الدكتورنجم السراجي
قراءة متأنية في نص ـ العتبة ـ للكاتب خليف محفوظ
نص متكامل فنيا ، تقنيا ، يحمل مفردات القص المتمكن وانسيابية متميزة شفافة في الطرح والتنقل بين الصور والمعاني وتوالي الفكر وتركيزها بشكل فني وقدرة مكنت الكاتب من الإحاطة بنصه والسيطرة على أحداثه وتطويع الكلمات لصالحه .
جعل الكاتب ـ العتبة ـ هي المحور الذي تدور حوله الفكرة وهي المفتاح أو الشفرة التي تنطلق منها أدوار الشخوص أو المفصل الذي تتحرك فوقه أو من خلاله الأحداث التي غطت مساحات وافيه من :
ـ القيم الاجتماعية :
المتمثلة بـ :
ـ اليتم وحرمان الحضن الدافئ وزوجة الأب وما يتبع
((مطرلهإيقاع النشيج القادممن الوديان و الأيام السحيقة حين كان يدرج أمام عتبة البيتحافي القدمين عاريالساقين، يقف عند العتبة يمص إصبعه و يتطلع إلى زوجة أبيه ترضعوليدها و...))
ـ العنوسه : التي مثلتها العمة وقد جفت آمالها وذبل عود شبابها وهي تنتظر رقة قلب أخيها بالموافقة وهو موضوع يمثل لوحده أقصوصة تعالج القيم الأخلاقية في مجتمعاتنا العربية والشرقية بشكل عام وسطوة مجتمع الذكورة ونسيان الأنثى خلف شمس الإنسانية وسلبها حقها الاجتماعي والديني والإنساني على مرأى ومسمع أعيان المجتمع والدين وكل من يهمه الأمر.
((و يتكور فيخضن عمته منصتاللمطر في الخارج يسحبينما يداه تتلمسان صدرها في العتمة، يمسكه بكفيه الصغيرتين،يفيض عليه، يخبئ وجههفيه. لكنه جاف!
ـ لماذا ياعمتي ليسفيهحليب؟تتنهد و تضمهإليهاـلأنه لم يأت، انتظرتهطويلا، عمرا مريرا، دهرا مليئا بالترقب و العذاب. و اليومتأخر كثيرا، و إذاجاء فاني لا أعرفه، أسقطت ثمري و نفضت أوراقي.))
ـ القيم السياسية :
نرى نقد مؤلم ساخرللأوضاع السياسية المتدنية لمجتمعاتنا ومن يحكمنا ويتولى أمرنا ، وقد أشار الكاتب هنا بشكل تهكمي مشروع إلى التناقضات الحاصلة في أسلوب أو كيفية حكم الشعوب المغلوبة على أمرها وكيف تتلاعب بمصائرهم :
أولا : الأيادي السياسية العابثة وهيمنة واستبداد رأس المال أو سلطة المال ( الأليغارشية المادية ) التي تعلن مختلف المصطلحات والعناوين والمسميات و الأطروحات والمعادلات السياسية والاقتصادية لفرض فرضية حق أحقية الأسياد في الحكم والاستبداد والتمتع وفرضية وجوب وجود طبقة العبيد بمختلف المسميات والأشكال والأوجه لـِيـَّصـِّفـُوهم كالأعمدة المتلاصقة ويعبروا على أكتافهم إلى انهار ملذاتهم .
ثانيا :
السلطة الدينية المتطرفة ( موجودة في كافة الأديان الموحدة وغير الموحدة بلا استثناء ) التي لبست درع الدين (الأليغارشية الروحية ) وفرضت هي الأخرى حكمها وهيمنتها على أرواح ورقاب وأموال وإرادة وتفكير البسطاء من الناس واستغلت لصالحها الأقلام الصفراء للترويج لها والى بضاعتها المدمرة التي لا يشم منها إلا رائحة الدم والاستغلال . وبين هذه السلطة وتلك تضيع الشعوب والقيم وتصل إلى نتيجة واحدة ومحتومة وهي دفع البلدان إلى حافة الإفلاس نتيجة السرقات الكبرى أو الحروب الأهلية أو المحلية لان هذه حكومات وأحزاب وسلطات ـ أزمات ـ قائمة على التفرقة والخراب ولا يطيب لها السلام والأمن والاستقرار .
(( فالبلد كلهواقف على العتبة، بعض المحللين يرى أنه لم يتزحزح عن عتبة الاستقلالمنذكم سنة، و بعضهم يقولانه على عتبة حرب أهلية، و آخرون أنه على عتبة الدولةالعلمانية، و بعضهمأنه على عتبة الدولة الأليغارشية، وبعضهم ينتقد المسيرين أنهمظلوا يمصون و يمصونحتى أشرفوا بالبلد على عتبة الإفلاس. أليس هذا مثيرا للغرابة؟أتراهم هم أيضا لميرضعوا أمهاتهم وهم صغار؟ ))
ـ القيم النفسية التحليلية
وقد تناول الكاتب هنا هذا المحور بجدية وكفاءة عاليتين:
ـ النظر إلى عملية الرضاعة للأخ غير الشقيق تحت المطر وهو مشهد تراجيدي ولوحة متكاملة الأطراف والألوان والنسق والفكرة وملأ الفراغ والخلفية وانعكاس الضوء والمسا قط والظلال وقياس الزوايا والأضلاع والأبعاد ... ولهذا المشهد انعكاساته النفسية السلبية تتجمع وتخزن في المكان اللاواعي الباطن من العقل وتترسب آثاره الجانبية وتكبر ككرة ثلجية تزداد حجما كلما تدحرجت اكثر وأعطى الكاتب وكأنه طبيب يشخص أولا ثم يعطي العلامات والأعراض الظاهرة وبعدها يحدد العلاج فترى:
عدم تفوقه في الدراسة و مص الأصابع أو تقطيع الأظافر أو تكسير رؤوس الأقلام
((الوديان والأيام السحيقة حين كان يدرج أمام عتبة البيتحافي القدمين عاريالساقين، يقف عند العتبة يمص أصابعه))
((في المدرسةكان ترتيبيدائما على عتبةالسقوط، أقضي الفصل أمص رؤوس أقلامي يكسر المعلم قلمي و يسخر مني: مكانك في روضةالأطفال. ينفجر التلاميذ ضحكا و أقف أنا على عتبة البكاء محمرالأذنين.
حالة الانطواء على النفس والحرمان من الجنس الآخر الأنثوي
(( الاّأنالصوت منعش كرذاذالموج مموسق كإيقاع الغروب و أسراب الطيور تمخر هدأةالغسق.
ليس هناك مايثير أعماقه، و يفتح مغالق روحه الكتوممثل صوت امرأةطروب،))
اجترار الذكرياتوالحنين الى عالم الطفل في داخله للتغلب على عقدة نفسية لازمته وأزمت حياته وسلوكهبشكل عام وهي عقدة الرضاعة التي لا يتصورها لأنه لم يجربها
((و لكن عينيه انشدتاالىصورة عجيبة فيالحائط: صورة أم ترضع وليدها و تبتسم، و تحتها عبارة تشيد بحليبالأم. كانت تلقمهثديا مستديرا، أبيض،ممتلئا، له دارة قرمزية تتوهج كالشفق. والوليد يمسكه بكلتييديه مستكينا الى دفء حضنها )) الشكوى من الالم وحالة الخوف من السرطان التي راجع الدكتور من أجلها واخبره الطبيب بأنها حالة نفسية يعاني منها الكثير هذه الايام وهي اشارة لى تدني الوضع النفسي للمجتمع .
((ـ ذهب بك الخوف بعيدا، حلقك سليم تماما، إنما هيحالة نفسية تشعرك بهذا الانقباض. و الواقع أنها تشكل ظاهرة هذه الأيام، فكثير غيركسبقك يشكو نفس الحالة. و هي نتيجة الضغوط التي يعانيها الناس في هذه المرحلة،فالوضع الاجتماعي ينبئ بأن الناس على عتبة الاختناق. ))
ـ حالة الاعتقادات والخوف من القطة السوداء كمثال على وفاة الوالدة وحالة الاب النفسية المضطربة من يوم وفاة الزوجة الحبيبة وعدم حبه لابنه او كرهه له فهذا وصف لاضطراب نفسي لاشعوري
(( هل تدرين يا عمتي أني الى الآن و قد صرت رجلا ما أبرح واقفا علىالعتبة؟أينما توجهت أحسني على العتبة، أبي كنت على عتبة قلبه فلا هو أحبني و لا هوأبغضني، لكنه ظل ينظر الي في قرارة نفسه على أني طالع شؤم ))
وفي الختام وبعد هذه الرحلة الطويلة في عوالم هذا النص الرائع انتظرت من الكاتب وأنا أتابع واحفظ أحداثه في ذاكرتي أن يدخل عنصر المفاجأة أو المباغتة ويكسر حاجز طرح الوقائع وتركها هكذا دون علاج وهي أحداث مهمة وفي تماس مباشر مع حياتنا اليومية وعلى ما يبدو ستلاحق أجيال أجيالنا مادامت عقلية التسلط وحب ـ ألانا ـ قائمة . لكن الكاتب وبذكاء ودراية ترك للمتلقي حرية إمكانية التحدي والتمرد أو لقبول على هذه الحالة والمسببات والنتائج ليختار لنفسه ردة فعل تناسب تطلعاته وآراؤه و اهتماماته وخلفيته الثقافية الدينية ونظرته إلى المجتمع وتقييمه لوقائع والأحداث .