روح العمل. والصورة في هذه الاعمال الأدبية تنجزعبر الكلمات وليست بالريشة والالوان. إما في المثل فالجهد والإبداع ينتفي. بل هي ابداع فطري. وهذه الصورة المثلية تنفرد بخصوصيتين دون غيرها.
الخصوصية الأولى: السرعة والعفوية:
هذه الخصوصية هي ميزة أساسية لامفتعلة شرطية كما في الادب والفن. وصورة المثال مهما كانت نسبتها وتطابقها مع واقع المسألة إلا إنها تؤدي ذلك المقصد دون تحضير مسبق او جهد زمني وطول مدة كما هو الحال في صورة الاعمال الادبية. الأن المثال تتقوله عامة الناس وليس حصراً في اصحاب المواهب والابداع.
الخصوصية الثانية: قصر المدة والمضمون:
هذه الخصوصية المنفردة في صورية المثال والتي اكدت على عفويته التحضيرية دون تخطيط وجهد يأخذ من الوقت الطويل والعناء وإن كان في بعض الامثال العلمية بحاجة للفكر والمعرفة إلا انه قصير المدة حتى لا يخرج عن اوانه وضرفة حتى يكون يكون مطابقاً للهدف العلمي وذو قياسية تجريبية اوخبرة فكرية توضيحية في محضرات العلم ونقاشات الفكر ونحن نلمس ذلك في إثباتات الفلاسفة والمفكرين والعلماء. ولا يعني ان هذه الامثلة تتطلب قطع المحاضرة والنقاش من اجل إعداد وتهيأه المثال ورسم صورة ايحائية مطابقة بل هو من قدحات الذهن وخزين الخبرة والابتكار. حى يبقى المثال محتفظاً بصيغة الإيحائية المتوقدة.
هذه الخصوصية والاولى هي التي جعلت من المثال في متناول ذهن جميع الناس لانه امر بديهي دون الانحسار في المواهب والكفاءات إلا تلك الامثال العلمية البحتة والفلسفية المنطقية. قصر المدة والسرعة والبداهة والقطرية كلها لا تفقد المثال القيم اي من المقومات الدلالية والقياسية والصورية وحتى البرهانية في الأمثال الحق كما جاء بها الذكر الحكيم.
الاساس الثالث : التطابق في المثال :
الاساس هذا مهم طالما يجمع ترابط موضوع المثال وفكرتة بما فيها القياس والصورة. وبدون التطابق لا يمكن للمثال تحقيق الغاية المرجوة فية. ويكون مثالاً مفتعلاً وهجيناً. مما لا يحدث الاقناع والتأثير.
التطابق وقوتة ونسجامة في المثال من خلال الفكرة والدلالة والضرف والقياس يجعلة ذو غاية وهدف مع جمالية الصورة من خلال التطابق ذاته . ولهذا التطابق المثالي أمرين مهمين ولابد منهما في المثال.
الأول: تطابق الدلالة والفكرة
من الضرورة تطابق الدلالة والفكرة طالما هي من اسباب المثال. والمسالة في ذلك هي مادام المثال قصير الكلام فانه بحاجة لهذا التطابق. نحن نلمس لا بدية هذا التطابق في كل ما نكتب في وحدة موضوع متماسك. ولكن تطابق المثال يختزل هذا المطلب المعرفي في الكلام قليل وهذا من نوادر الكلام بشرطية التطابق في الدلالة والفكرة والدلالة هي النبذة المقتصرة للفكرة بإعتبارها ايحاء نابع منها.
الثاني : تطابق الصورة والقياس:
تطابق الصورة والقياس في المثال ياتي من امر او سبب واحد هو حسن إختيار فكرة ودلالة المثال هو الكفيل بهذه المحاسن مادام المثال ينبني على هذه المحاسن من اجل إحداث الأثر لدى المتلقي. والذي يريد وضوح الرؤيا وتطبيق قياسية المثال الذهنية من خلال الصورة وإبداع الخيال المحفز في المثال بين الفكرتين الذي خصصها المثال فكرة تقريبة للفكرة الاصيلة لموضوع ما او فكرة إثبات لدحض فكرة خطأ او هم.
فالتطابق وكل اسس المثال الاخرى هي ضرورية ومهمة في المثال الحق من اجل بيان الحقيقة وكذلك امثلة التبسيط والإيضاح. وتبقى الصورة والقياس مهمين في المثال ولا يمكن إحداث الاقناع والإثبات بدونها.
ونستخلص من كل هذه الاسس المثلية ثلاثة فوائد.
فوائد المثال
الأولى: إيضاح الفكرة وتبسيطها:
هذه الفائدة هي غاية كل مثال حق او قيم حتى أمثال العقوبة لدى عامة الناس وان لم تكن باستحضار علمي إلا إنها من دلالات واقع معاش. والمثال يحضى بهذه الفائدة بشكل عام وإلا بدونها تنتفي الحاجة إلية. وهناك مديات في هذه الفائدة بين قيمة موضوع المثال وبين مدى إستيعاب السامع او المتلقي طالما مدارك الناس غير متساوية كما هي الحال في المسائل والموضوعات. ومن الضرورة المخاطبة بالمثال على هذا القياس المميز بين قيمة الفكرة وعمقها وبين ماهية مساحة إدراك السامع حتى تحقق هذه الفائدة في المثال غرضها الاساس.
الثانية : دحض الوهم وإثبات الحقيقة:
الوهم والاشتباه والالتباس يحدث عندنا جميعاً. ولهذا نحن نحتاج للمثال او كل وسائل التقريب والتصويب من حجج وأدلة وبراهين. والمثال واحد موجز مهم من هذه المسائل او الوسائل طالما نحن باحثون عن الحقيقة من اجل إزالة مالدينا من وهم والتباس. فهذه الفائدة حقيقة من حقائق المثال وإلا لما كان له حاجة في الذكر الحكيم المبارك.
الثالثة: الجمالية في الكلام
نعمة البيان وخصائص الكلام من اكبر النعم التي خص الله تعالى بها الإنسان. حتى جعل له مساحة نطقية كلامية واسعة ودقيقة واصبح من اهم العلوم وكذلك وسيلة لكل العلوم الاخرى. ومن هذه المساحة خاصية الجمال بما يحمل من ايجاز وإنتقاء الكلمات ضمن جمل ومقاطع متناسقة تعطي إيحاء يفتح شهية الذهن لأن يتبحر في المعاني والدلالات. فيطلق عنان الخيال الملتزم ليتمعن في الصور. ويقارن بها مع الواقع وحيثيات المسائل. هذه الفائدة المثلية هي خصيصة جعلت من ذلك الكلام مقطعاً مثالياً يميز في حدوده عن غيره من منثور الكلام إلا ما كان حكمة او بلاغة. ومن فائدة هذه الجمالية تجعل المثال مذخوراً ومتداولاً طالما الانسان بطبيعته يميل للجمال.
المبحث الثالث
المثالية والبلاغة
لما كانت البلاغة من اعظم مجملات الكلام اثراً ودلالة كقيمة بيانية نادرة الكلام لما جمعت من مقومات بلاغية لابد من توفرها في الكلام البلاغي والأثر البليغ والمثالية كدلالة تضم في مقوماتها مكارمَ وقيماً نادراً ما تجتمع إلا بالأمر المثالي. كما هو الامر في الاسوة الحسنة كما عبرالذكر الحكيم عن شخص الرسول الكريم ـ ص ـ للمسلمين او القدوة كمثال يحتذى به، سنبحث عناصر البلاغة في المثال.
عناصر البلاغة في المثال
أولاً: الإيجاز:
كما هو معلوم الايجاز ينقي الكلام ومعناه من الحشو والزوائد ويصل بالكلام الى المعنى المطلوب بأقل الكلمات. وكما قال الرسول الكريم ـ ص ـ ( خير الكلام ماقل ودل ).
المثال القيم لا يخلو من هذا العنصر البلاغي. ومن لايحمل هذا العنصر لايمكن ان نعتبرة مثالاً قيماً يحمل شيء من الايحاء والتذكير بعالم المثال والحقيقة الخالي من اللغو والحشو والاخطاء. بل حقائق بلاغية عميقة الدلالات والوقائع لا سرابيات او هم فيها. هذا الترابط الإيحائي يليق بمرتبة ومقام البلاغة. وهي تليق بالمثال القيم طالما بنية على الإيجاز البلاغي.
ثانياً: الدلالة والمضمون:
هذا العنصر المضموني المترابط والمنسجم مع الإيجاز. فنقول ما فائدة إيجاز مرتبك او كلمات قليلة مبهمة او ناقصة الدلالة الموضوعية. بل ان هذين العنصرين مترابطان وقائمان في مشروطية البلاغة. ولولا هذا الترابط لما كانت هناك بلاغة بمعناها ومضامينها الاساسية. وعظم الدلالة والمضمون لا يحمله الإيجاز وحدة وإلا ماذا نعتبر الكلام العلمي او المعرفي من خلال المحاضرات العلمية او البحوث والمؤلفات. وإذا إشترطنا البلاغة في كل الكلام لصعب الامر في ذلك او جعلنا من البلاغة سلعة رائجة ونخرجها من قيمتها وخصيصتها. نعم في كلام اهل العلم والعارفين بلاغة ايجاز ودلالة ومضمون. ولكن ليس عند كل الناس والكتاب.
قيمة هذين العنصرين إنهما ركنا البلاغة فالإيجاز مطلوب حتى يهذب الكلام من الزوائد ولاتتم منفعة الايجاز الا بالدلالة والمضمون وهذا الاخير لايتحقق كعنصر وهدف بلاغي إلا بالايجاز وهما يكملان بعضهما في البلاغة.
واما المثال البلاغي فهو في صلب هذه العناصر والهدف البلاغي. حتى يكون هذا المثال موجزاً جمالياً تجمل به الكلام وتعزز به الفائدة البيانية وتعمق به المضمون ايحاء ودلالة.
الفصاحـة
الفصاحة عنصر جمالي يتكامل مع باقي عناصر البلاغة. فلا يليق بالبلاغة الركاكة في الكلام والتلكؤ ولهذه المقاصد نرى امثال الذكر الحكيم متكاملة الاركان والعناصر بما فيه الفصاحة فهي في اقصى مراتب البلاغة واقدس الكلام. ونحن لنا فيها العبرة والموعظة والقدوة المثالية المتعالية عن امثال البشر وركاكة الفاظهم وقصر مضامين كلامهم. ولهذا يجب علينا ان نكون محافظين على تنقية امثالثا عندما نضربها لأي مقصد كان. ونضمنها مضامين بلاغية هادفة. لا كما يضرب البعض ويتداول امثلة ركيكة الألفاظ ومبتذلة المعاني . فالمثال الذي لم يحمل عنصر الفصاحة كما في امثلة العامة من الناس إلا إنه يتحلى بالإيجاز والمضمون فيكون ضمن بلاغة الدلالة والإيجاز. والأمثال القيمة هي امثال بلاغية تامة دلالة وفصاحة.
دلالات المثال
الاولى : الحكمة:
اهم ما تحمله الحكمة من معاني ومضامين بلاغية وفكرية صائبة هي ارشاد العقل والحس والوجدان الى الحق والحقيقة والصواب. من خلال كلام قليل الالفاظ ولكنه غني المعاني لا يقبل الفهم المعاكس ويدحض ما يناقضه. فالحكمة تحكم بإنضباطيتها الدلالية والبلاغية الدلالية كمقصد والمضمون كمعنى والسلوك من اجل عمل صائب حسن. ولهذا خاطب الله تعالى في احدى الآيات القرآنية رسوله الكريم ـ ص ـ { وجادلهم بالحكمة والموعظة الحسنة } (13) وتناولها العلماء واهل المعرفة في معارفهم وقسموها الى حكمة نظرية وحكمة عملية. وذلك من اجل بيان مساحة ومنفعة الحكمة وانها ليست للتنظير فقط بل هي تجسيد فكر وعمل. فالحكيم من يلاحظ عموم نفسة بما فيه اختيار العمل.
( للحكمة ـ في اللغة ـ معنيان: الاول: الاتقان في العمل. والحكيم هو المتقن فعلة. الثاني: التنزه عن فعل ما لا ينبغي فعلة، في العقل وعند العقلاء. والمعنيان كلاهما ثابتان لله تعالى، فهو حكيم في فعلة بمعنى ان فعله متقن ومنزة عن اللغو والعبث وكل قبيح )( 14)
ولهذا الحكمة الآلهية القدسية حكمت اتقان الخلق كافة بما فية حاجات وهداية ورقابة المخلوقات وامام نشأتها ويد حاجاتها كلا بما يلائمه ويناسبه. والحكمة جعلها الله تعالى سبيلاً كريماً لخلقه ووسيلة عقلانية لمن اختار مناهل وموارد المعرفة وسلوكة ينتظمون اهلها حسب مراتبهم ومنازلهم فيها. ومن اجل ان نتعرف على الحكمة وندرس كيفيات الاستفادة من مناهلها وفق تصورنا لتعطينا ثلاثة مقاصد نحن بامس الحاجة إليها.
الاول: الموعظة:
الموعظة مقصد مهم من مقاصد الحكمة ولا يمكن ان تكون حكمة بلا موعظة حتى في سلوك وافعال الحكيم هو موعظة لغيره طالما عملة وسلوكه منقى من الشوائب والقبائح . ولهذا نرى حكمة الذكر الحكيم في كل الآيات والسور هي حكم لايحصى من المواعظ الإلهية كي ينتفع بها من امن بها وجهد من اجل اصلاح نفسة سلوكاً وفكراً وعملاً.
الثانية: الحجة:
الحجة هي بيان واثبات للحق والصواب لدحض الباطل والوهم . والحجة من اهم مقاصد الحكمة. ولهذا نلمسها في الامثال الإلهية الحكيمة. حتى تكون الحجة قاطعة لأعذار الكافرين والمكذبين والضالين عن الحق. والحجة اتمام وكمال الشيء بما لا يدحضه شيء غيره بما خص ودل. والحجة من متمات الحكمة ومقوماتها. طالما الحكمة اتمام الشيء وحكمة بما تقره وتدركه العقول.
الثالث: التنبيه:
التنبيه من الوهم والغفلة امر هام وضروري طالما الانسان خطاء ولاهياً بامور دنياه غافلاً عن اخرته وعالمه الدائم. وكما قال امير المؤمنين علي ـ علية السلام- ( من حاسب نفسة ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف امن، ومن اعتبر ابصر، ومن ابصر فهم، ومن فهم علم )(15)
فالتنبيه من الغفلات تأتي الحكم ومواعظها وهو من مكنون الحكمة. وإلا مانفع حكمة لا تعظ ولا تنبه عندها تكون من عموم الكلام. وهذه المقاصد والخصائص الحكيمة جعلت من الحكمة كنز الكلام وشاغلة العقول والوجدان. والمثال القيم الذي يحمل في مضمونة الحكمة اصبح من عامة الامثال تقاس به الاشياء او تقارن فيكون اثره انياً وزائلاً وهذا هو حال الكثير من امثلة الناس تضرب لحاجة ما وتنتهي معها.
الدلالة الثانية: الحقيقة:
الحقيقة هي غاية المعرفة الحقة التي ننشدها ونتعطش إليها في دقائق الامور وتفاصيل المسائل. والتي بها تنشغل العقول وتستلهم الارواح فيض تجددها من ظلاميات الوهم. والحقيقة مستودع الكون ومخزون الكائنات والاشياء. فكل شيء اياً كان هو جزء من الحقيقة بما فيه نحن البشر. ولكننا نضل عنها في مقاصد دنيانا ومشاغل مسائلنا لقصر نظرنا ومحدودية إدراكنا وعجالتنا فنقع في الخطاء والوهم. ونحن محجوبون عن عالم الحقيقة والاسرار ما دمنا في الحياة الدنيا. ولهذا يشير الحكماء واهل العرفان الى عالم المثال وهو عالم الحقيقة الذي هو اوسع من عالم الدنيا كما يشير صدر المتألهين الى عالم المثال ( حجب آيات الاسماء والصفات وهي في الافاق العوالم الثلاثة وفي النفس المراتب الثلاثة. العوالم الثلاث هي: عالم الطبيعة، عالم المثال، عالم العقل ، واستدل صدر المتألهين على انحصار العالم في الثلاثة بان الموجود ينقسم الى: المحسوس المتخيل، المعقول )(16)
ونستشف من تلك المعاني ان عالم المثال بما انه لا وهم فيه فانه عالم الحقيقة. وبما ان المثال الحق والذي ينم عن الحكمة ومضامينها او محاكات وإيحاء لذلك المثال الحقيقي كعالم ان كنا نعلم او نقصد بهذا المستوى من الترابط. وإلا ما معنى قولنا وتعبيرنا عن شيء تعتبره كاملاً وحقيقة بالمثالي. لأنه يعطي معناً من معاني الحقيقة. وبعد زوال كل المنقضيات بما فيها الإنسان والدنيا بأجمعها ليدخل الانسان في عالم الحقيقة الدائم الذي لا زوال او منقضيات فيه او عالم المثال اللامتناهي. ولهذه الدلالة الحقيقة ثلاثة مقاصد ايضاً.
المقصد الأول: كل منقضي زائل:
هذا المقصد يعطينا دليلاً نلمسه في الواقع الدنيوي. وينبهنا في المنقضيات وإن كن في حينهن وظرفهن واقع وحقيقة ولكن لهن حينا وظرفا مادامت اعمارنا منقضية والدنيا كلها سوف تنقضي فالاشياء سارة نحو الحقيقة الدائمة في عالم الاخرة عالم الحقيقة والمثال. إذاً فالمنقضيات هي حقائق آنية ظرفية في عالم الدنيا فهي زائلة بقضائها وإنقضائها. والحقيقة هي التي تؤكد لنا هذا النظام الإلهي الحكيم. الدال على حق وحقيقة الخلق أللاعبث. والإنقضاء والزوال نظام من اجل التجديد والتغيير والتداول ضمن واقع محكوم بالتقدير والحكمة الإلهية حتى تكون الدنيا ساحة العمل والجد وفق العصور والأجيال.
المقصد الثاني : كل وهم ضلال:
الوهم ناتج من ضعف وقصور الانسان عن ادراك الحقيقة ومن تعلق نفسه في الماديات مادامت النفس في عالم الملك فهي في ظلاميات الاهواء وحجب الدنيا. فيحصل الوهم لها في عدة مناح وسلوكيات. والحقيقة في هذا المقصد تؤكد للانسان ان الوهم ضلال طالما لا يجده في النهاية في وقائع الحقيقة.
( فكل نفس ذات ارتباط مع الملكوت الأعلى وعالم الملائكة المقربين، تكون الالقاءات اليها من نوع الفيوضات الملكية، والعلوم التي تفاض عليها هي من العلوم الحقيقة ومن عالم الملائكة. وكل نفس منشدة الى عالم الملكوت السفلي، وعالم الجن والشيطان والنفس الخبيثة، كانت الإلقاءات اليها شيطانية ومن قبل الجهل المركب والحجب المظلمة.
ومن المقاييس التي لا تفرق، بين الإلقاءات الرحمانية، والإلقاءات الشيطانية، والتي لم يذكرها اهل المعارف حسب ما اظن هو ماذكرناه، والذي يدركه الانسان بنفسه في كثير من الاحيان فان ما يلقى الى النفس المعتمة، اللانقيه يكون من الجهل المركب الذي هو مرض نفسي لادواء له، وشوك في طريق وصولهم الى الحقيقة)(17)
فالوهم يوقع النفس في متاهات وظلاميات تنعكس على الانسان فيما بعد ويشعر حينها انه بعيد جداً عن الحقيقة ونفائسها العلمية والفكرية او المادية الحياتية فهدف الحقيقة يبطل الوهم ويدحض الظلال.
المقصد الثالث: البحث عن الثوابت
المثال الحق ومكنون الحقيقة يؤتيان لنا بالقواعد الفكرية السليمة والاسس والمرتكزات العلمية الثابتة كي يرتكز عليها العقل في طلب الحقيقة في المسائل وترتيب وترابط الحيثيات والماهيات من خلال العلم والمعرفة وبواسطة تلك المرتكزات والثوابت الامنة من الوهم في الاستدلال والقياس والمقارنات الفكرية العملية, فالحقيقة ترشدنا الى الثوابت ومتى توصلنا الى ثابت ما فاننا توصلنا الى جزء مهم في الحقيقة وكذلك كلما توصلنا الى جزء مهم في الحقيقة فإننا توصلنا الى ثابت او مرتكز معرفي او عملي يبعدنا عن الوهم والتوهم.
(إعلم ان حقيقة العلم والايمان الذي يتقوم بالعلم عبارة عن النور ولهذا الموضوع مضافاً الى انه مطابق مع البرهان والعرفان. موافق لنصوص واخبار اهل العصمة والطهارة (عليهم السلام) ايضاً لأن حقيقة النور التي هي عبارة الظاهر والمكشوف بالذات المظهر والكاشف للغير، ثابتة للعلم وصادقة علية بل صدق هذه الحقيقة على العالم يكون حقيقياً )(18) .
الدلالة الثالثة : الاقتداء:
هو تقريب للمعنى الامثل صورة ومضمون لمن يعجز ان يصل الى هذه المعاني من ذات قدرته وادراكة كي يكون له قدرة ومثال يقتدي به حتى الصواب او الافضل بين المختلقات وكثرة الاشكال والظواهر والمضامين.
والإقتداء وسيلة من وسائل التربية والتوجيه والتعليم والذي به تختصر الكثير من الوسائل والكيفيات. لأنه وسيلة عملية حيَّة فكراً وسلوكاً .
وحين يقص علينا الذكر الحكيم عن الرسل والأنبياء ويذكر لنا سيََّرهم وصبرهم وجهادهم ليكونوا لنا مثالاً إنسانياً متكاملاً من حيث القيّم والمكارم الاخلاقية والسلوك العبادي الخالص لله عز وجل حتى نقتدي بهم ونتأسى بهم في متغيرات الأحوال والوقوف بوجه الظلم و الباطل. والأقتداء يكون في ناحيتين. الأولى إقتداء الفكر والإيمان. والثانية إقتداء السلوك والعمل. هذا من حيث التطبيق ولكن من حيث المعاني والمقاصد يعطينا الأقتداء ثلاثة منها كسابقتيه من دلائل المثال وأهدافه.
الأول : الأسوة الحسنة
لقد هيأ الله تبارك وتعالى لنا من فيض رحمته وهدايته أمثلة حسنة وجعلها حججا علينا لأن هذه الحجج ناطقات ومن جنسنا بشر يأكلون ويتألمون ويسَّعون مثلما نسَّعوا وهم الرسل والأنبياء والأئمة المعصومون. وجعلهم الله في أكمل التكامل الإنساني وفي أتم المعاني المثالية فأحسنوا هم بها سيرة وعملاً. لكي نقتدي بهم لأنهم الأسوة الحسنة والمثال الإلهي الكامل كي يتعض بهم الإنسان ويتعلم.
الثاني : نستلهم الدروس
طالما المثل الحق من عند الله تبارك وتعالى وهو في غاية إكتمال وكمال المضمون والغاية الإعجازية الحكيمة ومن باطن الحقيقة المطلقة فهو يحمل النفاسة والقيمة بما يتضمن من هداية وإرشاد ومواعظ فنستلهم من شخص المثال القدوة تلك الدروس والمعاني القيمة والإيمانية بما فيها الصبر والجهاد ومكارم الأخلاق وكل الواجبات والتكاليف العبادية مع الكيفيات والوسائل.حتى نتحصن من المعاصي والمحارم. فهم طريقنا الى الله. بالأقتداء و التأسي.
المثال الحق المفعم بالدروس والعبر ومافيه من مسألة المقارنة والقياس بين الصواب والخطأ والحق والباطل والعجز والقدرة والخير والشر لهو من أعظم الدروس مقارنة بغيره بما يرتب من معاني بليغة وصور مثالية مركزة فكرية أو فعلية عملية مملؤة بالمطابقة بين المنهج الإلهي والسلوك الإنساني الحسن. والذي جسده أهل العصمة من خلال التكاليف الإلهية الرسالية بما جعل الله تعالى فيهم من فيض الحكمة والعلم الرباني. حتى يظيئوا دروب الحياة للسالكين خطاهم.
الثالث : السير على المنوال
عندما ندرك المثال الحق والأسوة الحسنة والقدوة الصالحة . ونفهم معنى الإقتداء فكراً وعملاً فنستلهم الدروس بروح متعطشة لمناهل الحكمة والعبرة والمواعظ بوعي وإدراك فنصبح عندها مستعدين ومهيأين للسير على المنوال كون السابقات في هذا المنهج هن المقدمات المطلوبة للتحقيق والتطبيق والإنتفاع وهن كذلك الخطوات الأساسية لهذا المسير المنظم عبر القدوة والمثال صوب السلامة والسعادة الأبدية بهداية سراج الرحمة والرعاية الإلهية حتى يكون الوصول لذلك الهدف والسعادة أميناًً من خطوات الشيطان. ومتاهات وظلاميات أهواء الدنيا وغرورها.
ويقيناً عندما يجد السائر دليلاً له ومرشداً يكون في أمان من كل تيه وضياع يبقى المثال الحق والقيم يحمل معاني ومضامين نستلهم منها الكثير بإعتبارها أشياء متنوعة ولكنها من الحقيقة أو إنها حقائق تعطينا دروساً قيمة.
وقد ذكر الفلاسفة والحكماء المثال وأعطوه حقيقة نقية كونه عالم الروح الوسط بين عالم الدنيا وعالم الآخرة.
( عالم الغيب: يراد من عالم الغيب ما يقابل عالم الشهادة المحسوسة المادية وهو أعم من الصور الذهنية والمعقولات المدركة. ومن عالم العقول المفارقة والنفوس المجردة. ومن عالم البرزخ وعالم الآخرة ومن عالم الأسماء والصفات والصفح الربوبي.
البرزخ : الواسطة بين شيئين فيقال البرزخ للعالم المتوسط بين عالم الأصيام المادية الكثيفة العنصرية وعالم الأرواح المجردة الغيبية )(18)
وحسب ما نفهم من تلك الأقوال وغيرها إن عالم البرزخ هو عالم المثال والذي تتعلق الروح به كونه عالمها ولهذا تأتينا الأشرات من الاموات في رؤيا زيارات الموتى. وبما يوحون لنا بإشياء قد لانفهمها مادمنا نحن الاحياء في عالم الدنيا محجوبون عن حقائق ذلك العالم المثالي .
وقال أفلاطون في المثل: ( إن لكل نوع من الأفراد الخارجية العينية مثال ومشابه ثابت لا يتغير رغم أن الأفراد متغيرة وزائلة وعلم الإنسان يتعلق بذلك الفرد الثابت الكلي ولهذا علمنا يبقى والمصاديق تفنى)(19)
كل ما يقوله أهل العلم والفلسفة والعرفان على مافيه من معاني فكرية واستدلالية أو ايحائية هي عالية القيمة ورفيعة المستوى. ألا إنها تبقى ضمن حدود استلهام كل انسان بما يستطيع أن يدرك ونحن نستعين بأقوالهم وآرائهم العلمية والعرفانية بأعتبارهم وسائط ميسرة لنا في فهم هذه المسائل على صعوبتها وعمق دلائلها أللامنتهية بالنسبة لنا مادام الإنسان في وجوده وإدراكه وطاقاته هو جزء في الوجود كل الوجود بعوالمه كلها ويقيناً الجزء من حيث وجوده لايدرك الكل من حيث سعته وتنوعه.
حيث ان بعض الكتّاب ينظر للمثال أو المثل بمفهومه العادي البسيط عند عامة الناس ويجعلونه وسيلة لفظية للتشبيه والتقارب بما عليه من قوة في جانب وضعف في جانب آخر بأعتبار المثل من متنوعات الذهن وأبداعه وألفاظ الكلام حصراً في فهم بسيط في خصوص مسائل المثال الكلية ومفهومه الأصل.
ونحن نرى غير هذا كما يشير الحكماء وأهل العرفان الى خصوصية أصل المثال كونه عالم منزه من الخطأ والباطل والوهم كما نقلنا من مقاطع قليلة مما تيسر لنا من مصادر. وهذا العالم المثالي لا يدركه الإنسان في عالم الدنيا بكامل تفاصيله وحيثياته من خلال العلم والعرفان إلا ما يستوحي منه بقدر ما أتيح للعارف من فيض اللطف الإلهي لأن يكون مستلهماً بقدر ما يستوعب ويدرك من تلك الحقائق عبر إشارات وإيحاءات عرفانية عالية.
وأي كان الكم المستوحى فإنه درس ثمين من عالم النفائس والحقائق. وبالمحصلة هو معرفة راقية ومتعالية عن المعارف الواطئة المخلوطة والتي يدعيها البعض في مسائل الدنيا وأوهامها لأنها إنعكاس بين المصالح الدنيوية وشهوات الإنسان.
فيبقى المثال الحق القيّم فيض دلائل معرفية تعطينا أقيّسة بما نفهم وندرك نسبية في الكمال والحكمة من أجل الاستلهام والاحتذاء ونستسقي منه الفوائد والمنافع الفكرية والعملية كما هو الحال في الأسوة الحسنة التي خص الله تعالى بها رسوله الكريم (صلى الله عليه واله وسلم). وعلى هذا الاساس والاشارات القرآنية نفهم المثال ونقيّمه مثلما يبين لنا أولئك الحكماء وأهل العرفان بأن للمثال عالم منزه عن الوهم كونه في أصل الحقيقة. لا بما يعتقده ويفهمه الدنيويون والذين يضعون الأمثال ويتعاملون معها تعاملاً دنيوياً محضاً لا يتعدى في فكرهم حدود التشبيه والقياس أو المقارنة والموازنة فهم بحدود الغرض والحاجة للمثال الدنيوي القصير . وكأنه لالغرض إلا هذه الحدود الدنيوية المحدودة. ويكون الفرق شاسعاً لايقاس بين الإيحاء المثالي والإستخدام المثلي في آنيات الدنيا ومحورية الادراك والتبصر للإنسان المحجوب عن الأسرار في ظلاميات الدنيا ومتاهات الوهم.
المصادر:
1- نظرات في الإعداد الروحي / الشهيد حسين معله، منشورات مجمع اهل البيت النجف الاشرف ب . ت.
2- مجلة الأطروحة الكاملة / الشيخ عبد الصمد السويلم / العدد / 10 / س2 1428هـ .
3- بداية المعرفة / العلامة حسن مكي العاملي / دار المغرب للطباعة بغداد / ب . ت .
4- نهج البلاغة / شرح محمد عبدة، مؤسسة الأعلمي ، بيروت .
5- الأربعون حديثاً / الإمام الخميني / دار التعارف / بيروت ط / 7 ـ 1424 هـ ـ 2003 م .
6- آيات قرآنية .
الهوامش
(1) يس / 78.
(2)يس / 79.
(3)مختصر الميزان .
(4)الفرقان / 33.
(5)المصدر / نفسه ص425.
(6)النحل / 76.
(7)المصدر السابق .
(8)نظرات في الاعداد الروحي الشهيد حسين معله، ص84/85. منشورات مجمع اهل البيت العراق / النجف الاشرف / ط ب/الآيات الكهف / 45ـ 46.
(9)مجلة الاطروحة الكاملة ، الشيخ عبد الصمد السويلم / الاسس المنطقية للاستقراء / ص18العدد العاشر السنة 2/صفر/1428.
(10) الفرقان / 33.
(11) فصلت / 53.
(12) بداية المعرفة ـ الاستاذ العلامة حسن مكي العاملي. ص 91 / دار المغرب للطباعة / بغداد ت .ب .
(14) نهج البلاغة / شرح محمد عبدة / ص 183 / ج3 / مؤسسة الاعلمي / بيروت، ت .ب.
(15) الاربعون حديثاً الإمام الخميني / ص 648 / الهوامش / دار التعارف للمطبوعات / بيروت هـ / 7 / 1424 هـ ـ 2003م.
(16) المصدر نفسه ص420 / حديث المراء والجدل .
(17) المصدر نفسه ص 471 ج / 26 / طالب العلم .
(18) الأربعون حديثاً ص 745 / مصطلحات علمية / المصدر السابق.
(19) المصدر نفسه ص 47 .
نشر في مجلة النهج العدد 3 بغداد