الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-10-2021, 12:36 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


Ss70014 قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

بين يدي السورة



فضل سورة البقرة:
- هي "مدنية" وهي أول سورة تأتي في ترتيب المصحف الشريف بعد سورة الفاتحة:
- وهي سورة سماها خالد بن معدان فسطاط القرآن لعظمها ولما جمع فيها من الأحكام.
- وسميت سنام القرآن، وسنام كل شيء أعلاه.
- وهي أولى الزهراوين.
- وهي حافظة وواقية من الشياطين، فهي تطرد الشياطين من البيت الذي تُقرأ فيه:
"اقرؤوا القرآنَ؛ فإنه يأتي شافعًا لأصحابه، اقرؤوا الزَّهراوَين: البقرةَ وآل عِمرانَ، فإنهما يأتيان يومَ القيامة كأنَّهما غمامتانِ أو غيايتانِ أو فِرقانِ مِن طيرٍ صَوافَّ تُحاجَّانِ صاحِبَهما، اقرؤوا البقرةَ؛ فإنَّ أخذَها برَكة وتَركَها حَسْرة، ولا تستطيعُها البَطَلة"*.
* الراوي: أبو أمامة الباهلي
أخرجه مسلم (804)، وأحمد (22267)، والطبراني (8/138) (7542)، والبغوي في ((شرح السنة)) (1193) واللفظ له.

- فيها أعظم آية في القرآن الكريم، آية الكرسي.
- وفيها آخر آية نزلت من السماء: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾٢٨١ نزلت في حجة الوداع يوم النحر، وكان يوم جمعة، فكان عيدين.
- هي أول الطوال، بل هي أطول سور القرآن الكريم.
- جمعت الأركان الخمسة للإسلام:
1) ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١
2) ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨
3) ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤
4) ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
5) ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦

الوصل المعنوي بينها وبين فاتحة الكتاب:

- افتتحت السورة بقوله: ﴿الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ وهذه إشارة إلى ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾. والكتاب هو السبيل للصراط المستقيم،
- حين طلب الحامدون الهدى في الفاتحة، قال: هذا الكتاب هدى لكم فاتبعوه،
- جاء في أوائل البقرة بالطوائف الثلاثة الذين ذكرهم في الفاتحة: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون،
- القاعدة التي استقر بها القرآن: أن كل سورة تفصيل لإجمال ما قبلها، وشرح له، وإطناب لإيجازه:
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ تفصيله ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ ١٨٦، و ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ﴾ ٢٨٦، وبالشكر في: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ﴾ ١٥٢.
وقوله: ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ تفصيله في الآيات: ٢١ و٢٢ و٢٩.
وقوله: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ أومأ إليه في الآيات ٥٤ و ١٦٣ وآية الدين.
وقوله: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ تفصيله في مثل: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾ 284.
وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ يفصل في البقرة بآيات العبادات المتعددة في الشطر الثاني من السورة.
وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ شامل لعلم الأخلاق المنتشر في السورة من التوبة والصبر والشكر والرضى والتفويض والذكر والمراقبة والخوف وإلانة القول.
وقوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ تفصيله ما وقع في السورة من ذكر طريق الأنبياء، ومن حاد عنهم من اليهود والنصارى. لذلك عقب بقوله: ﴿يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ ١٤٢.
كذلك جاء قوله: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا﴾ ١٣٦تفصيل للذين أنعمت عليهم، لذلك عقبها بقوله: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْ﴾ ١٣٧،
- لما ذكر اليهود والنصارى ضمنا في ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ توسع ذكر اليهود في البقرة، والنصارى في آل عمران،
- ختمت الفاتحة بالدعاء للمؤمنين بألا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم ولا الضالين، ختمت البقرة بألا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ، والنسيان، وحمل الإصر، وما لا طاقة لهم به. كما وضعت السورة فرقا آخر بين المؤمنين واليهود والنصارى، وهو ألا نفرق بين أنبياء الله ورسله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ﴾ ١٣٦.

محور السورة:

- تدور السورة حول محورين: الأول: موقف بني إسرائيل من المسلمين، ويتمثل في سلوك يهود المدينة تجاه جماعة المسلمين الناشئة أمام أعينهم. والثاني: إعداد الجماعة المسلمة لتسلم الخلافة في الأرض بعد تنكب بني إسرائيل وتخلفهم عن حملها، ونقضهم لعهد الله.
- تبدأ السورة بذكر النماذج الثلاث: المتقين، والكفار، والمنافقين. ثم تثني بعهد الاستخلاف في الأرض. ثم تسترسل في القوم الذين أخلفوا الله عهد الله على الرغم من إمهاله لهم. وتذكرهم بأفاعيلهم المنكرة التي قابلوا بها نبينهم، ثم مكائدهم للمسلمين، مما يخرجهم من وراثة إبراهيم، وانتقال شرف اتباعه لجماعة المسلمين: ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ﴾ ١٢٨.
- هنا يتحول سياق السورة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه لوضع أسس البناء للكيان الجديد الذي قدر له أن يتولى قيادة البشرية. والبداية تكون بالقبلة: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ﴾ ١٤٤. ثم يكون تفصيل المنهج الرباني الذي ارتضاه الله بعباده المؤمنين من الولاية لله، ونبذ الطاغوت، وتحري الحلال من الحرام في المأكل والمشرب، وحقيقة البر، وأحكام القصاص في القتلى، وأحكام الوصية، وأحكام الجهاد، وأحكام الحج، وأحكام الأسرة من زواج وطلاق وخلع وولادة ورضاع، وأحكام الصدقة، وأحكام الربا، والدًين، والتجارة.
- ويأتي ختام السورة ليتسق مع بدئها، فيبين طبيعة التصور الإيماني.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-11-2021, 11:34 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ


﴿الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤ ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦ مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨ أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩ يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢ وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥ ۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧ كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩




وضعنا الآيات قبل التفسير لتكون فرصة لمن يريد استظهار القرآن، ويرغب في البدء من أول المصحف أن يبدأ بهذه الآيات من السورة، ثم سيتلوها تفسيرها تباعاً، وبعد انتهائه نعرض آيات الموجة الثانية، فالثالثة، وهكذا ...
نسأل الله التوفيق والسداد لنا ولكم.






 
رد مع اقتباس
قديم 13-11-2021, 11:37 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

موقع هذه الآيات من سياق السورة:

هذه السورة مدنية، وهي من أوائل السور نزولاً بعد الهجرة. وهي أطول سور القرآن، وليس من المصادفة وقوعها في صدر الكتاب، بعد الفاتحة. وهي لم تنزل دفعة واحدة، بل تواترت نزولاً حسب ظروف المجتمع الناشيء. وهذا شأن آخر من شؤون الإعجاز، إذ ليس بمقدور غير الله أن ينشيء كتاباً منظماً نظماً دقيقاً لا يداخله خطأ أو تناقض، رغم إنزال مواده متوزعة متفرقة على ثلاثة وعشرين عاماً. ثم إن الأمين يُعَلّمُ نبي الله بوضع هذه الآية في تلك السورة بين آية كذا وآية كذا، ثم ينزل بعد ساعات أو يوم أو أكثر، بآية أخرى، ليضعها في سورة كذا، بين آيتين يحددهما له، وهكذا حتى يكتمل نظم الكتاب، دون أن يُنْقِصَ حرفاً أو يزيد. والذي ندين به أن كتاب الله أُنْزِلَ على رسولنا صلى الله عليه وسلم توقيفياً، بلفظه ورسمه. هذا السبك والنظم لسـور القرآن، بترتيب آياتها، وتنسـيق حروفها، ثم ترتيب السـور من الفاتحة حتى الناس، ما كان له أن يكون هكذا إلا بالتوجيه الإلهي، دون أن يُهْمَلَ فيها حرف، أو يُوْضَعَ في غير موضعه.

هذه السورة ارتكزت على عدة موضوعات لتخدم وظيفة محددة، هي بناء المجتمع الإسلامي، مُهّدَ له بتزكية المسلم وترقية إيمانه، ثم عرض أمر الخلافة في الأرض، ثم تقديم سـيرة الأمة التي انتقل منها عهد الإيمان للرسالة الخاتمة، مع تفصيل ما جرى لهم ومنهم، لتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي تسببت في تجريدهم من شرف حمل الخلافة في الأرض، ثم ينتقل المشهد إلى تأسيس المجتمع الإسلامي عقدياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وكانت إرادة الله بالهجرة لأن يقام مجتمع جديد، يبدأ نموه على صفحة بيضاء، وأرضية بكر، دون صراعات بين إيمان وكفر، أو تعديات على رسول الإسلام وآله بالحصار والتضييق، أو عداءات تنال الضعفاء والمقهورين من العبيد الذين كانوا يعانوا الأمرين من تسلط سادتهم. وقامت الدولة الناشئة منذ اليوم الأول على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين، لا فرق بين سيد وعبد، أو غني وفقير، لتبنى المدينة النموذجية، التي يحكمها كتاب الله، فَتُحِلُ ما يُحله، وتُحَرّم ما يُحَرّمه.

وبعد أن كان التنزيل الحكيم في المرحلة المكية ينظم العلاقة بين المسـلمين والمشـركين، أوجدت نقلة المدينة صنفاً جديداً لا عهد لهم به، هو فئة المنافقين، فكان لابد أن يراعي القرآن وصف هذه الفئة، التي احتل ذكرها ثلاثة عشر آية، بينما ذكر الكفار قبلهم في آيتين اثنتين. وكان كشف هذه الفئة الماكرة لتتضح لأعين المؤمنين صفاتهم وألاعيبهم وليتجنبوا الوقوع في براثن شـياطينهم. وسـيتبين لنا من الآيات أن هؤلاء الشـياطين لم يكونوا غير يهود يثرب، الذين كانوا يؤججون النار بين المسـلمين والكفار، ويحالفون منافقي المدينة للقضاء على دين الله. هذا التصادم بين فئات ثلاثة أوجب أن يبسط القرآن صفات كل فئة ليتبين للناس الحق من الباطل، وليستطيع المسـلمون تطهير مجتمعهم من مكائد خصومهم الظاهرين والمُقَنَعين. ثم إن السـورة تفرد لبني إسـرائيل مساحة من الآيات قدمت سـيرتهم منذ أرسـل إليهم موسى (ع)، وجاءهم بآيات الله، وبمننه العديدة، التي قابلوها بالجحود والإعراض تارة، وبالكفر والشـرك تارة أخرى، ولم يدركوا قيمة إمهال الله لهم، وتجاوزه عن كثير من أخطائهم وعيوبهم، حتى امتلأت صفحتهم بالسـواد، فكان حكم الله تبارك وتعالى باسـتبدال أمة آخر الزمان بهم. ورغم ذلك أبقى الباب مفتوحاً لهم ليتوبوا، ومن يلحق منهم بركب الدعوة الأخيرة ينجو، ولم يسلم منهم إلا قليل.






 
رد مع اقتباس
قديم 21-11-2021, 11:42 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿الٓمٓ ١﴾




﴿الۤمۤ﴾:

في إعراب: ﴿الۤمۤ﴾ ونحوها سـتةَ أوجه:
1) أنها لا محلَّ لها من الإِعراب،
2) أو لها محلٌّ، وهو الرفعُ بالابتداء،
3) أو الرفعُ على أنها خبر،
4) أو النصبُ بإضمارِ فعلٍ،
5) أو النصبُ بحَذْفِ حرف القسم،
6) أو الجرٌّ بإضمارِ حرفِ القسم.
وهي تُقرأ: ألف لام ميم، وهي من الحروف المسماة: الحروف المقطعة، أو المقطعات، أو الحروف النورانية. وهي خاصة بالقرآن الكريم وحده، ولم يعرف هذا الأسلوب في الاسـتهلال قبله.
والأحرف المقطعة تجيء في مطالع تسع وعشرين سـورة قرآنية. والأحرف هي:
- ثمانية وسبعون حرفاً، تختصر في أربعة عشر حرفاً غير مكرر،
- وكلها تُعد آيات مفردة إلا:
...1 ﴿الۤمۤر﴾ الرعد،
...2 ﴿الۤرۤ﴾ يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر،
...3 بينما ﴿حمٓ 1 عٓسٓقٓ 2﴾ الشورى تعد آيتين.

الإحصاء العددي للحروف المقطعة في السور:

1) ثلاث سور بدأت بحرف واحد: ﴿ص﴾ ﴿ق﴾ ﴿ن﴾ ، ولم يستقل الحرف هنا بالآية،
2) تسع سور بدأت بحرفين:
- ﴿طه ١﴾،
- ﴿طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ١النمل، وردت كجزء من الآية،
- ﴿يسٓ ١﴾،
- ﴿حم ١﴾ غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف،
3) ثلاث عشرة سورة بدأت بثلاثة حروف:
- ﴿الۤمۤ﴾ البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة،
- ﴿الۤرۤ﴾ يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، وقد وردت فيها كلها كأجزاء من آية،
- ﴿طسم﴾ الشعراء، القصص، وقد وردت في آيات مستقلة ،
4) سورتان بدأتا بأربعة حروف:
- ﴿الۤمۤر﴾ الرعد، وهي جزء من آية،
- ﴿الۤمۤص ١﴾ الأعراف،
5) سورتان بدأتا بخمسة حروف:
- ﴿كهيعص ١﴾ مريم،
- ﴿حم ١ عسق ٢﴾ الشورى آيتان.
هي أربع عشرة حرفاً، وهي لغوياً أسـماء لدلالة كل منها على نفسه دلالة مستقلة. وقد استعمل فيها الحرف بمعنى الكلمة، على عكس المعنى الاصطلاحي للحرف؛ إذ الحروف في اللسان العربي تدل على معانٍ في غيرها. وقالوا إن الحروف المقطعة هي مفاتيح للسـور التي وردت فيها، وقيل فيها أقوال كثيرة عبر العصور.

وأشهر الأقوال فيها:

1) هي سـر من أسـرار الله اختص بها نفسه، فلا تسـأل عنها،
والرد على هذا القول يسير؛ إذ لا يجوز أن يكون في كتاب الله ما لا يكون مفهوماً للخلق،
2) كل حرف فيها مفتاح اسم من أسماءه،
3) هي أبعاض أسـماء الله تعالى، فحروف: "الر. حم. ن" تجميع لاسـم الرحمن، والباقي لم يعرف تركيبه،
4) هي أسماء الله مقطعة، مخفي فيها اسـم الله الأعظم،
5) هي صفات أفعال الله،
6) بعضها يدل على اسـم الله وبعضها يدل على غيره، مثل: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد،
7) كل واحد من الحروف يدل على فعل من الأفعال،فالمعنى في:﴿الۤمۤ﴾: فِي مَعْنَى "أَلِفٍ": أَلِفَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَبَعَثَهُ نَبِيًّا، وَمَعْنَى "لَامٍ": لَامَهُ الْجَاحِدُونَ وَأَنْكَرُوهُ، وَمَعْنَى "مِيمٍ": مِيمُ الْجَاحِدُونَ الْمُنْكِرُونَ مِنَ الْمُومِ وَهُوَ الْبِرْسَامُ.
8) هي أسماء القرآن،
9) هي أسماء سور القرآن،
10) ذكرت احتجاجا على الكفار لعجزهم عن معارضة القرآن بمثله، أو بعشـر سور أو بسـورة،
11) جاءت مقطعة كتدريج للبشـر، من حروف لجمل ذات معان معجزة، مثل تعليم الصبيان بحروف ثم المركبات من الحروف، ثم يعلمونهم القرآن آيات وسوراً،
12) وسيلة للفت الانتباه، وجمع الاهتمام وجذب القلوب. أو هي إيقاظ للمشركين كقرع العصا لمن تحدى بالقرآن،
13) كل حرف منها مدة لأقوام بحسب حساب الجمل،
14) جاءت تنبيهاً للمخاطبين على قطع كلام واستئناف كلام جديد،
15) هي ثناء أثنى الله به على نفسه،
16) هي حروف لا يعلمها إلا العالمون، فلما جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم على أميته دل هذا على أنه ينقل عن الغيب،
17) النطق بأسـماء الحروف اقتصر على المتعلم، فلما جاء به الرسـول الأمي دل على أنه أوحي به إليه،
18) الألف من أقصى الحلق، وهو أول مخارج الحروف، واللام من طرف اللسان، وهو وسط المخارج، والميم من الشفة، وهو آخر المخارج، فهذه إشارة إلى أنه لابد أن يكون أول كلام العبد ووسطه وآخره ذكرا لله تعالى، على ما قال: ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ الذاريات 50،
19) تأويلات صوفية، مثل: الألف للشـريعة، واللام للطريقة، والميم للحقيقة، أو: الألف إشارة إلى وحدانية الذات، واللام إلى أزلية الصفات، والميم إلى ملكه في إظهار الآيات، أو: الألف للقيام، واللام للركوع، والميم للسجود. أو تأويل صاحب الفتوحات بأنها أسماء للملائكة، وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها فتصغي أصحاب تلك الأسماء إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها،
20) تأويلات مذهبية شـيعية تشير لخلافة علي كرم الله وجهه، ومنها قولهم في:﴿حمٓ 1 عٓسٓقٓ 2﴾: إِنَّ الْحَاءَ حَرْبُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَالْمِيمَ وِلَايَةُ الْمَرْوَانِيَّةِ وَالْعَيْنَ وِلَايَةُ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَالسِّينَ وِلَايَةُ السُّفْيَانِيَّةِ، وَالْقَافَ قُدْوَةُ مَهْدِيٍّ
21) هي من الرمز الذي تستعمله العرب، مثل:
قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ
أراد قالت: أقف،
22) هي كلمات سـريانية، لكل منها معنى مستقل مرتبط بالنص القرآني الذي وقع في استهلاله،
23) في هذه الحروف رموز وحقائق دينية وتاريخية ستظهرها الأيام،
24) هي رموز لأسماء النبي وصفاته، جاءت على هيئة نداء بحرف نداء مقدر، بدليل ظهور ذلك الحرف في ﴿يس﴾ بمعنى يا سيد،
25) هي علامة لأهل الكتاب من أنبيائهم أن القرآن يفتتح بحروف مقطعة،
26) هي دلالة لمن قالوا بقدم القرآن على حدوثه، بدليل أنه مؤلف من حروف كحروف الكلام التي تتكلمون بها،
27) هذا القرآن هو مثال على الفرق بين صنع الله وصنع غيره من خلقه،
28) في فهم حديث قيل: كلها حروف مقطعة ما عدا: ﴿طه﴾: وتعني يا أيها الرجل بالحبشية، و﴿يس﴾ وتعني: عبد الله (من: إلياسين، وإل تعني الله)، و ﴿ن) ويقصد بها حوت يونس.
29) الإشـارة إلى إعجاز القرآن: إن هذا الكتاب مؤلف من جنس تلك الحروف التي تصيغون منها كلامكم، ومنه ما تتباهون به من شعر ونثر، فإنا نتحداهم بكتاب معجز، أن تأتوا بمثله، أو بعشـر سور منه، أو بسـورة واحدة تباريه،
30) من الإعجاز الرقمي الدال على تناسـق القرآن الكريم،وتناسـب آياته وكلماته وحروفه بالعدد والمعنى.

ولعل التفسير الأنسب لعصرنا هو أنها كلها دليل إعجاز، يتحدى به المولى جل وعلا الإنس والجن. فالحروف -على ما نرى- مفاتيح للسـور الواردة فيه، لها بها علاقات معنوية وعددية، لمن يسـبر غورها، ويسـتخرج من كنوزها. وأزعم أن بمقدور المتخصصين في الإعجاز العددي للقرآن الكريم الغوص فيها لوضع خرائط عددية تبين:
1) علاقة كل حرف منها بغيره من الحروف الواردة معه، مثل علاقة الألف باللام والميم،
2) وعلاقتها كلها بحروف وكلمات السورة الواردة فيها،
3) وبمجمل القرآن الكريم،
4) وعلاقة كل حرف نوراني بسائر الحروف الأربعة عشر،
5) وخصوصية السور التي وردت فيها الحروف نفسها،
6) وعلاقاتها فيما بينها، مثل الحواميم، أو الطواسيم.
7) وغير ذلك كثير.
إن إفتراضات البحث في هذا الحقل كثيرة لا تكاد تحصى، وحري بمن يملك القدرة على الخوض فيها أن يخرج لنا من الكنوز ما لم يخطر على بال، ليزداد فهمنا لكتاب الله، ولنرى بعض الأسرار التي لا يحيط بها إلا العليم الخبير.
ماذا كان موقف غير المسلمين منها؟:

إذا استقصينا ـ بداية ـ زمن نزول الآيات التي وردت فيها الحروف، لا نجد نصاً يطعن فيها، أو يطعن في القرآن بسببها. إن المشركين كانوا يتعطشون لهدم هذا الدين في مهده، ويبذلون الغالي والرخيص لإبعاد الناس عنه. رأيناهم يحاجون الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨يس فلماذا إذن لم يراجعـوه في هذه الحـروف؟ لعل الجواب هو انهم اســتوعبوها وفهمـوا المغـزى
منها، وأمامنا نموذجان واضحان على تقديرهم للنص القرآني مشتملاً على هذه الحروف:
1) في خبر عتبة بن ربيعة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ما يزيد الأمر وضوحاً. إن الرجل إغراء الرسول صلى الله عليه وسلم بشؤون من الدنيا تثنيه عن دعوته، فكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم منه بعد أن استمع إليه، أن يطلب منه سماعه، وما رد صلى الله عليه وسلم بأكثر من تلاوة آيات من أوائل ﴿حم﴾ فصلت*، فقال لقومه: والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.
* عن جابر بن عبد الله، قال: أَرْسَلَتْ قريشٌ ، عُتْبَةَ بنَ ربيعةَ - وهو رجلٌ رَزِينٌ هادىءٌ - فذهب إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: يا ابنَ أَخِي، إنك منا حيثُ قد علمتَ من المكانِ في النسبِ، وقد أَتَيْتَ قومَك بأمرٍ عظيمٍ فَرَّقْتَ به جماعتَهم، فاسمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عليك أمورًا لعلك تقبلُ بعضَها. إن كنتَ إنما تريدُ بهذا الأمرِ مالًا جَمَعْنا لك من أموالِنا حتى تكونَ أكثرَنا مالًا. وإن كنتَ تريدُ شَرَفًا سَوَّدْناكَ علينا فلا نَقْطَعُ أمرًا دونَك. وإن كنتَ تريدُ مُلْكًا مَلَّكْناكَ علينا. وإن كان هذا الذي يأتِيكَ رِئْيًا تَرَاه لا تستطيعُ رَدَّه عن نفسِك، طَلَبْنا لك الطِّبَّ، وبَذَلْنا فيه أموالَنا حتى تَبْرَأَ. فلما فرَغَ قولُه تلا رسولُ اللهِ عليه الصلاةُ والسلامُ صَدْرَ سُورَةِ فُصِّلَتْ: ﴿حمٓ ١ تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢ كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥ قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧﴾. إسناده حسن. أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وابن عساكر في تاريخ دمشق من حديث محمد بن كعب القرظي، وأورده الألباني في "فقه السيرة" ص 107.

2) وفي شهادة الوليد بن المغيرة للقرآن الكريم بعد سماعه لآيات تستفتح بشيء من الحروف المقطعة ما يدلل على تقدير العرب لهذا النص المعجز الذي لا يقدر على الإتيان بمثله بشر: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً؛ ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن؛ والله إنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لَمُثمِر، وإنَّ أسفَلهُ لَمُغدِق، وإنّه يعلو ولا يُعلى عليه*.
* قال البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير- أو عكرمة عن ابن عباس -أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا. فقيل: يا أبا عبد شمس، فقل، وأقم لنا رأيا نقوم به، فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع. فقالوا نقول كاهن؟ فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان. فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا نقول مجنون؟ فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقالوا: نقول شاعر؟ فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر: برجزه وهزجه، وقريضه ومقبوضه، ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا فنقول هو ساحر؟ قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجني فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وان أقرب القول لان تقولوا هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره. البداية والنهاية لابن كثير، ج3، ص79.

أما يهود يثرب الذين لديهم ثقافة مختلفة عن تراث عرب الجزيرة اللغوي والأدبي، فقد رأوا أن يترجموا الحروف لحساب الجمل فضاعوا وضلوا: "لأنه ذكر أن جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، وشعبة بن عمرو، ومالك بن الصيف دخلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: بلغنا أنك قرأت: ﴿الۤمۤ ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾ فإن كنت صادقا، فيكون بقاء أمتك إحدى وسبعين سنة، لأن ثم الألف: واحد، واللام: ثلاثون، والميم: أربعون. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا له: وهل غير هذا؟ قال: نعم ﴿الۤمۤصۤ﴾. فقالوا: هذا أكثر، لأن ﴿ص﴾ تسعون. فقالوا: هل غير هذا؟ قال: نعم ﴿ الۤر﴾. فقالوا: هذا أكثر، لأن (الراء) مائتان. ثم ذكر ﴿الۤمۤر﴾ فقالوا: خلطت علينا يا محمد لا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟"*. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرحهم بجدال أو نقض أو تفسـير، وتركهم في تخبطهم.
* بحر العلوم للسمرقندي، ج1، ص 21.

وأما الادعاء بأن الراهب بحيرى وضع الحروف في القرآن الكريم كرموز تدل على المسيح، فكلام ساذج بأدلـة واهيـة مزورة لا يقبلهـا عقل واع، ولا تسـتحق الوقوف عندهـا. وقد ثبت في الســنة أن بحيـرى قابل الرسول صلى الله عليه وسلم في الشام وهو طفل في صحبة عمه أبي طالب، ولم يرو أنه صادفه بعدُ*. ومن بين الكذب ما بثه المسـتشـرقون وأشـياعهم من نصارى العرب أن الإسـلام صنعة ورقة بن نوفـل، الذي سـلم الراية بعده لبحيرى الذي أكمل تأليف القرآن حتى مات في العام الثاني من الهجرة. وقد فند القرآن الكريم فرية تعليم البشر للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ﴾ النحل 103.
* ورد خبر اللقاء في حديث من رواية أبي موسى الأشعري حسنه الترمذي وإسناده جيد وقد صححه الحاكم والجزري وقواه العسقلاني والسيوطي، وصححه الألباني. وحديث إسناده مرسل صحيح لأبي مجلز أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 1/20.

حول مضمون الآية:

تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم تفتتح بحروفٍ مفردةٍ أو مركبةٍ من حروف الهجاء. وهي لا تعطينا ـ على قدر معارفنا ـ معنىً محدداً، أو دلالة نفهم منها مضمونها. وقد سموها بالمقطعات، أو فواتح السور، أو الحروف النورانية، أو ـ وهو الأكثر شيوعاً ـ الحروف المُقَطّعَة. ومنها ما أتي حرفاً مفرداً، مثل "ق" أو حرفين، مثل: "طه"، أو ثلاثة، مثل "طسم" أو أربعة، مثل: "المص"، أو خمسة موصولة، هي:
"كهيعص"، أو مقسومة، هي: "حم عسق". وسميت مقطعة لتقطيعها عند القراءة، فهي تقرأ حرفاً حرفاً حتى لو كانت موصولة. وسر الاستفاضة في بحثها، لغياب الاتفاق على معانيها، ولاتخاذها مركباً لطعن القرآن وإثارة الشك فيه. وقد بلغ الاهتمام بها حد تأليف الكتب حولها، ليزيد عدد الأقوال في معانيها على ثلاثين وجهاً. ومما زاد الأمر إلغازاً أنه لم يرد لنا أن أحداً من العرب الأوائل استنكر تلاوتها، أو استغرب وجودها في القرآن، أو صرح بإبهام فهمه لها. ولم يأتنا أن عربياً من عصر النبوة أعاب على النبي صلى الله عليه وسلم تلاوتها، أو استغرب سماعها، ولم يتخذ المشركون منها وسيلة للطعن والاستهزاء، مع ما كان منهم من حرص على نقض الإسلام ودك قواعده، وهذا يشير إلى أنّهم لم يكونوا يجهلون أسـرار وجودها في النص القرآني. وعلى الجانب الآخر، تفنن العلماء في تركيب عبارات من تجميع الحروف من غير تكرير، قالوا:
- "صراط علي حق نمسكه"
- " وصح طريقك مع السنة"
- " نصٌ حكيمٌ قطعاً له سر"
- "نص حكيم له سر قاطع"
في محاولات منهم لإيجاد مدلول للحروف، بعقد علاقة فيما بينها.

والقرآن الكريم في مجمله كتاب معجز تحدى به الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيرًا﴾ الإسراء 88. ومما لا شـك فيه أن هذه الحروف داخلة في التحدي، فالعرب وإن جاءوا في أشـعارهم باختصار للكلام يحوي طرفـاً يشـبه الحروف المقطعـة، وقد مثلنـا لها في اســتعراضنا لأقـوال الناس حول
معاني الحروف المقطعة. وهم وإن قالوا: قاف بقصد قول: وقفت، أو نحوها من اختصارات، مثل:
نادَوْهُمُ أنْ ألْجِمُوا ألاتا ..... قالُوا جَمِيعًا كُلُّهم ألا فا
يريد: ألا تركبون، قالوا بلى فاركبوا، ومثل:
بِالخَيْرِ خَيْراتٍ وإنْ شَرًّا فَآ ..... ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تَآ
معناه: وإن شـراً فشـر، ولا أريد الشـر إلا أن تشـاء.إلا أنهـا لم تزد عن شـذرات جاءت كملح ونوادر. أمـا القرآن الكريم، فأوردها في نظام وسبك معجز، حير الناس إلى اليوم. ومع منطقية القول بأن الله أراد باختيار حروف بعينها هي نصف حروف الأبجدية، ليدلل على أن هذه الحروف متداولة بينكم، وميسرة لكل منكم، قد نسجنا منها كتاباً معجزاً، فانظموا منها كتاباً يقابل هذا التحدي ويجاريه، إلا أن قيمة الحروف المقطعة أعلى من ذلك، وسرها أعمق من التحدي اللغوي أو البلاغي. ولا يخفى على أحد الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، إذ هو من أهم أركان الإعجاز القرآني، وفيه معين لا ينضب، وكنوز يغترف منها كل جيل، لكن سر الحروف يشمل الفصاحة وزيادة.

ورغم وجاهة القول القائل بأن معظم الحروف المقطعة تلاها ذكر الكتاب على نحو من الأنحاء، إلا أن "ألم" العنكبوت والروم لم يأت في مطلعيهما ذكر الكتاب، و "كهيعص" مريم كذلك، و "ن" ذكر فيها القلم وما يسطرون. والذي نراه مستحقاً للبحث والدراسة هو منهج الإعجاز العددي، وقد تيسر لعصرنا علم لم يتيسر للأجيال السابقة، وصار بالإمكان الاستفادة من الحاسبات الإلكترونية في الوصول لحسابات رقمية دقيقة، تكاد تخلو من الخطأ. ولمعرفة سر الحروف المقطعة ينبغي بحث العلاقة بين:
- كل حرف والسورة التي جاء فيها،
- كل تركيب (مثل: حم) ونص القرآن،
- السور التي اختلف فيها حرف واحد، كالعلاقة بين سـور "ألم" و "المر" و "المص"، أو "طس" و "طسم"،
- "حم عسق" وسائر الحواميم،
- الحروف الأربعة عشر وباقي حروف الأبجدية في النص القرآني، من حيث التواتر والقيم العددية،
- الحروف مجمعة وإجمالي النص القرآني،
- الحروف غير المكررة وإجمالي النص القرآني،
- لفظ "الكتاب" أو "القرآن" والحروف النورانية علاقة عددية.
هذا جانب من المواد التي تستحق البحث، لعلنا نخرج بعدها بتفسير حديث لقيمة هذه الأحرف النورانية، وهو مجال قد تصنف فيه دراسات ودراسات.







 
رد مع اقتباس
قديم 29-11-2021, 12:52 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢




﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾:

"هذا" للقريب، و"ذلك"للبعيد، و "ذا" لما بينهما.
﴿ٱلۡكِتَٰبُ﴾: مصدر كالصيام والقيام وقيل فعال بمعنى مفعول أي مكتوب. وأصل هذه المادةِ: الدلالةُ على الجمع. يقال للجند: كتيبة لاجتماعها، وسمي الكتاب كتاباً لأنه جمع حرف إلى حرف، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، وكَتَبْتُ القِرْبَةَ: خَرَزْتُها، والكُتْبَةُ - بضم الكاف - الخُرْزَةُ، والجمع كُتَبٌ، قال ذو الرمة:
وَفْراءَ غَرْفيَّةٍ أَثْأى خوارِزُها ..... مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
ومن معاني الكتاب: المكتوب، أنشد الفراء:
بَشَرْتُ عيالي إذ رأيتُ صحيفةً ..... أَتَتْكَ من الحَجَّاج يُتْلى كتابُها
ومثله:
تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مني وفيها ..... كتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِراءُ

لِمَ قال: ﴿ذَٰلِكَ بينما الكتاب حاضر؟:

- إنه إشارة للكتاب الموعود به الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًاالمزمل
5،
- إنه يشير إلى ما نزل من الكتاب قبل هذه الآية، وهو كل ما تنزل قبل الهجرة، وقبل هذه الآيات من سورة البقرة.
- إنه يعيد الأذهان إلى إخبار الله لموسى وعيسى عن الرسالة الخاتمة وكتابها ونبيها. أي إنه ذلك الكتاب الذي أُخبر الأنبياء السابقون بأن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل.
- إنه لما أخبر الله أن القرآن في اللوح المحفوظ ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَاالزخرف 4، قال: ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ.
- إن الإشارة تكون للصراط المستقيم في الفاتحة كأنهم لما سألوا الهداية للصراط المستقيم قيل لهم إنه هو الكتاب. وإذا صح هذا الاحتمال يتبين به وجه ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد على أتم وجه،
- إن "هذا" و "ذلك" قد استعملا بمعنى القرب والبعد بالتناوب. يقول تعالى:
* ﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ آل عمران 58،
ثم قال ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ آل عمران
62،
* ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
البقرة 252، وآل عمران 108، والجاثية 6،
* ﴿ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُالسجدة
6،
* ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ 52 هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ 53ص،
وقال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ق 19،

* ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ 25 إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ 26النازعات،
* ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰالبقرة 73، أي هكذا.
* ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰطه 17، أي ما هذه التي بيمينك.

ومثل هذا التناوب يكثر في القرآن الكريم. ومن شواهده الشعرية:
أَقولُ لَهُ وَالرُمحُ يَأَطِرُ مَتنَهُ .....تَأَمَّلَ خُفافاً أَنَّني أَنا ذَلِكا
أي أنا هذا. وكقول قيس بن الخطيم:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً ..... لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
فوضع الإشارة للقريب لعدم اكتراثه بالموت. من هنا كان استعمال اسم الإشارة للبعيد في ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ لإظهار رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة. ولا يرد على هذا قوله ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ الأنعام 92، 155 لأن مناط الإشارة هنا إلى كتاب بين يدي أهله لترغيبهم في العكوف عليه والاتعاظ بأوامره ونواهيه.

ما جاء في القرآن من مدلولات الكتاب:

1) أولها: بمعنى الفرض، مثل قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
البقرة 183 و ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًاالنساء 103.
2) وثانيها: بمعنى الحجة والبرهان، مثل قوله تعالى ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
الصافات 157، أي برهانكم.
3) وثالثها: بمعنى الأجل، مثل ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ الحجر
4.
4) ورابعها: بمعنى المكاتبة، في ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ النور 33.

ومن وجوه إعراب: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾:

- يحتمل أن تكون جملة مستقلة من مبتدأ وخبر،
- أو أن يكون الكتاب خبر لمحذوف والتقدير: هو الكتاب، أي الكامل في الكتب، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه هو الذي يستأهل أن يسمى كتاباً، مثل بيت الأشهب بن رميلة:
وإنّ الذي حانتْ بِفَلْجٍ دماؤهم ..... هم القوم كلُّ القوم يا أُمَّ خالدِ
- وأن يكون الكتاب صفة، ومعناه: هو ذلك الكتاب الموعود. كما يمكن أن يكون اسم الإشارة مبتدأ و﴿لَا رَيۡبَۛ﴾ خبره.

والاختلاف في الإعراب لا شك يختلف معه المعنى. ونحن لسنا مع من يجعلون ﴿الٓمٓ مبتدأ، و ﴿ٱلۡكِتَٰبُ﴾ خبرها. ولكننا مع من يرون أن ﴿الٓمٓ﴾ جملة برأسها وأن ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ مبتدأ، و ﴿لَا رَيۡبَۛ﴾ خبرها. ويكون الإعراب: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾: اسم الإشارة مبتدأ، و ﴿ٱلۡكِتَٰبُ﴾ صفته أو بدل عنه، والخبر ﴿لَا رَيۡبَۛ﴾ أو: ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾.

من أسماء القرآن:

و ﴿ٱلۡكِتَٰبُ﴾: هو اسم من أسماء القرآن. وتسمية القرآن كتاباً إشارة إلى وجوب كتابته لحفظه، كما أن تسميته بالقرآن إشارة إلى أنه يُقرأ. فكأن الله يريد بالتسميتين أن يحفظ القرآن في الصدور والسطور ليبقى محفوظاً حتى يرث الله الأرض وما عليها.

ومن أسـمائه كذلك: الفرقان والتذكرة والذكرى والذكر والتنزيل والحديث والموعظة والحكم والشـفاء والهدى والحبل والروح والصراط المستقيم والرحمة والقصص والبيان والتبيان والمبين والبصائر والفصل والمثاني والبرهان والنور والحق والعزيز والكريم والعظيم.

ما مدلول تعريف القرآن بقوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾؟:

1) تأكيد على أنه هو وحده المستحق لمهمة الهداية منذ أنزل، وحتى قيام الساعة، فهو يشمل تعاليم السماء منذ أرسل الله الرسل حتى حمل رسولنا (ص) مهمة هداية الناس إلى الله، فهو الكتاب الكامل الذي لا غنى عنه وهو يغني عن غيره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ 1 قَيِّمًاالكهف 2، وقوله تعالى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير هود 1،
2) تمييز له على ما نزل قبله من الكتب السماوية التي انحصرت على أمة بعينها لزمان مخصوص،
3) في مضمون معنى: هو الكتاب تحدٍ للإنس والجن ليعارضوه، ولو بسورة واحدة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ يونس 38، أو حتى ليحرفوه: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ الكهف 27.
4) هو الكتاب لأنه تفرد بأن عُصم من التحريف والتبديل حين وعد الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَالحجر 9، فكأن مسئولية صيانته وحفظه لم توكل للبشر، بل تولاها الله.
5) نسخ التعاليم السماوية بآيات القرآن دليل على وحدانية الخالق، ومن هنا كان الإيمان بالأنبياء والرسل جميعاً شرطاً من شروط الإسلام، وكان العهد على سائر الأنبياء: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ آل عمران 81. وكانت البشارة بنبي آخر الزمان: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِالأعراف 157 لختم النبوات به.

﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾:

الرَّيْبُ: الشكُّ مع تهمة، قال:
ليس في الحقِ يا أُمَيمةُ رَيْبٌ .....إنما الريبُ ما يقول الكَذوبُ
الريب مصدر، رابني الشيء يريبني، وهو قلق النفس واضطرابها.
والوقف على: ﴿فِيهِۛ﴾ هو المشهور، والشاهد أول السجدة: ﴿الم 1 تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ 2، و ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ يونس
38، و ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ الكهف 27.

ما هو الريب؟:

1) أشد الشك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا الحجرات 15، وكقول عبد الله بن الزعبري:
لَيْسَ في الحَقِّ يا أميمة رَيْبٌ ..... إِنما الرَّيْبُ ما يقولُ الجهولُ
2) أو هو التهمة، لقول جميل:
بثينة ُ قالتْ: يَا جَميلُ أرَبْتَني ..... فقلتُ: كِلانَا، يا بُثينَ، مُريبُ
3) أو هو الحاجة، ومنه قول الشاعر:
قَضَيْنا مِن تِهامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ..... وخَيْبَرَ ثُمَّ أجْمَعْنا السُّيُوفا
4) وقد يستعمل بمعنى حوادث الدهر، كما في قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِالطور 30.

ما معنى ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ في هذه الآية؟:

على ثلاثة أقوال:
1) أن ظاهرها النفي بمعنى النهي، ومنه: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍالحجر
9، أي ما ينبغي لنا، ومثله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَالبقرة197، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا.
وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه لإتقانه وإحكامه، أو ليس فيه ما يوجب ارتياباً في صحته أي ليس فيه اضطراب ولا اختلاف: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًاالأعراف
157.
2) أن معناها: لا ريب فيه أنه هدى للمتقين.
3) أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله.

إن ذلك الكتاب مبـرأ من وصمـات العيب، فلا شـك فيه، ولا ريبة تعتريه، لا من جهة كونه من الله، ولا في كونه هادياً ومرشداً، وإنه في قوة آياته ونصوع بيناته بحيث لا يرتاب عاقل منصف، غير متعنت ولا متعسف، في كونه هداية من الله للخلق، على لسان أمي لا قبل له بأن يأتي به من عنده، بل إن هذا الكتاب المعجز يتحدى الإنس والجن بأن يأتوا بسورة من مثله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الصافات 47. وارتياب المرتابين فيه لا يكون
إلا لسبب من اثنين: إما عن جهل به، وإما عن تعنت وعناد واستكبار واتباع للهوى أو تقليد للغواة.

كيف يقول تعالى: ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ وقد ارتاب فيه بعض الناس؟:

- ليس المعنى هنا أنه لا أحد يرتاب في الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا البقرة 23، بل المعنى أنَّ المنفيَّ كونُه متعلقاً للريبِ، بمعنى أنَّ معه من الأدلَّة ما إنْ تأمَّله المنصِفُ المُحِقُّ لم يَرْتَبْ فيه، ولا اعتبارَ بريبٍ مَنْ وُجِدَ منه الريبُ، لأنه لم ينظرْ حقَّ النظرِ، فَرَيْبُه غَيرُ مُعْتَدٍّ به. وقد نفى سبحانه الريب فيه مع كثرة المرتابين على معنى أنه في علو الشأن وسطوع البرهان بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر في كونه وحياً من الله.
- ويحتمل أن يكون المعنى: لا ريب فيه للمتقين.

لِمَ أخر الجار والمجرور في قوله: ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾؟:

قد أخر الجار والمجرور لنفي الريب على الإطلاق، خلاف قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ الصافات
47، إذ فيه تفضيل خمر الجنة على خمر الدنيا، كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة، بينما في تأخير ﴿فِيهِۛ﴾ نفي الريب فيه على الإطلاق. وإذا كان المعنى مكتملاً، وهدى للمتقين استئناف يكون قد نفى الريب عن القرآن، ولم ينفه عن الكتب السماوية الأخرى وقد دخلها التحريف بالتبديل والحذف والإضافة،
وكأن المعنى شمل أيضاً التعريض بالكتب التي نالها الريب.







 
رد مع اقتباس
قديم 05-12-2021, 02:22 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢



﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾:


أما في مسألة التعانق الوارد في القراءة هنا، فنقول:

1) إذا كان الوقف بعد ﴿لَا رَيۡبَۛ﴾، فيكون المعنى أن الكتاب فيه هدى. ويكون نصباً على الحال أي تقديره: لا ريب في هدايته للمتقين.
2) أما في حالة الوقف بعد ﴿فِيهِۛ﴾ فيكون الكتاب نفسه هدى. ويكون إعراب ﴿هُدٗى﴾. بالرفع مبتدأ، أو خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هو هدى.






التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 07-12-2021, 12:04 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢


﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾:


﴿هُدٗى﴾: مصدر على فعل (مثل: سـرىً وتقىً وبكىً ولغىً)، ومثلها كذلك: لَقِيْتُه لُقَى، قال بعض العرب:
وقَدْ زَعَمُوا حُلْمًا لِقاكَ ولَمْ أزِدْ ..... بِحَمَدِ الَّذِي أعْطاكَ حِلْمًا ولا عَقْلًا.
والهدي هو الدلالة الموصلة للبغية. وفعله: هدى هدياً، ويتعدى إلى المفعول الثاني بـ "إلى" وربما تعدى بنفسه على طريقة الحذف، مثل: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾. ويقال: مهتدي، في موضع المدح كمهتدٍ.
والهُدى فيه التذكير، مع شذوذ لبعضُ بني أسد يؤنِّثُه فيقولون: هذه هدىً.
وللهدىٰ معان عديدة فصلناها في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 6﴾ الفاتحة.
﴿لِّلۡمُتَّقِينَ﴾: المتقي في العربية: اسم فاعل من اتقى. والكلمة مأخوذة من الاتقاء أي الحجز بين شيئين. والوقاية لغة فرط الصيانة، وشِدَّةُ الاحتراسِ من المكروه، ومنه: فرسٌ واقٍ إذا كان يقي حافرُه أدنى شيءٍ يُصيبه، ومنه التقية في إظهار غير الإبطان. ومن الصيانة قول النابغة:
سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ..... فتنـــاوَلَتْه واتَّقَتْنَـــا باليَــدِ
وقول الآخر:
فَأَلْقَتْ قناعاً دونَه الشمسُ واتَّقَتْ ..... بأحسنِ مَوْصولينِ كَفٍّ ومِعْصَمِ
والتقوى شـرعاً صيانة المرء نفسه عما يضر في الآخرة. وفي الخبر: "كنا إذا احمر البأس، ولقي القومُ القومَ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم"* أي اشتدت الحرب جعلناه حاجزاً بيننا وبين العدو. فكأن المتقي يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عن نهيه حاجزاً بينه وبين العذاب، فيتحرز بطاعة الله عن عقوبته. أو المتقي هو الحَذِر من المتطلب للنجاة من شيء مكروه مضر، وهو شرعاً من يتجنب الشرك والكبائر والفواحش، أو هو الذي يترك ما لا بأس به حذراً لما به بأس.
* عن علي بن أبي طالب: كنّا إذا احْمَرَّ البأسُ، ولقيَ القومُ القومَ، اتَّقَينا برسولِ اللَّهِ صلّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فما يَكونُ منّا أحدٌ أدنا مِنَ القومِ منهُ.
مسند أحمد، وقال: إسناده صحيح.


المعاني الشرعية للهداية:

يمكن جمع المعاني الشرعية للهداية في أربعة مستويات:
1) الهداية العامَّة: وتشمل كل المخلوقات، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ الأعلى 3، وقال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ طه 50،
2) هداية الدلالة والبيان، والإرشـاد والتعليـم: هذه الهدايـة هي أخص من الهدايـة العامـة، وهي تحتـاج إلى حصـول التوفيق. يقول تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ البلد 10، إذ وضعـه على الطـريق، وبين له المسـلكين: الهدى والضلالة.
وقال ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الشورى 52. في المقابل قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ القصص 56، فنفى الهداية بمعنى التوفيق والتأييـد. والرسـول صلى الله عليه وسلم لا يجبر الناس على الهـدى، إنما هو حامل للمصبـاح، من شـاء اتبع النـور الذي جاء به، ومن شاء اختار سبيل الظلمة.
3) هدايـة التوفيق والمعونـة: وهذا النوع أخص من السـابق، ويسـتلزم اسـتجابة العبد للهدايـة، ممـا يضيف معونة الله وتوفيقه: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ مريم 76. كون بعض الناس لم يهتدوا بهديه لا يخرجه عن كونه هدى، فالشمس شمس، وإن لم يرها الأعمى، والعسل عسل، وإن لم يجد طعمه من فقد حاسة التذوق.
4) الهداية إلى الجَنَّة والنَّار يوم القيامة: هذه هي آخر مراتب الهداية، فهي هداية إلى النار والعياذ بالله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ 22 مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ 23الصافات، أو إلى الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ يونس 9.

والهدى يأتي مقابل الضلال في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ سبأ 24. حتى إن فرعون ضلل قومه بقلب معنى "الضلال"، فقال لهم: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ غافر 40، بينما جاء الرد الإلهي على هذا التشويش: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ طه 20.

تفاصيل عن الهداية:

قد أوردنا في: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6فاتحة الكتاب: تفاصيل الهداية، فبعد عرض معناها تطرقنا:
- لنوعيها،
- ومعانيها في القرآن،
- وأطرافها،
- والطريق إليها،
- وأسباب الحرمان منها، وما يعوق الوصول إليها،
فليرجع إليها هناك: قراءات في الكتاب: ســـورة الفاتحــة

درجات التقوى:

1) أولها: التوقي عن الشرك وتجنب الكبائر، ومنها الإصرار على الصغائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ النساء 31،
2) وثانيها: ترك الصغائر، وهو المعنى في: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ هود 114،
يقول ابن المعتز:
خَـلِّ الذُنوبَ صَـغـيـرَهـا ..... وَكَـبـيـرَهـــــا فَهوَ التُقــى
كُـن فَـوقَ مـاشٍ فَـوقَ أَر .....ضِ الشَوكِ يَحذُرُ ما يَرى
لا تَــحــقِــرَنَّ صَــغـيـرَةً ..... إِنَّ الجِـبــــالَ مِنَ الحَصى
3) وثالثها: أن يتنزه العبد عما يشـغل نفسـه عن الله تعالى ولو كان مباحات تشغله عن السـير لله أو تُبَطّيء سيره، ولعل هذا هو المقصود في قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ آل عمران 102، فهذه مرتبة الكُمّل، وهي المرتبة العالية، فإن الانشغال بالمباحات يشغل القلب عن الله جل جلاله وربما يؤدي إلى القسوة، وبالتالي يؤدي إلى الوقوع في المكروهات مما يؤدي للوقوع في المحرمات، وهذا مسلسل يعرفه الإنسان من نفسه في عدد من الأحيان.

ما الفرق بين الزهد والتقوى والورع؟:

1) أما الزهد فهو النَّظرُ إلى الدُّنيا بعينِ الزوالِ لتصْغُرَ في عينك فيسْهُلُ عليك الإعْراضِ عنها. أو هو استِصْغارُ الدُّنيا ومَحْو آثارها مِنَ القلْبِ. هو فراغُ القلبِ مِنَ الدُّنيا لا فراغ اليَدِ ، أو هو عُزوفُ النَّفسِ عَن الدُّنيا بلا تكلُّفٍ.
2) وأما التَّقوى فهي أنْ تجعلَ بينك وبين ما حرّمَ الله حاجباً وحاجزًا.
3) وأما الـورع فهو تَركُ ما يُخْشى ضررُه في الآخِرة.
الزهد إذن ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة. والوَرِع يفعل الذي ليس بنافع ولا ضار، بينما الزاهد لا يفعله. وبينهما مرحلة هي التقوى.

ذكر التقوى في القرآن الكريم:

- بمعنى الإيمان: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ﴾ الفتح 26، أي التوحيد.
- وبمعنى التوبة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الأعراف 96، أي تابوا.
- وبمعنى الطاعة: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ النحــل 52،
- وبمعنى تـرك المعصـية كما في: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ البقــرة 189،
- وبمعنى الإخلاص: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الحج 32، أي إخلاص القلوب، ومثل: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ البقرة 41.

والله عز وجل ذكر التقوى ثلاث مرات في آية واحدة ، فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ المائدة 93، فهذا التكرار ليس تكراراً مجرداً، إذ قال بعضهم: التقوى الأولى تقوى عن الشرك ويقابلها التوحيد، والثانية تقوى عن البدعة وتقابلها السنة، والثالثة عن المعاصي وتقابلها الطاعة، فجمع بين هذه المنازل الثلاثة: الإيمان والسنة والاستقامة.

لِمَ اختص كون القرآن ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ رغم أن المتقي مهتدٍ، فكيف يهتدي ثانية؟:

قوله تعالى: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ فيه اختصاص الهدى بالمتقين في الآية، لأكثر من وجه:

1) لأنهم هم المنتفعون به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يس 11، و ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ النازعات 45، و ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الفاتحة 6، وكقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، فتريد له زيادة ما هو ثابت فيه من العزة والكرامة ومداومتهما.
2) ويصح كذلك أن يقصـد المجاز بالمشـارفة، أو بتسـمية الشـيء بما هو آيل إليه، أي ما سيحصله المسـلم حين يتبع أوامـر الله ويجتنب نواهيـه، نحو: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ نوح 27، أي صـائراً إلى الفجـور والكفر، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ"*.
* من حديث طويل عن أبي قتادة الحارث بن ربعي، أخرجه الشيخان: البخاري (3142)، ومسلم (1751).

وجوه إعراب ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾:

﴿لِّلۡمُتَّقِينَ﴾: جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بـ ﴿هُدٗى﴾ وقيل: صفةٌ لهدى، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، ومحلُّه حينئذٍ: إمَّا الرفعُ أو النصبُ بحسَبِ ما تقدم في موصوفه، أي: هدىً كائنٌ أو كائناً للمتقين، ووردت وجوه أخرى على تفصيلات كثيرة. واختيارنا أن تكونَ كلُّ جملةٍ مستقلةً بنفسها، على وصف من اثنين:
1) ﴿الٓمٓ﴾ جملةٌ، و ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ جملةٌ، و ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ جملة،
2) ﴿الٓمٓ﴾ جملةٌ، و ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ جملةٌ، و ﴿لَا رَيۡبَۛ﴾ جملة، ﴿فِيهِۛ هُدٗى﴾ جملة.
هذا الاختلاف والتعدد في وجوه الإعراب، إنما كان لاختيار المدلول المناسب للآية، وقد وقع التعانق بعد ﴿لَا رَيۡبَۛ﴾ وقبل ﴿هُدٗى﴾ لينوع الدلالة، فإن وقفت على ﴿لَا رَيۡبَۛ﴾ كان المعنى: إن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتاباً، كما تقول: هو الرجل، أي: الكامل في الرجولية ، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. أما إذا وقفت بعد ﴿فِيهِۛ﴾ نفيت الشك عن الكتاب.









التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 10-12-2021, 12:28 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢


حول مضمون الآية:


إن المولى جل وعلا شاء أن يبدأ كتابه الحكيم بالفاتحة، وهي سورة جمعت مضامين الكتاب كله في سبع آيات أشبه ما تكون بالكبسولة العلاجية، ثم تلاها بسـورة وسعت ما ضمته سورة الفاتحة، كأنها مرآة انتقلت إليها صورة الآيات الأول، ولكن مع اتساع واستفاضة وتفصيل. وكأن الله أراد أن يبدأها بآية تحير العقول، وتذهب بالأفكار كل مذهب، هي آية الافتتاح: ﴿الٓمٓ ١﴾، ولتكون هي ضابط الإيقاع للسورة. ثم جاء بالآية الثانية التي أسلم بسـببها غربي قال ما معناه: إننا عَهِدْنا كمؤلفين أن نرى في مقدمات كثير من الكتب عبارة نحو: هذا جهدي واجتهادي، فإن صح فبه ونعمت، وإن لم يصح، كان التقصير من عندي، ومن لا يخطيء؟! ولكننا لم نر أحداً ـ غير الله ـ قال: كتابي هذا حق محض، لا يشوبه خطأ، ولا يلحقه زلل. ها هو رب العالمين يُصَدِّرُ كتابه بقوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾. أما قوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ فيدل على أن القرآن الكريم هو وحده المستحق لوصف: الكتاب. فهو عَلَمٌ بذاته، وإذا قيل: "الكتاب" انسحبت الأفهام تلقائياً لإدراك أن القرآن هو المقصود. وهو الكتاب الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ 42فصلت، أنزله عالم الغيب والشهادة، وتعهد بحفظه دون سائر الكتب، وتحدى به الإنس والجن على معارضته، سواء حاولوا فراداً أو جماعات، حتى ﴿لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا 88الإسراء.

وقد تكررت مادة التقوى في السورة بضعاً وثلاثين مرة لخطرها، فهي الصفة الجامعة التي طلبت من سائر الأمم في شتى الرسالات: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ النساء 131، بل إن آخر آيات القرآن نزولاً تدعو للتقوى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ البقرة 281.

ويبدو أن التقوى بالمعنى الاصطلاحي للمفردة لم يرد كثيراً في أشعار الجاهليين، باستثناء القليلين كزهير بن أبي سلمى، الذي كان حنيفياً، وقد استخدمها بمعنى ديني أخلاقي، في مثل قوله:
وَمَنْ ضَرِيبَتِهِ التَّقْوَى وَيَعْصِمُهُ .... مِنْ سَيِّئِ الْعَثَرَاتِ اللَّهُ وَالرُّحُمُ
وقوله:
بَــدا ليَ أنّ اللَّهَ حَــقٌّ فَزادَنــي ..... إلى الحَقّ تَقوَى اللَّهِ ما كانَ بادِيَا
وقد نسبت إلى غيره من الأحناف أبيات في التقوى، مما يشير إلى أن التقوى بمعناها الديني الروحاني لم تكن تدور في الجاهلية إلا في أوساط الحنفاء. أما المعنى اللساني لجذر التقوى ومشتقاته، فيتمحور حول معنى الوقاية بما تشتمل عليه من معاني الحذر واتخاذ وسائل الحفظ، سواء أكان ذلك لحفظ النفس عموماً، أو لتجنب أذى شيء محدد، وسواء أكان هذا الاتقاء بالحذر عموماً أو باتخاذ شيء ما وسيلة لاتقاء شيء آخر. ولم يرد في المعاجم ما يدل على أن الخوف هو من معاني جذر التقوى، حتى وإن كان دافعاً لاتخاذ الوقاية مما يخاف منه، بينما في ترجمة المعنى للغات الأخرى يضعونه بألفاظ: تقوى الله، وهو ليس المعنى الوارد في جذر الكلمة، وإن حملت اللفظة هذا المعنى لاحقاً على سبيل المجاز. وثمة ربط بين الوِقَايَة التي هي: "حفظُ الشيءِ ممّا يؤذيه ويضرّه" وبين التَّقْوَى التي هي: "جعل النّفس في وِقَايَةٍ مما يخاف"، وصارت التَّقْوَى في الشّرع: "حفظ النّفس عمّا يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات".

أما عن استعمالات التقوى في القرآن الكريم، فترد ـ وفق كتب الوجوه والنظائر ـ على خمسة وجوه:
1) الخشية،
2) أو العبادة،
3) أو ترك معصية الله،
4) أو التوحيد،
5) أو الإخلاص.
ويلاحظ أن جميع الوجوه تشترك في معنى مركزي يرتبط بالجذر اللغوي وهو اتخاذ الوقاية مما يحُذر منه، ثم أطلق على معان تخدمه. وعلى هذا يأتي على أربعة أوجه :
1) التحفظ عما يخاف الضرر منه،
2) والخوف من شرّ،
3) والتخشّع بين يدي المنعم القدّوس الذي يرحم على الشاكر البارِّ، ولا يرضى بالكفر والإثم، وهو العالم بكل شيء،
4) والوجه الجامع للوجوه الثلاثة، وهو التحفّظ عن الإثم من خوف نتائجه السيئة ومن خوف سخط الرب.

والمتقي بهذا المعنى: من أُشِربَ قلبهُ تعظيمَ الرب وخوفَ سخطه ونتائج الإثم. ولذلك كثر في القرآن مدح المتقين ومقابلتهم بالمجرمين الطاغين. يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 19الجاثية، ويقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ص 28.

وكما أن للتقوى في القرآن الكريم بعداً نفسياً، فلها كذلك بعد تاريخي مرتبط بوجود الإنسان. وقد تجلى معنى التقوى في المناظرة بين ولدي آدم: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ المائدة 27، فتبين بذلك أن مدلول التقوى إنساني، لا يخص أتباع الأنبياء فقط، لذلك جاء الأمر بالتقوى لعموم الناس، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لقمان 33، وتكرر ذلك في آية تربط الإنسان بالأصل الواحد للبشر، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 21البقرة. كما جاء في مقدمة ذكر بني إسرائيل في السورة كان أمر التقوى: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ 41﴾. ثم إنه تصدر افتتاح سورة الحج، بنداء للناس جميعاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ 1﴾، وسورة الحجرات كذلك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ1، وهما من أواخر السور نزولاً.إن التقوى هي معيار التفاضل بين الناس، فأكرم الناس أتقاهم، وكما خوطب بها عموم الناس، صدر الأمر بالتقوى لأقوام، أو جماعات، أو أفراد. قالها الأنبياء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ آل عمران 50، الشعراء 108 و 110 و 126 و 131 و 144 و 150 و 163 و 179، الزخرف 63، ﴿وخوطب بها العاقلون: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ المائدة 100، الطلاق 10، وزيد بن حارثة: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ الأحزاب 37، لكن هذه الخصوصية في الخطاب لا تلغي بعدها العام، وإنما تشير إلى مكانة التقوى في الدين عبر التاريخ، خاصة وقد قرنت بالإيمان في آيات كثيرة. التقوى إذاً مرتبطة بوجود الإنسان، وهي سابقة على التشريع. هي ضرورة مجتمعية، مثلما هي ضرورة روحية. وهي معيار التفاضل بين الناس، لأنها موقف أخلاقي مقترن بالإيمان، ويؤشر عليه.

نخلص إلى أن التقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بالكتاب، وهي التي تفتح مغاليق القلب ليستقبل أنوار الهدى. وهي مقام شريف: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ النحل 128. وهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَ صَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ النساء 131، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
- "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى"*،
* عن عبد الله بن مسعود: (الحديث) رواه جمع بالألفاظ نفسها، من بينهم الإمام مسلم (2721).
- "اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها"*، وهي عند الله معيار التفاضل بين الناس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات 13.
* عن زيد بن أرقم: لا أَقُولُ لَكُمْ إلّا كما كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: كانَ يقولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ، والْكَسَلِ، والْجُبْنِ، والْبُخْلِ، والْهَرَمِ، وَعَذابِ، القَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وَزَكِّها أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أَنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجابُ لَها". صحيح مسلم (2722).
- وفي البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل: من أكرم الناس قال: "أتقاهم لله"*. وهي خير لباس: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ الأعراف 26. ومثلما كان اللباس يستر ويواري العيوب والريش يجمل ويزين الظاهر، فإن التقوى تقوم بذلك ولكن لباطن ابن آدم. ومثل هذه المشابهة تأتي في السفر: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ البقرة 197، ليقرر المولى سبحانه بأن التقوى هي خير زاد لرحلة الحياة، وصدق الشاعر حين قال:
إذَا المرءُ لمْ يلبَسْ ثِيابًا منَ التُّقى ..... تَقَلَّبَ عُريَانًا وإنْ كانَ كاسِيًا
وخَيْرُ لِباسِ المَــــرْءِ طَاعــةُ ربِّهِ ..... ولا خَيْرَ فيمَنْ كانَ لله عَاصِيًا
* من حديث لأبي هريرة، رواه الشيخان: البخاري (3374)، ومسلم (2378)، واللفظ للبخاري.
ولأهمية التقوى وخطرهـا كانت ســبباً لولاية الله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الجاثية 19، و ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ الأنفال 34.







 
رد مع اقتباس
قديم 15-12-2021, 11:29 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣



﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾:

﴿ٱلَّذِينَ﴾: في موضع خفض لأنه نعت للمتقين، ويجوز أن يكون رفعاً على الابتداء.
و ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ ﴾: الأرجح أن تكون موصولة بالمتقين على أنه صفة مجرورة جاءت:
1) على سبيل البيان والكشف لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات. أما الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة لأنهما أمّا العبادات البدنية والمالية، وهما المعيار على غيرهما.
2) دالة على فعل الطاعات، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي.
3) مدحاً للموصوفين بالتقوى، وتخصيصاً للإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر، إظهاراً لها عن سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات.
والإيمان لغة هو التصديق، ومحله القلب. وأصله من الأمن أو الأمانة ومعناهما الطمأنينة أمنه صدقه وأمن به وثق به. وهو يتعدى بالباء مثل هذه الآية كما يتعدى باللام مثل: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ﴾ يونس 83. وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسمي المؤمن مؤمناً لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه. ومجيء صلة الموصول فعلاً مضارعاً لإفادة أن إيمانهم مستمر متجدد، أي لا يطرأ على إيمانهم شك ولا ريبة.
﴿ٱلۡغَيۡبِ﴾: لفظة الغيب في العربية هو ما غاب عن الحواس وحُجب عنها، وبذلك يكون النقيض من الغيب هي لفظة الشهادة. أما الغيب اصطلاحًا، فهو الأمور التي تغيب عن حواس الإنسان، أو هو ما غاب عن علمه وبصيرته، سواء كان ما عجز عن إدراكه عجزًا كليًا، أم ما أخبر الله -تعالى- أو رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عنه، أو هو ما غاب عن الإنسان بالوضع الراهن ويستطيع الوصول إلى بعض منه مستقبًلا من خلال التحليل الفكري ونحوه.
والغيب مطلق ونسبي. أما المطلق فهو ما استأثر به الله تبارك وتعالى. وأما النسبي فهو الأمور الغيبية التي يعلمها بعض النَّاس، ويغيب عن غيرهم، فيكون شهادة عند أولئك، وغيباً عند هؤلاء.
وفي: ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ تعريض بالمشركين الذين أنكروا البعث، وقالوا: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ سبأ 7، فجمع هذا الوصف بالصراحة بين الثناء على المؤمنين والقدح في المشركين.

ما هي معاني الإيمان؟:

الإيمان إما أن يكون ضد الكفر، وإما أن يكون ضد التكذيب، ومن معانيه:
- الاعتراف والوثوق.
- الإقرار: يقولون: آمن بكذا أي أقر به،
- الاطمئنان: يقولون: آمن له، أي اطمئن، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ البقرة 75،
- التصديق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ يوسف 17، أي بمصدق لنا.

والإيمان في الشريعة كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل، أي أنه لا يكون إلا اعتقاداً، وقولاً، وعملاً. أو هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان. بينما الإسلام هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيماناً. قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الحجرات 14. وحديث الإيمان يعرض الفروق بين الإسلام والإيمان والإحسان*. فالإسلام إذن هو ما ظهر من الأعمال، بينما الإيمان لما بطن من الاعتقاد، مع جمعه العمل. فأركان الإيمان هي كما ورد في الحديث: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر وبالقدر خيره وشره. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ النساء 136.
* عن عمر بن الخطاب: بينما نحن عند رسولِ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ شديدُ سوادِ الشعرِ، لا نرى عليه أثرَ السفرِ ولا نعرفُه، حتّى جلس إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأسند ركبتَه إلى ركبتِه ووضع كفَّيهِ على فخذِه ثمَّ قال: يا محمدُ أخبرْني عن الإسلامِ، ما الإسلامُ؟ قال: أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلّا اللهَ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ وتقيمَ الصلاةِ وتؤتيَ الزكاةَ وتصومَ رمضانَ وتحجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إليه سبيلًا. قال: صدقتَ: قال عمرُ: فعجِبنا له يسألهُ ويصدقُه. فقال: يا محمدُ أخبرني عن الإيمانِ ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ والقدرِ كلِّه خيرِه وشرِّه. قال: صدقتَ. قال: فأخبرني عن الإحسانِ ما الإحسانُ؟ قال: أنْ تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ فإن لم تكنْ تراهُ فإنه يراكَ. فقال: أخبرني عن الساعةِ متى الساعةُ؟ قال: ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السائلِ. فقال: أخبرني عن أماراتِها. قال: أنْ تلدَ الأمةُ ربَّتها وأنْ ترى الحفاةَ العراةَ العالةَ رعاءَ الشّاءِ يتطاولونَ في البناءِ، قال: ثمَّ انطلقَ الرجلُ، قال عمرُ: فلبثتُ ثلاثًا ثمَّ قال رسولُ اللهِ ﷺ: يا عمرُ أتدري من السائلُ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: فإنه جبريلُ عليه السلامُ أتاكم يعلِّمَكم دينَكم.
أخرجه مسلم (8) وأبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وابن ماجه (63)، وأحمد (367) باختلاف يسير، وابن منده في ((الإيمان)) (2) واللفظ له.

ماذا ورد في حقيقة الإيمان؟:

وردت أقوال كثيرة، منها:
1) الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجَنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقد اشتط كثير من الناس في تأويل معنى الإيمان، فمنهم من زعم أن مجرد الإيمان القلبي ينجي من النار، دون عمل بالأركان، حتى زعموا أن مرتكب الكبائر يدخل الجنة لأنه نطق بالشهادتين، وصدّق بقلبه. ولاشك أن هذا مخالف للكتاب والسنة.
2) "ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن هو ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه" *.
* فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ص 48، والكلام للحسن البصري رضي الله عنه.
3) الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وتصديق وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. وعندهم أن مصير أهل الكبائر تحت إرادة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، وهم لا يخلدون في النار لأن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ولا خلاف عندهم من أنه لا يكفّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يخرج من الملة بمعصية لقوله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل"*.
* عن عبادة بن الصامت: "من شهِد أن لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى بنَ مريمَ عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، أدخله اللهُ الجنَّةَ على ما كان من عملٍ".
متفق عليه من حديث عمير والأوزاعي: البخاري (3435)، ومسلم (28). ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء، وقال: صحيح.
4) "الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ"*. هذا الحديث يوسع معنى الإيمان، ويجعله شاملاً للقول، والفعل، والسلوك.
* عن أبي هريرة: "الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ".
صحيح مسلم (35).


والمحبة في الله من الإيمان:
- يقول صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حلاوةَ الإيمانِ: مَن كان اللهُ ورسولُه أَحَبَّ إليه ممّا سِواهما، وأنْ يُحِبَّ العبدَ لا يُحِبُّه إلّا للهِ، وأنْ يُقذَفَ في النارِ أَحَبُّ إليه مِن أنْ يُعادَ في الكفر"*.
* عن أنس بن مالك: (الحديث)
أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43)، والترمذي (2624)، والنسائي (4987)، وابن ماجه (4033) باختلاف يسير، وأحمد (12021)، واللفظ له.
- أما مودة أعداء الله فتخرج من الإيمان. يقول تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ﴾ المجادلة 22.
- إتباع أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته من علامات الإيمان: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الأحزاب 36.
- حسن الجيرة، وإكرام الضيف، وتزكية اللسان*.
* عن أبي هريرة: "مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُت".
رواه الشيخان: البخاري (6475)، ومسلم (47)، واللفظ للبخاري.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر*.
* عن عبد الله بن مسعود: "ما من نبيٍّ بَعثَهُ اللهُ في أُمَّةٍ قبْلِي، إلّا كان لهُ من أُمَّتِه حوارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخُذونَ بِسنَّتِه، ويَتقيَّدُونَ بأمْرِهِ، ثمَّ إنَّها تَخُلُفُ من بعدِهِمْ خُلُوفٌ، يقولُونَ ما لا يَفعلُونَ، ويفعلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ، فمَنْ جاهدَهمْ بيدِهِ فهوَ مُؤمِنٌ، ومَنْ جاهدَهمْ بِلسانِه فهوَ مُؤمِنٌ، ومَنْ جاهدَهمْ بقلْبِهِ فهوَ مُؤمنٌ، ليس وراءَ ذلكَ من الإيمانِ حبَّةُ خرْدَلٍ" .
رواه مسلم (50).
- الإيمان يرفع عن المسلم وقت ارتكاب الكبيرة*.
* عن أبي هريرة: "لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النّاسُ إلَيْهِ فيها أبْصارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُها وهو مُؤْمِنٌ"، وعَنْ سَعِيدٍ، وأَبِي سَلَمَةَ، عن أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ ﷺ مِثْلَهُ إلّا النُّهْبَةَ.
رواه البخاري (2475).
- الإيمان يعصم المسلم من المعاصي، فالمؤمن إذا هم بمعصية تذكر وقوفه أمام الله، ماذا سيجيب ربه يوم يقف أمامه، فيرعوي ويرجع. وقيل: "هو الرجل يهُم بالمعصية فيتذكر مُقامه بين يدي الله".

هل الإيمان يزيد وينقص؟:

- أول ما يحضرنا في هذا الصدد هو حوار إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ربه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. هو يريد الطمأنينة التي تسكن نوازع قلبه، وتدفع عنه الأسئلة التي تتنازعه. وكان الجواب شافياً: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
البقرة 260. إن الذي خلق الخلق بكلمة، قادر على أن يعيده بكلمة. وفي شرح الآية معان كثيرة لم يتضح فهمها على وجهها الذي نراه أقرب لما أراده الله إلا بالعلم الحديث. ولنا بيان حولها في قراءتنا لها إن شاء الله.
- ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
التوبة 124، فالمؤمن يزيد إيمانه بآيات ربه، مثلما يزداد الكافر مرضاً، فيضاف إليه رجس إلى رجسه.
- ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾
المدثر 31، فكانت هذه العدة مؤشراً يفتن الكافر ويعلي من درجة الإيمان.
- حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي فيه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة"، والواضح أنه يشير إلى أن تحصيل الإيمان من التعاطي مع هـذه الشــعب، فيزيد الإيمـان كلمـا أدى المـرء بعض هذه الفضـائل، وينقص إذا فعـل مـا ينقضها. والشواهد من الكتاب والمأثور كثيرة، كان فيما قدمنا شذرات منها.


ما هي أسباب زيادة الإيمان؟:

منها:
- تعلم العلم الشرعي، وحده الأقل ما يكفي المسلم لدينه ودنياه،
- المداومة على قراءة القرآن وتدبره،
- دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للتأسي به،
- قراءة سير الصحابة وتابعيهم ومن تبعهم من الصالحين والعلماء،
- التأمل في خلق الله،
- الاجتهاد في الطاعات والعبادات والأذكار،
- أداء حق الجوارح، مثل: لجم اللسان، وبسط اليد بالعطاء، وكفها عن الأذى.

وما هي أسباب نقصان الإيمان؟:

منها:
- الجهل كنقيض للعلم،
- الغفلة، والتكاسل عن الطاعات،
- الانشغال بالمال والأهل والولد،
- المعصية،
- الركون إلى الدنيا وزخرفها،
- المداومة على مجالس اللهو،
- صحبة قرناء السوء.

الإيمان عقد بين العبد وربه:

بالعودة لحديث الإيمان نرى أنه ثلاثة مستويات من الدين: الإسلام، والإيمان، والإحسان. الإسلام هو ما ظهر من الأعمال، والإيمان هو ما بطن من الاعتقاد، والإحسان هو كمال الإيمان: أن تعبد الله كأنما تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. هذه المحبة والخشية جميعاً تكلم عنها العلماء والعارفون، وقرأنا عن أمثلة من صفوة الخلق عاشوها وعايشوها. وهي دعوة لكل مؤمن أن يسلكها ليكون على صلة دائمة بربه، يعمل ما يرضيه، ويتجنب ما لا يرضيه. وليرتقي إلى مستوى من الإيمان يجعله يترفع عن السفاسف، ويزهد في المباح. يجعل يومه كله لله، يعبد على قدر طاقته، وإن عمل لدنياه ابتغى في عمله رضى ربه. ينفق كمن لا يخشى الفقر. ويتحسس مواطن القرب من الله في نفسه، وأهله، وجيرانه، ورفاقه، ومن يخالط من خلق الله.

ما هو حد الغيب؟:

حد الغيب: هو المكان المطمئن الذي يُستتر فيه لنزوله عما حوله، فسمي كل مُستتَر غيباً.
والغيب شرعاً ما كان مغيباً عن الحواس (أو هو ما كان غائباً عن مدركات الحس) مما لا يوصل إليه إلا بالخبر دون النظر. والعلماء فيه على أقوال:
1) الوحي،
2) وجوب البعث والحساب، ووجود الجنة ونعيما، والنار وعقابها،
3) هو القدر،
4) هو الله تعالى،
5) الإيمان بالرسول في حق من لم يره،
6) الإيمان بالقلوب الغائبة عن الخلق لا بألسنتهم التي يشاهدها الناس، أي ليسوا بمنافقين.

لكن القول الأقرب هو أن الغيب كل ما غاب عن الحواس. فالله يملك مفاتح الغيب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
الأنعام 59، وهو ليس من الغيب، بل هو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ الجن 26، الذي نطمئن إليه إذن من وحي هذه الآيات، أن الله ليس غيباً، بل الغيب هو كل غائب عن الحواس، ما عداه سبحانه وتعالى.

والغيبً في القرآن الكريم إذاً هو:
1) كل غائب عن الحاضر، مثل أخبار الماضي، وأحداث التاريخ، وأخبار المستقبل
2) كل غائب عن الحياة الدنيا، ولا يتعلق بحياة البشر، وهو إما غيبيات كونية، مثل أخبار السماوات وأخبار العرش والكرسي، أو غيبيات تتصل باليوم الآخر، والحياة الأخرى.

وهو نوعان:
1) غيب مطلق لا يعلمه إلا الله، وهو ما لا يمكن إدراكه بالحواس، ولا إحاطته بالعقل.
2) وغيب نسبي يعلمه بعض الخلق دون بعض، وهو نوعان:
1. نوع أدركه بعض الناس، وغاب عن آخرين، فأنا أعلم ما أضعه في جيبي، لكنه غيب عند غيري طالما لم أخبره، ومثل قصص الأنبياء، يقول تعالى عن قصة يوسف (ع): ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾
يوسف 102، فهو كان غيباً عند محمد صلى الله عليه وسلم وقومه، وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هود 49.
2. نوع يطلع الله بعض عباده عليه، عن طريق الفراسة أو الإلهام أو الرؤى، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "قدْ كان يكونُ في الأُمَمِ مُحَدَّثُون فإنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أحدٌ فعُمرُ بنُ الخطَّابِ"*.
* الراوي: أم المؤمنين عائشة.
أخرجه مسلم (2398)، والترمذي (3693) واللفظ له، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8119)، وأحمد (24285).

لِمّ خص الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان؟:

لأن الإيمان بما غاب عن الحس هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسـل عن غيبيات إذا آمن بها من توجه إليه الدعوة، سـهل عليه إدراك الأدلة. أما من لا يعتقد إلا بما تراه عيناه، فقد أعد نفسـه لرفض ما جاء به الرسـل، مثل الدهريين الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الجاثية 24، والمشــركين الذيـن لم ينكـروا وجـود الله، بل أشـــركوا معه غيـره في الربوبيـة، وفـي الأسماء والصفات.







 
رد مع اقتباس
قديم 19-12-2021, 12:16 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣



﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾:

معطوف على: ﴿يُؤۡمِنُونَ﴾.
ويقيمون من الإقامة، يقال أقام العود قوّمه، أو من أقام القوم سوقهم إذا لم يعطلوها من البيع والشراء، قال الشاعر:
أَقَمْنَا لأَهْـلِ الْعِرَاقَيْنِ سُـوقَ الـ ..... طِعَـانِ فَخَامُـوا وَوَلَّـوْا جَمِيعــا
وأصل القيام في العربية هو الانتصاب المضاد للجلوس أو الاضطجاع، وإنما يقوم القائم لأداء عمل لا يتأتى من قعود، فيقوم الخطيب أو العامل أو الصانع أو الماشي. ويقولون: أقمت الشيء إقامة إذا وفيت حقه، قال تعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ المائدة 68 أي توفوا حقهما بالعلم والعمل.
ومعنى الصلاة في العربية: اسم جامد مشتق من الصلى، وهي النار. وقيل: هي عبارة عن الملازمة من قوله تعالى: ﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ الغاشية 4. وقيل أن أصل (صلا) حرك الصلوين، وهما عرقان أسفل الظهر يتحركان في الركوع والسجود، ومن هنا قيل عن التالي في سباق الخيل مصلياً لأنه يأتي رأسه مع صلوى السابق، ومن هنا اشْتُقَتِ الصلاةُ لأنها ثانية للإيمان، فشبهت بالمصلي من الخيل.

ما معنى الصلاة شرعاً؟:

- هي اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء. أو هي عبارة عن أفعال مخصوصة يتلو بعضها بعضاً مفتتحة بالتحريم، مختتمة بالتحليل. أما معنى الدعاء كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِم﴾ التوبة 103، فقيل أنه مجاز وعلاقته تشبيه الداعي في الخشوع والرجاء بفاعل الصلاة.
- لكن يرد عليه بورود معنى الدعاء في شعر العرب، كقول الأعشى:
لَهَا حَارِسٌ لاَ يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا ..... وإِن ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمزَمَا
وقول الشاعر:
تَقُـــولُ بِنْتِـي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحـــلاً ..... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
فَعَلَيكِ مِثْلُ الَّذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ..... يَوْمـــاً فَإِنَّ لجَنْبِ الْمَـرْءِ مُضْطَجَعَـا
وقريب من هذا قولهم: إن الصلاة دعاء بالألسنة الثلاثة: الحال والفعل والمقال.
- وقد وردت في القرآن الكريم بمعان مختلفة منها أنها: من الله الرحمة أو النصر، ومن الملائكة الاستغفار أو التأييد، ومن الناس الدعاء أو النصرة، كما في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًاالأحزاب 56.

في معنى: ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾:

ثلاثة وجوه:
1) تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها،
2) الدوام عليها فكان المجاز في الإقامة معنى الاستمرار: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ المعارج 23.
3) التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من قولهم قام في الأمر خلاف تقاعص عنه فعبر عن الأداء بالإقامة.
وإقامة الصلاة تتعدى الأداء إلى الإتيان بجميع حقوقهـا من الطهارة واستيفاء الأركان والسنن إلى حضور القلب في التوجـه إلـى الله تعالـى والخشــوع الحقيقـي له والإحســاس بالحاجـة إليه تعـالى. هـذا هـو المعنى المستحق لوصف الإقامة.

ما هي الصلاة المقصودة في الآية؟:

قالوا: إن المراد بها الصلوات الخمسة، وقيل الصلاة على الإطلاق.
ونحن نرى أنها مطلق الصلاة.

ما هي فوائد الصلاة؟:

للصلاة فوائد دينية وقلبية ونفسية واجتماعية عظيمة، منها:
- تنهى عن الفحشاء والمنكر: يقول تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْـمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ 45 العنكبوت.
- أمان من الهلع والجزع ومحفزة على الخير: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا 19 إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا 20 وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا 21 إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ 22 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ 23 المعارج.
- أفضل الأعمال بعد الشهادتين: فيما روى ابن مسعود (رض): سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: "الصَّلاةُ لِوَقْتِها"، أو قال: "الصَّلَاةُ علَى مِيقَاتِهَا"*.
* "سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها قالَ: قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: "برُّ الوالِدَيْنِ" قالَ: قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: "الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ". فَما تَرَكْتُ أسْتَزِيدُهُ إلَّا إرْعاءً عليه. صحيح مسلم (85). وروي كذلك: "سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ علَى مِيقَاتِهَا"، قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ برُّ الوَالِدَيْنِ"، قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ" فَسَكَتُّ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. صحيح البخاري (2782).
- تغسل الخطايا: روى جابر بن عبد الله عن رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قوله: "مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ، غَمْرٍ علَى بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ"*.
* (الحديث) صحيح مسلم (668). وروى أبو هريرة: أَرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهْرًا ببَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ، قالَ: فَذلكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بهِنَّ الخَطَايَا. صحيح مسلم (667).
وله في البخاري: أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: أرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهَرًا ببابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فيه كُلَّ يَومٍ خَمْسًا، ما تَقُولُ ذلكَ يُبْقِي مِن دَرَنِهِ؟ قالوا: لا يُبْقِي مِن دَرَنِهِ شيئًا، قالَ: فَذلكَ مِثْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا. صحيح مسلم (528).
- تكفّر السيئات: لحديث أبي هريرة (رض): أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِما بيْنَهُنَّ"*.
* صحيح مسلم (233).
- نور لصاحبها في الدنيا والآخرة: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..."*.
* نص الحديث: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ".
أخرجه: أحمد (2/169)، والدارمي (2721)، والطبراني في «المعجم الكبير (13/163)، وابن حبان (1467)، والبيهقي في «الشعب» (2823)، وابن الجوزي في «التحقيق» (849)، وآخرون.
- يرفع اللَّه بها الدرجات، ويحط الخطايا: يقول ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجَتِهِ فَقالَ لِي: "سَلْ" فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. قالَ: "أوْ غيرَ ذلكَ" قُلتُ: هو ذَاكَ. قالَ: "فأعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ"*.
* الراوي: ربيعة بن كعب الأسلمي.
صحيح مسلم (489)، وبلفظ قريب منه في (488).
- المشي إليها تكتب به الحسنات وترفع الدرجات وتحط الخطايا: لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إلى بَيْتٍ مَن بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِن فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إحْدَاهُما تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً"*.
* الراوي: أبو هريرة.
صحيح مسلم (666).
- تُعدُّ الضيافة في الجنة بها كلما غدا إليها المسلم أو راح: للحديث الذي رواه أبو هريرة (رض): "مَن غَدَا إلى المَسْجِدِ ورَاحَ، أعَدَّ اللَّهُ له نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّما غَدَا أوْ رَاحَ"*.
* صحيح البخاري (662)، وقريب من لفظه في مسلم (669).
- يغفر اللَّه بها الذنوب فيما بينها وبين الصلاة التي تليها: لما رواه عثمان بن عفان (رض) أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فيُحْسِنُ الوُضُوءَ فيُصَلِّي صَلاةً إلَّا غَفَرَ اللَّهُ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الصَّلاةِ الَّتي تَلِيها". وفي رواية: "فيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ"*.
* سَمِعْتُ عُثْمانَ بنَ عَفّانَ وهو بفِناءِ المَسْجِدِ فَجاءَهُ المُؤَذِّنُ عِنْدَ العَصْرِ، فَدَعا بوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُمْ، إنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: (الحديث). صحيح مسلم (227).
- تُصلّي الملائكة على صاحبها ما دام في مُصلاّه: ومما رواه أبو هريرة (رض) من قوله صلى الله عليه وسلم: "والمَلائِكَةُ تُصَلِّي علَى أحَدِكُمْ ما دامَ في مُصَلّاهُ الذي يُصَلِّي فِيهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عليه، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ"*.
* "صَلاةُ أحَدِكُمْ في جَماعَةٍ، تَزِيدُ علَى صَلاتِهِ في سُوقِهِ وبَيْتِهِ بضْعًا وعِشْرِينَ دَرَجَةً، وذلكَ بأنَّهُ إذا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلاةَ، لا يَنْهَزُهُ إلَّا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَ بها دَرَجَةً، أوْ حُطَّتْ عنْه بها خَطِيئَةٌ، والمَلائِكَةُ تُصَلِّي علَى أحَدِكُمْ ما دامَ في مُصَلّاهُ الذي يُصَلِّي فِيهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عليه، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، وقالَ: أحَدُكُمْ في صَلاةٍ ما كانَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ."
صحيح البخاري (2119). وفي صحيح مسلم (649): قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: صَلَاةُ الرَّجُلِ في جَمَاعَةٍ تَزِيدُ علَى صَلَاتِهِ في بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ في سُوقِهِ، بضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذلكَ أنَّ أَحَدَهُمْ إذَا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ لا يَنْهَزُهُ إلَّا الصَّلَاةُ، لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَ له بهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عنْه بهَا خَطِيئَةٌ، حتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كانَ في الصَّلَاةِ ما كَانَتِ الصَّلَاةُ هي تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ علَى أَحَدِكُمْ ما دَامَ في مَجْلِسِهِ الذي صَلَّى فيه يقولونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ تُبْ عليه، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ.
- انتظارها رباط في سبيل اللَّه: لحديث أبي هريرة (رض): أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا أدُلُّكُمْ علَى ما يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدَّرَجاتِ؟ قالُوا بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: إسْباغُ الوُضُوءِ علَى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ"*.
* صحيح مسلم (251).
- أجر من خرج إليها كأجر الحاج المحرم: لحديث أبي أمامة الباهلي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَن مَشى إلى صَلاةٍ مَكتوبةٍ وهو مُتطهِّرٌ، كان له كأجْرِ الحاجِّ المُحرِمِ، ..."*.
* (تتمة الحديث: ومَن مَشى إلى سُبْحةِ الضُّحى، كان له كأجْرِ المُعتمِرِ، وصَلاةٌ على إثرِ صَلاةٍ لا لَغوَ بيْنَهما كِتابٌ في عِلِّيِّينَ) وقال أبو أُمامةَ: الغُدوُّ والرَّواحُ إلى هذه المساجدِ مِن الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ.
خلاصة حكم المحدث : صحيح، أخرجه أبو داود (558)، وأحمد (22304) واللفظ له.

- من سُبِق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها: لحديث أبي هريرة (رض) : أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "مَن توضأَ فأحسنَ الوُضوءَ ، ثُم راحَ فوجدَ الناسَ قد صلُّوا ، أعطاه اللهُ مِثلَ أجرِ من صلَّاها و حضرَها ، لا يُنقِصُ ذلكَ من أجورِهم شيئًا"*.
* أخرجه أبو داود (564)، والنسائي (855)، وأحمد (8947) باختلاف يسير.
- إذا تطهر وخرج إليها فهو في صلاة حتى يرجع: لحديث أبي هريرة (رض) : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تؤضَّأَ أحدُكُم في بيتِه ، ثمَّ أتى المسجِدَ ، كان في صلاةٍ حتَّى يرجِعَ"*.
* "إذا تؤضَّأَ أحدُكُم في بيتِه ، ثمَّ أتى المسجِدَ ، كان في صلاة (أو الصَّلاةِ) حتَّى يرجِعَ ، فلا يقُلْ هكَذا و شبَّكَ بين أصابِعِه".
خلاصة حكم المحدث : صحيح، أخرجه ابن خزيمة (437 و 439)، والحاكم (744).
- مـن حـافظ عليهـا كان له عهـد عند الله أن يدخلـه الجنـة: لحديث عبـادة بن الصامت (رض): أن الرسـول صلى الله عليه وسلم قال: "خَمسُ صَلواتٍ كتبَهُنَّ اللَّهُ علَى العبدِ في اليَومِ واللَّيلةِ ، فمَن حافظَ علَيهنَّ كانَ لَهُ عندَ اللَّهِ عَهْدٌ أن يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، ومَن لم يحافظْ علَيهنَّ لم يَكُن لَهُ عندَ اللَّهِ عَهْدٌ، إن شاءَ عذَّبَهُ ، وإن شاءَ غفرَ لَهُ"*.
* خلاصة حكم المحدث : متواتر. أخرجه أبو داود (425)، والنسائي (461)، وابن ماجه (1401)، وأحمد (22756) بنحوه.
ومثله الحديث القدسي: "قال اللهُ تعالى : إني فرَضْتُ على أمتِك خمسُ صلواتٍ، وعَهِدْتُ عندي عهدًا "أنه مَن جاءَ يحافظُ عليهنَّ لوقتِهن أدخلتُه الجنةَ، ومَن لم يُحافِظْ عليهنَّ؛ فلا عهدَ له عندي".
الراوي: أبو قتادة الحارث بن ربعي. أخرجه أبو داود (430) واللفظ له، وابن ماجه (1403).
- صاحب الصلاة معروف يوم القيامة بالغرّة والتحجيل، من أثر الوضوء: لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يَومَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنكُم أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"*. وفي الآية: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الفتح 29.
* رَقِيتُ مع أبِي هُرَيْرَةَ علَى ظَهْرِ المَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: "إنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يَومَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنكُم أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ".
الراوي : أبو هريرة. صحيح البخاري (136).
- لها فوائد اجتماعية وخصوصاً ما شرعه الله من صلاة الجماعة والجمعة والعيدين، حيث يلتقي المؤمنون على مستوى الحيِّ الواحد كل يومٍ خمس مراتٍ في صلاة الجماعة، ويلتقون في البلدة الواحدة في الأسبوع مرة واحدة على صلاة الجمعة، وفي السنة مرتين في العيدين على مستوى البلدة الكبيرة، وهذا من أهداف الإسلام في تشريع التقارب والتحابب والتأكيد على التعاون والتراحم والتزاور وقد كان الصحابة يزورون بعد الصلاة من لم يحضر معهم الصلاة ويتوقعون أن تخلُّفه كان بسبب مكروه أصابه.
- وللصلاة فوائد بدنية وصحية ونفسية يحصّلها العبد المحافظ عليها، ولكن أعظم الفوائد أن يشرف العبد حين يركع ويسجد لله بالعبودية لخالقه.

حكم تارك الصـلاة:

إنّ الصلاة هي العبادة الوحيدة التي لا تسقط عن المكلَّف لأي سبب، وشرع له أن يؤديها حسب طاقته، إن لم يستطع واقفاً، فجالساً، وإلا فمستلقياً. وإن عجز عن أداء حركاتها بالركوع والسجود، أداها ولو بحركة عينيه. لا يعفى منها إلا ذاهب العقل أو الوعي. لذلك كانت آخر ما أوصى به الحبيب صلى الله عليه وسلم. لذلك فإن تارك الصلاة مفرط في حق نفسه أولاً لأنه خالف فطرته التي فطره الله عليها، واختار أن يخالف أمره، ويقطع صلته المباشرة به تعالى. وإذا استمر على بعده عن ربه تعرض لـ:
- سوء الخاتمة، مع عيشة الضنك: مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ طه 124،
- الويل في الآخرة: مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5 الماعون.

وتارك الصلاة إما أن يتركها جحودًا أو كسلًا وتهاونًا. فإن تركها جاحدًا ومنكرًا لوجوبها فقد أجمع العلماء على كفره لأنه كذّب الله ورسوله وإجماع المسلمين، حتى لو كان جاحدًا لوجوبها ويصلي فهو كافر بالإجماع كذلك. أما الحالة الوحيدة التي استثناها العلماء وقالوا بعدم كفر تاركها جحودًا هي جهله بوجوبها، كأن يكون ناشئاً بعيداً عن ديار الإسلام، أو حديث عهد بالدين، وهذا يُعَلّم ويوجه. أما من ترك الصلاة المفروضة عمدًا، فلا خلاف بين العلماء حول ارتكابه لإثم عظيم عند الله تعالى في الدنيا والآخرة.

أما حكم تارك الصلاة في المذاهب الأربعة فاختلف العلماء فيه على قولين:
1) أنه فاسـق ارتكب معصية وكبيـرة من الكبائر ولكنه ليس بكافر، وهذا قول أبي حنيفة ومالك ووجه عند الشافعي ورواية عند الإمام أحمد.
ودليلهم على ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ النساء 48.
فقالوا أن الله يغفر جميع الذنوب ما عدا الشرك، وترك الصلاة تهاونًا وكسلًا ليس من الشرك.
2) أنه كافر وخارجًا عن الملة إذا ترك الصلاة دائمًا بالكلية، وهو قول الحنابلة والوجه الثاني للشافعية ورأي عند المالكية وابن تيمية وابن القيم.
ودليلهم على ذلك:
1. قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا 59 إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا 60 مريم.
فقالوا أن الله تعالى قال للذين أضاعوا الصلاة: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ فهذا دليل على أن المضيعين للصلاة غير مؤمنين.
2. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الروم 31، فقالوا: إن ترك الصلاة علامة على أنهم من المشركين.
3. واستدلوا من السنة بحديث رواه جابر بن عبد الله (رض): "إنَّ بيْنَ الرَّجُلِ وبيْنَ الشِّرْكِ والْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ"*، وما رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي: "العَهدُ الَّذي بيننا وبينهم الصَّلاةُ ، فمَن تركَها فَقد كَفرَ"**. وقالوا: إن تارك صلاة أو صلاتين لا يقال له ترك الصلاة، بل المقصود في الحديثين ترك الصلاة كلها.
* صحيح مسلم (82).
** صحيح الترمذي (2621)، صحيح ابن ماجه (891)، صحيح النسائي (462).
4. كما استدلوا بحديث أنس بن مالك: كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حتَّى يُصْبِحَ، فإنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ ما يُصْبِحُ، فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا"*. وقالوا: إن الحديث فيه دلالة على أن إقامة الصلاة أوجبت الحكم بالإسلام، فالأذان إنما هو نداء للصلاة، فإن كان موجباً للحكم بالإسلام، فالصلاة أولى.
* صحيح البخاري (2943).
5. كذلك استدلوا بحديث عن عوف بن مالك الأشجعي: "خِيارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ ويُحِبُّونَكُمْ، ويُصَلُّونَ علَيْكُم وتُصَلُّونَ عليهم، وشِرارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكُمْ، وتَلْعَنُونَهُمْ ويَلْعَنُونَكُمْ، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نُنابِذُهُمْ بالسَّيْفِ؟ فقالَ: لا، ما أقامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، وإذا رَأَيْتُمْ مِن وُلاتِكُمْ شيئًا تَكْرَهُونَهُ، فاكْرَهُوا عَمَلَهُ، ولا تَنْزِعُوا يَدًا مِن طاعَةٍ"*. وفيه دليل على أن ترك الصلاة وعدم إقامتها كفر.
* صحيح مسلم (1855).
6. واستدلوا كذلك بقول عمر بن الخطاب عن ابن عباس رضي الله عنهم: "إنَّهُ لا حظَّ لأحدٍ في الإسلامِ أضاع الصلاةَ"*.
* عن المسورِ بنِ المخرمةِ و ابنِ عباسٍ أنهما دخلا على عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ حين طُعِنَ فقال: "الصلاةَ"، فقال: "إنَّهُ لا حظَّ لأحدٍ في الإسلامِ أضاع الصلاةَ"، فصلى وجُرْحُه يشعبُ دمًا، رضيَ اللهُ عنهُ
الراوي: عروة بن الزبير. حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
الإيمان لابن أبي شيبة (103)، الإقناع لابن المنذر (2/690).






 
رد مع اقتباس
قديم 24-12-2021, 01:21 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣




﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾:

أي أعطيناهم، فهو مصدر الرزق جل وعلا. والرزق أصله في العربية: الحظ والنصيب منه قوله تعالى:
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ الواقعة 82. والرزق في الآية هو كل ما فيه حركة للحياة: المال والولد والصحة والعلم والحكمة والمرؤة والكرم والحلم والصبر والمثابرة والرأفة وغيرها كثير من الرزق.
وقدم الجار والمجرور ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ﴾ على فعله للاهتمام به.
﴿يُنفِقُونَ﴾: لفعل "نَفَقَ" في لسان العرب معان، يقال نَفِقَ الزاد إذا نفد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ الإسراء 100. و"نفق" الشيء بالبيع نَفَاقاً، ونَفَقَتِ الدابة: ماتت نُفُوقاً، والنفقة: اسم المُنْفَق. والإنفاق الإنفاد. وأصل هذه المادة تدل على الخروج والذهاب، ومنه النفاق لأنه يخرج إلى المؤمن بالإيمان وإلى الكافر بالكفر.
ومعنى الإتلاف هو المراد هاهنا.

ما مدلول الرزق؟:

- ما للحي الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد منعه منه.
- والرزق لا يختص بالبشر دون غيرهم من الكائنات. قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هود 6، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ العنكبوت 60.

آيات الرزق في القرآن الكريم:

ورد ذكر الرزق في الكثير من آيات القرآن الكريم، منها:
- الرزق في الدنيا:
...> ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ البقرة 172،
...> ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ إبراهيم 32،
...> ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ العنكبوت 17،
...> ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ العنكبوت 60،
- الرزق في السماء:
...> ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ الذاريات 22،
- الرزق في الجنة:
...> ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَـٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ ﴾ البقرة 25،
...> ﴿قُل مَن حَرَّمَ زينَةَ اللَّـهِ الَّتي أَخرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُل هِيَ لِلَّذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيا خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ﴾ الأعراف 32،
- الدعاء بالرزق:
...> ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ البقرة 126،
- الإيمان والتقوى مظنة للرزق:
...> ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الأعراف 96،
...> ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ﴾ الطلاق 2،3،
- الاستغفار والتوبة تستجلب الرزق:
...> ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ هود 52،
- بسط الرزق مرهون بقدرة الله ومشيئته:
...> ﴿اللَّهُ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَيَقدِرُ﴾ الرعد 26،
...> ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَيَقدِرُ﴾ الإسراء 30،
...> ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّـهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِر﴾ القصص 82،
- التفضيل في الرزق:
...> ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعضَكُم عَلى بَعضٍ فِي الرِّزقِ﴾ النحل 71،
- الله يرزق من يشاء بغير حساب:
...> ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ آل عمران 27،
...> ﴿إِنَّ اللَّـهَ يَرْزقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ آل عمران 37.

ما قيل حول معنى النفقة في الآية:

خمسة أقوال:
1) الزكاة المفروضة،
2) نفقة الرجل على أهله،
3) صدقة التطوع،
4) وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ما عدا الزكاة،
5) منسوخ بالزكاة.

وللتفصيل، نقول:

1) من قال بأنها الزكاة نظر إلى أن الإنفاق قرن بالصلاة في آيات متعددة، والنفقة المقترنة بالصلاة في الآيات هي الزكاة.
2) أما من قال بأنها النفقة على العيال، فلأنها أفضل النفقة. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصدقة على القرابة صدقة وصلة.
3) وأما من قال أنها صدقة التطوع فنظر إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة، فإذا جاءت بلفظ الصدقة احتملت الفرض والتطوع، وإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم يكن إلا التطوع.
4) وأما من قال أنها في الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة فذهب إلى أن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضاً، ولما عدل عن لفظها كان فرضاً سواها.
5) وأما من قال: "إنه منسوخ" فاعتبر نزول آيات فرض الزكاة نسخاً لكل نفقة فرضت في القرآن قبلها، وقد كان فرض على الرجل أن يمسك مما في يده مقدار كفايته ليوم وليلة، ويفرق باقيه على الفقراء.
وهذا الرأي لا مسوغ له عندنا لأننا مع القائلين ببطلان النسخ في القرآن الكريم، وتفاصيل هذا مبسوط في تفسير: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ...﴾ البقرة 106.

والرأي الذي نرجحه أن المقصود في الإنفاق في الآية كل إخراج للمال واجباً ومندوباً مثلما أن الصلاة المذكورة هي الصلاة على العموم فرضها ونفلها.

ملامح بلاغية في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾:

1) التبعيض في: ﴿وَمِمَّا﴾ ليكون الإرشاد إلى ترك الإسراف. أما مقدار الإنفاق فقد حدد في: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْو﴾ البقرة 219. وكانت الدعوى للتوسط في: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الإسراء 29، و: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ الفرقان 67.
2) تقديم المفعول، عوضاً عن قوله: "ينفقون مما رزقناهم". كأنه قال: ويخصون بعض المال بالتصدق به.
3) إسناد الرزق لله، للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله، فهو رزق منه.
4) إن في الآية تعميم للإنفاق من حيث الإنفاق الواجب، ومنه الإنفاق على النفس والزكاة والإنفاق في الجهاد، والمندوب وهي الصدقة.

اقتران الزكاة بالصلاة:

الزكاة شرعًا هي إعطاءُ جزء من النِّصاب إلى فقير ونحوه، غيرِ متَّصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه، أو هي: نصيبٌ مقدَّر شـرعًا في مال معيَّن، يُصرف لطائفة مخصوصة.
والزكاة أخت الصلاة وشقيقتها، ولعل في كثرة ورودهما مقرونين دليل على وجوب الزكاة، ووضعها في أهمية الصلاة. وقد جاءا مقرونين في القرآن في ثلاثين موضعاً في تسع عشرة سورة، قد يضاف إليها:

1) ما ورد في سورة المؤمنون: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ 2﴾، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ 4﴾، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ 9﴾،
2) ما ورد في سورة المعارج: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ 23 وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ 24 لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ 25﴾.
3) وانفردت الزكاة في:
...1. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الأعراف 156،
...2. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ فصلت 7.
4) ووردت نكرة في ثلاثة مواضع:
...1. ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ الكهف 81،
...2. ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مريم 13،
...3. ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ الروم 39.

مشروعية الزكاة:

من الكتاب:
- ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ البقرة 110،
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ البقرة 277،
- ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ المائدة 55،
- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ التوبة 11،
- ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة 103،
- ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ النور 56،
- ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ 19 الذاريات،
- ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ 24 لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ 25 المعارج،
- ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ البينة 5،
من السنة:
- "بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ"*.
* الراوي : عبدالله بن عمر.
أخرجه البخاري (8)، ومسلم (16).
- جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن أهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ولَا يُفْقَهُ ما يقولُ، حتَّى دَنَا، فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَومِ واللَّيْلَةِ". فَقالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قالَ: "لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ". قالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وصِيَامُ رَمَضَانَ". قالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قالَ: "لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ". قالَ: وذَكَرَ له رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، قالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قالَ: "لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ". قالَ: فأدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يقولُ: واللَّهِ لا أزِيدُ علَى هذا ولَا أنْقُصُ، قالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أفْلَحَ إنْ صَدَقَ"*.
* الراوي : طلحة بن عبيد الله.
التخريج : أخرجه البخاري (46)، ومسلم (11).
- "الإسْلَامُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ولَا تُشْرِكَ به شيئًا، وتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ"*.
* حديث الإسلام والإيمان والإحسان.
رواه أبو هريرة،
وأخرجه البخاري (50 و 4777)، ومسلم (9).
- "فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ وتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ "*.
* "أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عنْه إلى اليَمَنِ، فَقالَ: ادْعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَنِّي رَسولُ اللَّهِ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لذلكَ، فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عليهم خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لذلكَ، فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ وتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ".
الراوي: عبدالله بن عباس.
البخاري (1395) واللفظ له، مسلم (19).
- "بَايَعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علَى شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والسَّمْعِ والطَّاعَةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"*.
* الراوي: جابر بن عبد الله.
البخاري (2157) واللفظ له، مسلم (56).

فرضية الزكاة:

لما كانت الزكاة من أساسيات بناء المجتمع الإسلامي، وضع الشارع لها من القواعد ما يكفل أداءها على الوجه السليم. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة 60 فلم يترك لغيره سنها أو تحديد من يتلقاها. ودليل فرضيتها في الكتاب، والسنة، وأقوال العلماء، ولا نعلم من شذ عن القول بفرضيتها. أما أصل الفرضية فلا خلاف فيها، وأما فروعها فعليها الخلاف.
والزكاة نماء وتطهير، لأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بسبب أن الأجر بسببها يكثر، أو بسبب البركة التي تعود على رزق مخرجها ، يقول تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ البقرة 267. وهي طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب.

والزكاة لا تجب إلا:

- فى مال بلغ النصاب وحال عليه الحول. والمالكية وضعوا شرط حولان الحول في غير المعدن والركاز والحرث.
- في مِلْكٍ كَامِلٍ مُتَّحَد. والملك التام، سواء أكان نقدياً أم عينياً. ومن كان عنده مال وجبت زكاته، وعليه دين، فليخرج منه بقدر ما يفي دينه أولاً، ثم يزكي الباقي إن بلغ نصاباً. ومن مكث دينه أحوالاً فلا زكاة عليه حتى يقبضه أو نصاباً منه فيزكيه. وعند المالكية: من ملك مالاً بسبب ميراث أو هبة أو صدقة أو خلع أو بيع عرض مقتنى، كأن باع متاعاً أو عقاراً أو تعويض ولم يضع عليه يده، بل بقي ديناً له عند واضع اليد، فإن هذا الدين لا تجب فيه الزكاة إلا بعد أن يقبضه ويمضي عليه حول من يوم قبضه. أما الحنابلة فقالوا: تجب زكاة الدين إذا كان ثابتاً في ذمة المدين، ولو كان المدين مفلساً، إلا أنه لا يجب إخراج زكاته إلا عند قبضه، فيجب عليه إخراج زكاة ما قبضه فوراً إذا بلغ نصاباً بنفسه، أو بضمه إلى ما عنده من المال.

الأنواع التي تجب فيها الزكاة:

1) الذهب والفضة: ولا بد في نصاب الذهب والفضة من أن يكونا خالصين من الغش (الواجب فيه ربع العشر) واختلف العلماء حول زكاة الحلي، والرأي الحديث السائد هو أن ما تتزين به المرأة لا تخرج عليه، أما ما كان اقتناؤه بغرض الاستثمار فعليه ربع العشر.
2) الزروع: الزرع والثمار يجب فيها العشر إذا كانت خارجة من أرض تسقى بالمطر أو ماء المصارف الذي لا جهد للزراع في جلبه، ونصف العشر إذا كان في سقيه مشقة أو كلفة. على اختلاف في أصناف الزروع التى تجب فيها الزكاة، فمنهم من رأى أن الزكاة تخرج من كل ما تخرجه الأرض، وآخرون رأوا أنها إنما تخرج مما يقتات من المقتات من النبات.
3) النّعَم: وهي الأبل والبقر والغنم، ولا زكاة في الخيل والبغال والحمير وسائر الحيوانات. وأقل نصابها:
...- زكاة الابل: أول نصاب الإبل خمس، فإذا بلغتها ففيها شاة من الضأن أو الماعز.
...- زكاة البقر: أول نصاب البقر ثلاثون، فإذا بلغتها، ففيها تبيع، أو تبيعة، وإخراج التبيعة أفضل (والتبيع ما أوفى سنة، ودخل في الثانية).
...- زكاة الغنم: أول نصاب الغنم أربعون وفيها شاة من الضأن أو المعز.
ويزيد عدد مال الزكاة مع زيادة أعداد النعم من كل نوع على نحو ورد في كتب الفقه.
4) عروض التجارة: تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة وفي عينها، ويضم عند التقويم بعضها إلى بعض، ولو اختلفت أجناسها، كثياب ونحاس، كما يضم الربح الناشيء عن التجارة إلى أصل المال في الحول. والرأي الأغلب عند العلماء أن نصاب التجارة هو نصاب الذهب والفضة، وفيها ربع العشر بعد حولان الحول.
5) زكاة الركـاز: وهي المعادن التى توجد فى الأرض، وفي الركاز الخمس. ولا يشـترط لإخراجها مرور الحول.

ولا تجب الزكاة في دور السكنى، إذا لم تكن للتجارة، وثياب البدن، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وسلاح الاستعمال، وما يتجمل به من الأواني إذا لم يكن من الذهب أو الفضة، وكذا لا تجب في الجواهر ونحوها إذا لم تكن للتجارة، باتفاق المذاهب، وكذا لا تجب في آلات الصناعة مطلقاً، سواء أبقي أثرها في المصنوع أم لا، إلا عند الحنفية، وكــذا لا تجب في كتب العلم إذا لم تكن للتجارة، سواء أكان مالكها من أهل العلم، أم لا، إلا عند الحنفية.
ولا يجوز إخراج الزكاة بقيمة الواجب، وإنما الواجب إخراج عين ما وجب، أي أن تخرج الزكاة من جنس المال لا بقيمته.
واختلفوا في وجوبها على اليتيم والمجنون، وقيل: لا تجب عليهما، ولكن تجب في كل منهما.






 
رد مع اقتباس
قديم 31-12-2021, 02:42 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣




مصارف الزكاة:

هي الثمانية في كتاب الله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 60 التوبة. ويجوز صرفها إلى صنف واحد من الثمانية، ولا تصرف في شيء من وجوه البر غير مصارفها المحددة في الآية الكريمة:

1) الفقير: هو الذي يملك أقل من النصاب. أما من يملك نصاباً من أي مال كان، فاضلاً عن حاجته الأصلية، فلا يجوز صرف الزكاة له
2) المسكين: هو الذي لا يملك شيئاً أصلاً، فيحتاج إلى المسألة لقوته، أو لتحصيل ما يوارى به بدنه، ويحل له أن يسأل لذلك، بخلاف الفقير.
3) العاملون على الزكاة: هم الذين يتولون العمل على جمع الزكاة ولو كانوا من الأغنياء ويدخل فيهم الجباة والحفظة لها والرعاة للأنعام منها والكتبة لديوانها.
4) المؤلفة قلوبهم: هم الذين يراد تأليف قلوبهم على الإسلام أو تثبيتها عليه.
5) فى الرقاب: هم الأرقاء المكاتبون.
6) الغارمون: الغارم هو المدين الذي لا يملك ما يوفي به دينه، فيوفى دينه من الزكاة، ولو بعد موته وهو الذي عليه دين ولا يملك نصاباً كاملاً بعد دينه.
7) فى سبيل الله: يشتمل على كل ما من شأنه إعلاء كلمة الله، ويدخل فيها إعداد الدعاة وبناء المدارس والمساجد فى غير بلاد المسلمين والنفقة على المدارس الشرعية وغير ذلك.
8) ابن السبيل: هو المسافر المنقطع عن بلده وعن مصدر رزقه، حتى وإن كان غنياً في بلده.

ومن قيود صرفها:
- لا تعطى لكافر أو مرتد.
- ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد، مع وجود المستحق، إلا أن ينقلها إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده.
- المعتبر في الزكاة مكان المال حتى لو كان المالك في بلد وماله في بلد أخرى تفرق الزكاة في مكان المال.

لِمَ اختص إقامة الصلاة والإنفاق بالذكر دون سائر العبادات؟:

1) إقامة الصلاة والإنفاق من أقوى أمارات الإيمان بالغيب، فالصلاة هي رحلة روحية للاتصال بعالم الغيب والشهادة، أو هي مناجاة.
2) لأن الصلاة أفضل الأعمال بعد التوحيد، وهي أفضل العبادات البدنية، ولأن الزكاة أفضل العبادات المالية، إختصر الكلام بذكر ما هو عنوان لسائر الطاعات، ويندرج فيها اجتناب المعاصي،
3) جاء سرد الصلاة والإنفاق مع المتقين، فاجتمع عمل القلوب في الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ العنكبوت 45، وعمل الجوارح في الإنفاق، فاجتمع بذلك الباطن والظاهر.
4) والإنفاق ناشئ عن شعور بأن الله هو مصدر الرزق. فالزكاة - والصدقة كذلك - في ظاهرها نقص للمال، لكنها في حقيقتها طهارة وزيادة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَاالتوبة 103، وبركة ونماء: ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ الروم 39، ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ البقرة 276.
5) اتقاء عقوبة الله: "ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا"*.
* عن عبدالله بن عمر: "يا مَعْشَرَ المهاجرينَ ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ : لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ ؛ حتى يُعْلِنُوا بها ؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا ، ولم يَنْقُصُوا المِكْيالَ والميزانَ إِلَّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشِدَّةِ المُؤْنَةِ ، وجَوْرِ السلطانِ عليهم ، ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا ، ولم يَنْقُضُوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم ، فأَخَذوا بعضَ ما كان في أَيْدِيهِم ، وما لم تَحْكُمْ أئمتُهم بكتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَخَيَّرُوا فيما أَنْزَلَ اللهُ إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم".
أخرجه ابن ماجه (4019)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4671)، والحاكم (8623) باختلاف يسير.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 04:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط