حق وخصام
من تأليف..
صلاح محمد علي
حدث هذا أمام تلاميذ الصف وكثير من تلاميذ المدرسة ؛ فقد زعق سالم بوجه خالد فجأة وقال:
" كفى ! كفاك تظاهراً بأنك مع الحق دائماً ، كفاك ما تعيب عليّ أكثر أفعالي ! ".
قال خالد بهدوء : " إنني لا أتظاهر بأني مع الحق كما تظن ، ولكنني كذلك فعلاً !
فاتقد وجه سالم بالغضب وصاح كالملسوع:
" والآن سأضع حداً لغرورك ! اذهب عني مع الحق الذي تدعي أنك معه ، ودعني أفعل ما أريد ، كفى أيها المغرور ، ولستَ صديقي منذ الآن !"
ادلهمَّ وجهُ خالد بالحزن وقال :
" إنني أحزن حقاً لفراق أي صديق ولا أريد أن يزعل . ومع ذلك فأنْ تتركني بسبب تمسكي بالحق خيرٌ لي من أن أكون صديقك على باطل !.
وفي الحال أسرع سالم مبتعداً عن خالد ، وتركه وحيداً ، بعد أن أسمعه كلمات قاسية لا يصبر عليها إلا حليم .
ومرت الأيام وسالم لا يكلم خالداً ولا ينظر إليه ، برغم ما أبداه خالد من مودة إزاءه في أحيان كثيرة .
* * *
هكذا كان سالم تلميذاً كثير الخصام والمشاكسة ؛ وبرغم أنه لا يضمر الشر لأحد ، إلا أن سرعة غضبه ولجاجته جعلته يصطدم بكثيرين من أصدقائه . وكان الجميع ينظرون إليه على أنه تلميذ يحب أن يصنع المشاكل ! وحتى المدرسون عرفوا هذه الصفة فيه . أما هو فكان يظن سلوكه تفرداً يميزه عن أصحابه !!.
وفي إحدى المرات ارتفع صوت سالم بالصياح في ساحة المدرسة ، ثم كان هناك عراك وضرب . وكان خالد واقفاً ينظر ، ومن عجيب طالعه فإنه كان الوحيد الذي شهد ذلك العراك الذي نشب بين سالم وتلميذ آخر ، هو زيد ابن عم خالد نفسه !!.
وبعد دقائق كان سالم يجلس في الصف وآثار الشجار بادية على وجهه وملابسه معاً ! أما التلميذ الآخر " زيد " فقد أسرع إلى مدير المدرسة وشكا " سالم " إليه وهو يقول :
- " أستاذ إن سالم يرفض المثول أمامك برغم كل شيء !! ".
غضب المدير وأسرع إلى الصف في الحال ، حيث كان يجلس سالم بين بقية التلاميذ .
قال المدير :
" سالم ! اسمع ، نحن كلنا – وأنت أيضاً - نعرف أنك مصدر إزعاج في المدرسة ، ولكنني لن أعاقبك حتى أعرف الحقيقة تماماً . والآن إذا كنت على حق ، فأريد منك أن تسمي لي ولو تلميذاً واحداً يشهد بأنك لم تعتد على زيد !".
التزم جميع الطلاب الصمت وبدت عيونهم تومض بالحيرة . فمن ذا يشهد لسالم وهو المعروف بعراكه وشراسته ! وأدار سالم عيونه متفحصاً الجميع واليأس يتملك نفسه . ثم ابتسم فجأة ولاح على وجهه الفرح وأشار بيده بثقة نحو خالد وقال :
" خالد ، نعمْ خالد ، يا أستاذ هو الذي سيشهد بأنني لم أكن المعتدي هذه المرة ! لأنه الوحيد الذي رأى كل شيء عند الشجار !".
ترددت أصوات التلاميذ :
" خالد ! خالد ؟! أخالد يشهد لسالم وهو خصم له .. وضدَّ مَنْ ؟ ضدَّ زيد ابن عمه !؟".
نظر المدير بهدوء إلى خالد وقال :
" يا خالد ، أنا أعرف أن " سالم " قد شاجرك وخاصمك قبل مدة ، فماذا تقول الآن ؟".
ألقى خالد نظرة على سالم ثم نظر إلى زيد وقال على عجل :
" لا يا أستاذ ، لم يكن سالم معتدياً هذه المرة ، فزيد هو الذي تحرش به وآذاه أولاً !".
ضجَّ الجميع بالعجب والاستغراب . ثم صمتوا فجأة، حين سمعوا المدير يسأل " سالما".
" ولكن ! ما الذي دعاك لاختيار خالد كي يشهد لك وأنت متخاصم معه ؟!".
قال سالم مبتسماً:
" لأنني كنت واثقاً بأنه لا يقول إلا الحق حتى ولو على نفسه ! نعم يا أستاذ ، فقد جربته منذ زمن ، فسبب خصامي معه هو أنه لم يجاملني على حساب الحق أبداً !".
فالتفت المدير إلى خالد وقال له بفرح:
" ما أنبل خلقك ، إنني أفخر بك يا ولدي ! ، ولكنْ لماذا شهدت ضد زيد وهو ابن عمك ؟".
قال خالد بخجل:
" لأنه كان هو المعتدي فعلاً . ولو شهدت له لكانت شهادتي زوراً ، وقد نهانا الله عن ذلك بقوله .. واجتنبوا قول الزور . " . سورة الحج من الآية (30)
وفي لحظة مفاجئة أقبل زيد على سالم واعتذر منه ، فصفق التلاميذ لهما فرحاً ! ووسط تصفيق التلاميذ ، سُمِعَ صوت أحدهم يقول :
" هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها "سالما " على حق في خصومته !".
فرد سالم مبتهجاً :
" وسأكون مع الحق دائماً ، ما دام عندي صديق مثل خالد !".
ثم أقبل نحوه وصافحه واعتذر منه . فقال المدير سعيداً كأنه يحدث نفسه هذه المرة :
" ما أجمل أن يفترق الناس بالحق ثم عليه يلتقون !".
.. الهدف من القصة ..
شهادة الزور هي قول غير الحقيقة ، وخصوصا أمام المحكمة أو أي مسؤول يطبق العدالة ؛
لأن هذه الشهادة يترتب عليها حقوق الآخرين ، فهي ( مضيّعة للحقوق ، إضافة إلى أنها كذب )
ولذلك عدها النبي عليه الصلاة والسلام واحدة من ثلاثة جعلها أكبر الكبائر وهي : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور
وقد حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا ، وحذر الله تعالى من كتمان الشهادة عندما يُدعى الإنسان إلى الشهادة .. قال تعالى : " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " .
إلى اللقاء في الأسبوع القادم مع قصة جديدة