أقف مع أيوب عليه السلام ... فأرى مشهد النعيم الذى يرفل فيه العبد الغنى الشاكر المتواضع لله ... الذى يمشى على الأرض هونا ... ويحسن الى الفقراء والمساكين ... ويعين المحتاج ويغيث الملهوف ... وفجأة يتغير الحال ... وتتوالى المصائب والابتلاءات والأهوال ... فيفقد كل عزيز وغال ... ويصبح الجسد مرتعا للأسقام والأوجاع ... فما شكا ربه لأحد ... وما شكا الى ربه ما يجد ... بل أيقن بأنه الابتلاء الذى لا يواجه الا بالصبر وتجرع المرارة بغير تعبس ... وتستمر المعاناة لسنوات عجاف ... الى أن يرق لحاله الحجر والشجر والبشر ... فهل غفلت عنه عين الرضا والعناية ... أبدا والله وحاشا لله ... بل كان البلاء نعمة ولم يكن نقمة ... لأن الأنبياء هم أشد الناس بلاء ... وهم قد صنعوا على عين الله ... فكيف يتركهم أو يخذلهم ...
وبعد سنوات الألم والشظف يرتفع الصوت المرتعش ... بأنفاس ثقيلة ثقل سنوات البلاء ... فيناجى ربه على استحياء وكأنه يستكثر على نفسه أن يطلب من مولاه رفع البلاء ... ان الطبيعة البشرية تواجه البلاء بالسخط والقنوط والجزع والتبرم ...
( لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ) ... ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ) ... لكن أيوب عليه السلام لم يقدم عريضة طويلة من الشكوى المرة والدعاء العريض بل لا يزيد على كلمتين اثنتين تختزلان ألما ألم به لسنوات طوال فلم يزد فى شكواه على أن قال :
( مسنى الضر ... وأنت أرحم الراحمين ) ... يا الله ... يالجمال الصبر لحكم الله حين يقترن بالحياء منه ...
لقد حاول الشيطان أن يدخل على أيوب مباشرة في زمن بلائه فلم يؤثّر به ثم حاول أن يدخل إليه عن طريق امرأته فوسوس لها ... فجاءت إلى أيوب وفي نفسها اليأس والضجر مما أصابه ... وأرادت أن تحرك قلبه ببعض ما فيه نفسها فغضب أيوب وقال لها: كم لبثتُ في الرخاء ؟ قالت : ثمانين ... قال : كم لبثتُ في البلاء ؟ قالت: سبع سنين ... قال: أما أستحيي أن أطلب من الله رفع بلائي وما قضيتُ فيه مدة رخائي !!
انه نور اليقين وضياء الصبر وجمال الحياء من الله الذى لم يدعه طوال السنوات العجاف لمر الشكوى والدعاء العريض على الرغم من أنه نبى مستجاب الدعاء ... بل لقد فهم عن الله ورضى بقضائه المبرم وصبر لحكمه بغير تبرم ولسان الحال يقول :
( قضاؤك محتوم وأمرك نافذ وما شئت من شئ فليس له رد ) ...