[align=center]في" اربعينية" درويش وذكرى ادوارد سعيد ، الفلسطينيون يكملون نقصانهم/ بقلم: د. وليد الشرفا * [/align]
تماما ، مثل المسافة بين شاهدي قبر ، حيث تصبح المساحة في اتجاه واحد ، يبقى التساؤل فيه حول موقع القدمين والراس ، اذا لم يوضع الشاهدان بايمائة توحي بذلك ، تموت الابعاد مطلقا رغم بروز الشواهد بشكل صارخ وجارح .
مثل ذلك المسافة بين مراتب اللغة وخلاياها،بين اشتداد الواقعي وامتداد المجازي حيث لا هروب من الدائرة المقفلة ، الا بهروب جديد في قارىء جديد ، وذات جديدة .
ينضم التاريخ الى هذه الثنائيات المتوحدة ، حيث انشطار البدايات والنهايات دوت اي نسق سوى شرعية التاريخ كنتاج او تحقيق ، في سؤال الاولوية . ومن ثم سؤال الشرعية التي ستعود بشكل طفولي الى ثنائية الحق والباطل والحقيقة والزيف ، فيصبح التاريخ غير التاريخ ، ليعود مجازا لانحراف الذوات وتبدل النبوة ومن ثم الانبياء .
بين شاهدي القبر والمساحة الملتهبة بين مراتب اللغة وخلاياها ومكر التاريخ وانقلابه السلس المشروع بين الموضوعي المتحجر والذاتي المائع ، تكتب التجربة ذاتها وخلاياها وتاريخها ، وتمسك باللغة امساك الملهوف بقشة الطوفان ، في تسابق على الافق المعجون بالذوات والتاريخ والجماليات وشواهد القبور .
ولما كانت الافكار الكبرى والخيبات والانتصارات نتاج للعلاقة او العلاقات ؛ فان سر العلاقة يظل هوسا مزمنا بين الموت واللغة والتاريخ والذات ، هذا الهوس هو الذي سينتج الشعر والفسلسفة والجدل والتخييل ؛ على اعتبار انهما متكرر متغير لحالة ثابتة تبدل اطرافها فالموت حضور اللاغة ، واللغة سجال التاريخ الذي سيخلق الفكرة الهشة في ذلك التعارض بين الكوني والخاص او المفتوح والمتعدد ، حيث تخلق سجالات الايدولوجيا – الماكرة- بايحاء من هيجل .
بين هذه الكليات الحادة ، الكبرى ، المتكررة ، الطاغية ، نسج الفلسطينيون تاريخم الواقعي والرمزي ، وقد دفعوا ثمن العلاقة بين التاريخ والجغرافيا واللغة والذات فقدمو مرافعيهم – قسرا او اختيارا – لدفع تازيم العلاقة مرة ، والتناص مع محطات التازم الكبرى ، منذ سقراط والمسيح والتوحيدي وابن رشد وجبران وفوكو ، وما زال التاريخ ينتدب او يورط اسياد العلاقات لهدمها او فضحها او ادامتها .
المرافعون الفلسطينيون:
قدم الفلسطينيون ثتائية متفارقة لتازيم علاقتهم وادامتها بين الذوات والتاريخ واللغة ، قدموا نبيين يقفان على ارجوحة اللغة المجادلة والمخاتلة ، نسجا لعلاقة مع تاريخ ماجور ومازوم على مستوى الذات والعالم ، في تبادل للعلاقة بين الذات والتاريخ
التاسيس
يخرج محمود درويش هائما ،’ يلتصق باطراف امه من البروة ، مرض الحب المزمن فيما بعد ، يخرج خروجا ناجما عن علاقة مشبوهة بين تاريخ مازوم وطارىء ، وبين تاريخ راكد واصيل ، تنفجر العلاقة بالنفي والتطهير وفقا لمتطلبات القوة وتفجير اللغة والتاريخ ، بهبم درويش ومنذ اللحظة الاولى لهيامه ، تنفجر علاقة مضادة تحول التاريخ الراكد الى عاصفة جمالية ، وتعود الفكرة التي تتناسخ شعرية مستفزة تسخر وتبنني وتهدم وتقيم تناصا مع الحالات الكبر ى على اعتبار ان تفجير الرموز يعوض مسخ الواقع .
ى يخترع درويش بعد هذه اللحظة ، ثنائيته الخاصة بين الطفل الصغير المرتجف ، الذي سيكتبه في تناص اخر اميل حبيبي شاهدا على التشرد وساخرا من الفوارس الجدد في المتشائل ، يخترع درويش ذلك الطفل الشفاف المرتجف الذي يهتز امام الريح ، بعد علاقة اولية غرائزية مع المكان العذري حيث البصمة الاعمق والاخطر في اللاوعي ، يقف هذا الطفل حاكما وموجها لجيش الذكريات الذي سيحمله حتى مماته ، يظل ذلك الطفل المعيار الاخطر والمرافع الاكبر عن شرعية الوجود والموت . يفول درويش : " وصرت انا اكبر ، صرت شاعرا يبحث عن ولد كان فيه ، تركه في مكان ما ونسيه ، الشاعر يكبر ولا يسمح للولد المنسي ان يكبر ، هنا قطفت الصورة الاولى وهنا تعلمت الدرس الاول ."
لا ادرب ان كان درويش يستطيع فعلا ان ينسى ذلك الطفل او ان يحجمه في قمقم ما ؛ فالطفل هنا لا يمكن ان يسجن ، انه كالطاقة تماما ، يتحول ولا يتبدد ، لقد ظل هذا الطفل يكتب الرجل والشاعر والقضية بشكل قسري ، يقول درويش في مراثيه التي سقت تشيييعه : " تلك المراة المهرولة المكللة ببطانية صوف وجرة ماء ،تجر بيدها اليمنى طفلا ، وبيدها اليسرى اخته ، ومن ورائها قطيع ماعز خائف ، تلك المراة الهاربة من ساحة حرب ضيقة الى ملجا غير موجود ، اعرفها منذ ستين عاما ، انها امي التي نسيتني على مفترق طرق مع سلة خبز ناشف وعلبة كبريت افسدها الندى .
ان الطفل الشاعر ، كابة وحزنا بسبب انتزاعة في لحظة من ثنائية يمكن ان تتبادل : الام والوطن ، سيصبح شاعرا بالفطرة وفق مقولة جبرا ابراهيم جبرا بان الفلسطيننن جميعا شعراء.
كان ادوارد سعيد ، يتشقق صراعا مدفوعا من الداخل هذه المرة ، بعد قرار الاب شطب الذاكرة عتبا او انتقاما من تاريخ طال صمته حتى فقد لغته ومنذ الاستعارة الاولى للتاريخ البديل بالاسم – ادوارد – يعود سعيد ليبحث بشكل متمرد عن جذوره بعدما فشلت محولات قتل الطفل الذي سيصبح صاحبه مفكرا وفيلسوفا وسيدا في المرافعة التاريخية في مفاصلها الكبرى ممتطيا ببراعة تفوق الاصل لغته الجديدة التي اكتسبت تلقلئيا هواجس الطفل المشاكس وانتصار التراب فيه على موسيقى خفلات الميلاد.
يفكك سعيد اسمه بين المستعار الطاريء الذي يحاول جدلا الالتحام بالاصل المغرق في هويته – سعيد- يعلن سعيد اانحيازه وتمرده في عودة عاصفة مقننة فكرا وفلسفة ، ومسكونة بالجماليات المطلقة والتفاصيل المحددة ، يتمرد الشلب ليعيد اكتشاف ذاته في السرديات الكبرى الكاشفة عن الحنين والرغبة والمنفى والقمع والشعور باليتم المزدوج ، بالانفصال عن الاصل مرات مركبة ، عن الله في التصور التراجيدي الرومنسي ، وعن الارض – الوطن – في التصور اللاواعي للحظوة الميلاد ومسقط الراس ، وفي التصور القصدي المدعم فكريا وفلسفيا ونقديا في مقارعة اصحاب الاستعارات الكبرى ، لقد انشا سعيد تاريخ الفلسطيين المضاد في الحافلة نفسها التي نحمل تراث الفلسطينيين واعواد محاريثهم وحكاياتهم الكنعانية الى متحف المتى العجائبيين .
الانتشار والاحتجاج
يستقر درويش في بيروت ، ويدشن المؤسسة العمق في اعادة تعريف الفلسطينيين بذواتهم ، ينشيء الكرمل ، وهي ذروة رمزية ثقافية تؤكد الوجود الفلسطيني الواعي غير الانفعالي ، كانت الكرمل رجع الصدى للعشق الازلي لحيفا والجليل ، واذ سيقف الكرمل الجبل والمؤسسة يعيد حكمة الحب والثورة ،’ يعيش درويش ليؤرخ جماليات المقاومة والخيبة والانكسار ، لقد كان درويش في تلك المرحلة البعد الرمزي الجمالي الواعي للمنفى والمخيم والثورة والبندقية حيث تفتست الاخر ومقارعته في سؤال الاخلاق والوجود لقد طتب مديح الظل العالي وحصار لمدائح البحر وهي اغنية وورد اقل وارى ما اريد وذاكرة للنسيان ؛ ليبهر العالم بشرعيته ويؤكد ان الفلسطينيين ما زالوا يتناسلون في لمتداد تاريخهم الطويل في عبادة الجمال وحراثة الارض والحنين واختلاق الحياة والموت.
يلتحم درويش بقلمة ورصاصه في مؤسسات منظمة التحرير ، ويرثي جحافل الضحايا والمصلوبين مبتسمين من حوله ، ويرى البحر جلدا من الفولاذ ، والعصافير ريش من صواريخ وقنابل موقوتة ، يرثي غسان كنفاني ويحوله الى ايقونة جمعية تدخل دائرة المطلق دون مواربة غسان ينجب راثيه وحامل رايته ، يدفن غسان الذي انفجر مبشرا بزلزال ، ويستمر درويش بنثر ريش الفلسطينيين وصاصهم في الافق مقلق السماء ، ويستشهد ماجد ابو شرار ويرثيه درويش في الكرمل بقيامة لغوية ، ويقفلا درويش في حموة الرثاء باستعارة اساطير الخلود الكبرى من اساطير المومنين وغير المؤمنين في انسجام عغريب ، يتخذ شكل الجدل في حرارته وشكل البديهة في صدقها.
يستقيل درويش رسميا من مؤسسات منظمة التحرير ؛ فهو صانع مغامرة الجبال والذكرى الطفولية التي لا تعترف بحدود المنطق وتاويل السياسة ، يقع في المصيدة لكنة يرى في القضبان اطارا للفضاء ،هكذا حلمه وهكذا علمنا الحلم ، لم يندفع درويش نحو التقيض المعارض باغوائه القيمي وعلو خطاباته وامتداده الاعلامي لانه ربما كان الاعرف بالشجرة الام الشجرة التي تقلم ولا تستبدل ، لقد ظل واقفا على خيط النار والبرزخ بين حلمه الطفولي وفكره الجدلي الذي بدا يتخلص من ثنائيثه ، يييعود درويش ليلتحم بالطفل مجدد ، ويعيد طرح الوجود من حلقلته الكبرى ويحن ليصبح فيلسوفا .
اما سعيد فينفجر جدلا ومرافعة تاريخية ، يمد ذراعاه يعتصر الارض فكرا ويصيب رحيق الحياة كمرافع نبوي امام التاريخ مدافعا عن شرعية وجوده الفردي وهوبته المحضة معادلا لفلسطين ، يحالرب سعيد على جبهة المعرفة والسياسة والاخلاق وعلاقات القوة ، لقد كان شعاع النار المتفرد بين كثبان الدخان الداكنة انتصار الطفل المتدرج على سلم المعرفة والتاريخ ، يمزق سعيد اسطورة النرجس القائم على قيادة سفينة الحباة التي يجب ان تتجه غربا ، كامن الناجي الوحيد من سفينة الطوفان في إعادة الحياة ، ظل يحرث الارض وحيدا متوحدا ،فعادوا اليه وقد خلق جيلا جديدا يدافع عن ذاكرته ، في استنساح لهيام الفلسطينيين بحثا عن الاخت الضائعة بعد ان اختطفهاh الثور وافترسها الملك ، ظل يبحث ليبني _ طيبته- في ارض الثلج والصقيع والفولاذ ، ليعد تقديم الضحية المسلحة وعيا ومقارعة ، في المسالة الفلسطينية والاستشراق ، وغيرها من المحاضرات والانشطة التي ظلت تقول : نحن هنا
ينضم سعيد الى مؤسسات منظمة التحرير ، وقبل درويش كان قد استقال احتجاجا على مظاهر الفردية والفوضى وهوا لجمعي المحدد ، وبدات الامور تسير نحو علاقات جديدة بعيدة عن الهوية والمصير والعودة ، لم يلق سعيد بنفسه في لجج المعارضين الذين ملاوا الجو صراخا وطبولا عندما تحولت القضية الى ضجة إعلامية وتجاذب فارغ على الصور الفجة ,، وسعيد نقيض الدوغمائية لا يستجيب لاغوائها ، ظل يسير على على خيط حدود العالم في الشرق والغرب يطرح ثمار الفلسطينيين الملتهبة بلغة من قطعوا أشجارهم وحفروا على جذورهم
الانحسار والخيبة
يعود درويش ، يعيش في رام الله ، يشرب قهوته الممزوجة بالزجاج المطحون ، يرى الانحسار في الحلم والتراجع في المؤسسة ؛ فالفلسطينيون يفقدون العلاقة بين الفلسطيني وغير الفلسطيني ،ويخترعون علاقتهم الاصولية بين الكافر والمؤمن ، والفلسطينيون الان يستبدلون خزنة ثقافتهم التي مثلها غسان كنفاني وابو شرار وجبرا وكمال ناصر ودرويش ,وهم على شبة النقيض في الاختلاف إلا اتهم لم يتفرقوا ، يستبدل هؤلاء بخازن جديد يكره رؤية صورته في المرآة تجنبا للتعدد ،
الفلسطينيون الان يقتلون انفسهم لكن ليس على صيغة الجدل المسلح حول من هو الاقرب لفلسطين ، بقدر ما هو موت السلطة وعقلية الإمامة المتجددة دون إمامة اصلا, وينحط السؤال من شرعية ممارسات السلطة الى شرعية السلطة نفسها، يعود درويش في احتفالية البدائل المقنعة دون وجوه حقيقية ، يعود درويش الذي الذي اعطانا حكمة استشراف الموت في حياته ، ولذة وحتمية الدخول في برزخ الحياة من دمه وفي مماته ، يعود درويش ليرى المتخمين يفصلون شهواتهم بمقدار المنا ، لقد احترق درويش وهو يشاهد النهاية التراجيدية للمسرحية الفلسطينية ، باختلاط الممثلين مع الجمهور ، ليصبح المسرح سقفا والوحل فضاء الحكاية ، يقول : وارى كيف تذهب مني حياتي الى الآخرين ولا أتساءل عمن سيملأ نقصانها
يعود درويش ليرى أصحاب الحتميات النقيضة اصدقاء في تقاسم الغواية ، حيث لا مساحة بين الاصولية والتعددية الا بمقدار مائدة الطعام ،وتصبح فلسطين غطاء المائدة ، وتصبح المائدة اعز من الشهيد ، الثقافة الجديدة " هي ما يفيض من كرم القوة ، وكانعلى القتيل ان يعتذر عما سببه للقاتل من صدمة..... وختم الحكاية ، وطن يعزي القاتل الخائف ، وهتفوا : الخوف لا العدل اساس الحكم
في ثقافة يحكمها اولياء الله دون أي ملمح رباني على الارض يختار درويش موت الفلاسفة ا لهاديء المنكمش،يخجل من محبتنا ودموعنا ،لكنه ينتشر فينا ولانخجل نحن من دموعنا عليه فهو الذي نفخ فينا من روحه لنظل فلسطينين،يموت درويش متحملاً لدغات الزجاج تسري في دمه ولا يحملنا طاقة البكاء والنحيب عليه.
في المقابل يختار سعيد موت الشعراء عن قصد و اصرار ويكتب وصيته أن ينثر ذراه على حدود ذروة الكنعانيين إنه حنين الفيلسوف الى أثيرية الشعر واللفظة الفلسطينية الأخيرة في جسده. بين موت الفيلسوف المنكمش وصانع معرفتنا الشعرية الرهيب،نعيش نحن الفلسطينين حالة يتم معرفي وسط الضوضاء والضجيج في تقاسم الذبيحة حيث يبحثون عن السكين الارحم في ذبح انفسهم ويجلس الشيخ والملحد في صلاة الجنازة يعلنان استنكارهم للقتل .
كالحمام ترفرف روح سعيد وروح درويش بين قصرية الرحيل و قيد العهد .
جامعة بيرزيت