حين التقاها بعد طول غياب لم يكن يحسب أنّ بنت خاله قد أضحت فتاة في سن العشرين تتمتع بهذا الجمال الخلاّب وتلك الطلة الساحرة البهية .. فهي في وجهها الصبوح المكتسي حياء ولطافة وبِشر تشبه ناسكة لم يعتري مخيلتها سوى التفكير في ملكوت الكون ، وقد ذادها إفتنان وروعة رشاقتها التي حدْت بها التشبيه بمُهرة جامحة تستعصي على أكثر الفرسان خضرمة ترويضها وكبح جِماحها ، وحتى أنه انبهر لمرآها وتلعثم كونه لم يرها مذ كانت طفلة في الثامنة من عُمرها ، فهو في ربوع ( كردفان ) الآثرة بهضابها وواحاتها ورمالها وتلالها بينما هي وسط الخرطوم النابضة بالحبِ والحركة .
كان في الواقع جاء لزيارتهم في بضعة أيامٍ ليطير عائداً من حيث أتى ولم يكن مستعداً للتضحية بها ليهجُر خلفه عالماً على السجية يضِجُ بالسعادة والواقعية والوضوح الخالي من كِلفة المدنية لولا مواصلة الأرحام وتفُقدْ حال الخال الذي ابتلعه كرش العاصمة عبر خُرطومها الكبير ولم يدعه حتى التفكير بتخصيص وقت لزيارة كردفان حيث العشيرة والمنشأ ، الكل بادره الحبّ وغمره بالرعاية على غِرار عاداتنا وتقاليدنا الرفيعة ، فوجد نفسه مُحاطاً بهالة من الحنان والإهتمام البادىء ، خاصة هي التي وجدت عنده دفء الأخ الكبير الذي كانت تفتقده طالما هي بِكر أبيها ، فلم تُبدى إنطوائية تجاهه بل فتحت له أبواب قلبها يتصفح دواخلها في صراحة وسهولة ويُسرٍ ، هو أيضا يتمتع بمظهر جاذب ورزانة كعادة شُبّان ريفنا الحبيب الذين شبّوُ على تلك الخِصال الحميدة والخِلال النبيلة حيث اكتملت شخصيته المرحة بثقافته العالية المحيطة بكل أوجه الأمور ، بهذا رأت هي فيه حلقة الوصل المفقودة للحوار الناضج .. النافع .. حول المواضيع التي تهم الشباب وحدهم لاغير ، تلك المواضيع التي لا يمكن تناولها وتشخيصها في مجتمع العامة مهما توفرت السُبل وتهيء المناخ ، بينما رأى هو في سريرته أنها التُفاحة التي تخصه دون الجميع ، هو وحده من يجب عليه قطفها وإشباع نهم حبه المتْقد كنار مستعرة ، ولم لا ، لطالما بدر منها ذاك الإندفاع الباهر نحوه ، لابد أن تكون أسعد الناس حين يبُثّ لها مشاعره ولواعجه الحانية ، كان في الواقع محتاراً بين مصارحته لها حبه وبين أن يُفاتح خاله الموضوع أولاً وفق ما جرى عليه التقليد في الريف فلا يرتابه شكّ في كونها سترفضه ، أكيد ستوافق وتبادله مشاعر الحُبّ وإن مانعت بعض الشيء لا يعدو كونها تحت تأثير الحياء والخجلِ .
في إحدى الليالي وعلى مائدة عشاءٍ أوضح لخاله أنه يطلب يدها وهو مستعداً لتلبية كل ما يُطلب منه إن بارك ووافقت هي ، اندهش خاله كونه لم يكن يضع ذلك في الحُسبان قياساً بالمدة القصيرة التي قضاها بينهم ، كما أنّ ابنته شبه مرتبطة بأحد أبناء معارفه الذي طرق بابه ذات يوم وتمخض حينها تأجيل النظر في الموضوع لحين إكمال دراستها التي تبّقى لها العام ، لم يُعطِه الردّ بل قال في نفسه سأترك الأمر لهما وسيعلم حقيقة مشاعرها تجاهه حين يسألها ، بعد صمت وجيز بادره :
- بالطبع أنت ابني حيث لا ألحظ فيك خصلة سيئة أعلمها تتعارض والطلب فيما يخصني كأب لكن درجتم أنتم شباب اليوم على التوافق في خصوصيات حياتكم ، تلك الخصوصيات التي لم تكن في زماننا ذات أهمية ، في زماننا يتزوج الأقرباء حتى دون أن يرى أحدهما الآخر ومع ذلك كُنا أوفياء أكثر منكم ، أمّا اليوم فكل شيء لديكم تغيّر ، عموماً هي عروسك فقط إكسب قلبها وسأزوجكما دون الحاجة لأبيك .
ذات يوم اقترب منها بينما تراجع فروضها الدراسية ، دعاها الإنفراد للإفصاح لها عن شيء يعني له الحياة برُمّتها حسبما قال، ضحكت بإنشراح وفي دعابة خالية من الخُبث قالت :
- أكيد قد سلبت وجدانك إحدى فتيات جيراننا ، على العموم مُرني وسأجلب لك طريدتك عروس في فستان زفافها ، منذ التي ترفض هذه الشخصية الرائعة المرحة النابضة بفتون الشباب ، يالكِ مِن سعيدة بنت الجيران!! ، كانت كلماتها تطعنه بألم لكنه طعن لا يخلو من الإنسياب في رقةٍ إلي داخل قلبه المفعم بالحبِ النبيل ، فطعن كلمات الحبيب كالزبيب ، قاطعها بلا تحفُظّ قائلاً :
- لست هنالك سِواك .. أنت من أحببت ، لقد اخترتك شريكة لحياتي رغم قِصر المدة التي قضيناها معاً كشخصيات ناضجة مُدركة للأمور المتعلقة بمصيرهما ، وحتى أني واعزريني في هذا قد فاتحت الخال بحقيقة مشاعرى نحوك .
- تحبني أنا !! ، بدأ واضحاً أنها ذُهلت وفقدت إتزانها .. ألم يخبرك خالك أنني مرتبطة بشخص آخر؟ ، لقد جئت متأخراً جدا وقدرنا أن لا نكونا شريكا حياة ، أنسني وأخرجني من حياتك للأبد ، كم أحترمُك وأحترم مشاعرك لكن قد فات الأوان .
في نفس اليوم حزم حقائبه وأعلن الرحيل رغم محاولة الكل بما فيهم هي شخصياً إثناءه عن قراره المفاجىء لكنه علل ذلك بالفراغ الواسع في مسئولياته التي تركها خلفه دون الإلتفات إليها ، الجميع ودّعه مُحّملنه خصوصيات أخبارهم مع الأشواق للأُسرة جمعاء ، ذاكرين أنّ إقدامه على زيارتهم هو في الواقع بمثابة زيارة الجميع وسيردون الدين قريباً بزيارة تستصحب جميع أفراد البيت دون إقصاء ، في آخر مودعيه كانت هي ، التقت أعينهما في حين تلألأت في حدقتيه قطرات جافة كسراب رمضاءنا منتصف نهار مايو من العام ، إنه سراب حُبْ كان يعني له الحياة .. الحياة في روعتها 0