عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 01-04-2007, 05:05 AM   رقم المشاركة : 55
معلومات العضو
محمد جاد الزغبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد جاد الزغبي
 

 

 
إحصائية العضو






محمد جاد الزغبي غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

نظرات فى فكر الإمام

فى أحد المحافل الثقافية قمت بطرح هذا الكتاب على حلقات مفتوحة للنقاش ..
وقام أحد الكتاب بالتعليق على الحلقة الأولى منه قائلا أن مصر بها أهراما ثلاثة وسماهم كما يراهم .. فقمت بالرد عليه قائلا أن حصر نوابغ المصريين فى ثلاثة فقط هو ظلم فادح .. لأننا نستطيع استخراج العشرات منهم بكل مجال .. فما بالنا إذا أردنا الاختيار فى المطلق
غير أنه فى المطلق يمكننا نوعا ما أن ننتقي ثلاثة من عباقرة المفكرين منعدمى المثل فى القرن الأخير ..

وهم أولئك العظماء الذين لن يتكرروا لما كان بهم من علو الهمة فى الفكر وترفع عن الصغائر وطرقهم أبواب النبوغ عبر أكثر من مجال وانطبق عليهم فعليا قول القائل " ما مات عالم .. إلا وضاع نصف علمه ولو حرص الناس " ..
وهم بالفعل يمثلون أهرام الفكر الثلاثة .. والذين لم يتوقفوا عن الاستزادة من العلم حتى النزع الأخير من حياة اثنين منهم والثالث بارك الله فى عمره .. لأنهم علموا فعملوا بما علموا .. وأيضا نهلوا من العلم ولم يغرهم علو المكانة وتعظيم الناس لهم عن إدراكهم أن ما علموه لا يعد ببحر العلم أكثر من قطرة .. وذلكم هو العالم الحقيقي
وأعنى بهم إمامنا الراحل محمد متولى الشعراوى وأستاذنا المفكر عباس محمود العقاد وعمدة الصحافة والسياسة محمد حسنين هيكل
فالشعراوى لم يتوقف عن المطالعة بشتى أنواعها حتى آخر حياته .. والعقاد وجدوا على صدره عند وفاته كتابا عن جغرافية إفريقيا الوسطى كان يطالعه عندما حان أجله فأسلم الروح .. وهيكل بالرغم من تعديه الثمانين من عمره إلا أنه يبدأ يومه فى الخامسة صباحا بالتركيز فى سماع نشرات الأخبار وموسوعات المعلومات من شتى أنحاء العالم غير ما تضمه ويضمه باستمرار لمكتبته الرهيبة فى شتى صنوف المعرفة .. إضافة إلى أن أحدا من الناس لم يسمع منهم إشارة واحدة إلى أنفسهم بعظم المكانة أو العبقرية .. بل تركوا تلك الأقوال للناس وقنعوا برأيهم فى أنفسهم أنهم لا زالوا تلاميذا فى محراب العلم مهما علت عبقرية كل منهم
وما لا يدركه الكثيرون أن هذا بالأمر ليس بادعاء تواضع .. بل انه ليس تواضعا فى الأصل عند هؤلاء المتفردين .. وتفسير هذا بسيط الإدراك عند من أدرك حقيقة النبوغ فهؤلاء القادة لم يقارنوا أنفسهم بمعاصريهم قط .. بل عرفوا أسرار النبوغ عبر حضارتنا وعرفوا كيف كان العلماء فرهنوا أنفسهم لتلك الدرجة التى لم يدركها غيرهم بزمانهم لأنهم لا يعرفون عن زمن الكبار شيئا
كما أن ثلاثتهم لم يترددوا من التراجع عن سابق مواقفهم التى اتخذوها وتبين لهم خطأها فيما بعد
فهيكل تراجع عن كثير من قناعاته التى اتخذها فى أوقات سابقة بعد أن تبين له خطأ وجهة نظره إزاء ما تكشف له بعد مرور السنوات ومنها تعبيره الذى قال به فى ندوة سجلتها مجلة المصور عام1999 م حيث قال " اننى سعيد بأثر رجعى بما فعله السادات فى المبادرة "
كما لم يتردد فى الاعتراف بوجود هوى وميل منه للرئيس الراحل جمال عبد الناصر وان كان يأمل ألا يغير هذا الهوى من حكمه على فترته كما عبر بنفسه فى الحلقات التى سجلتها له قناة الجزيرة
والعقاد لم يتردد فى الاعتراف بنزعه العنف فى معاملاته واحتدام كلماته وتعبيراته فى معاركه الفكرية حيث عبر قائلا
" اننى لا أزعم أننى مفرط فى التواضع لكننى أجزم يقينا أننى لم أعامل إنسانا بدونية إلا إذا كان عقابا له على سوء أدب "
والإمام الشعراوى لم يتردد فى الاعتراف بخطئه ندما أيد ودعم نشاط شركات التوظيف التى عرفتها مصر فى مستهل التسعينيات وكان نية التأييد حسنة حتى ظهرت الأفاعيل المشبوهة بعد ذلك وهو الأمر الذى دفع الشيخ للتراجع عن تأييدها .. بعدما تمكنت تلك الشركات من خداع أجهزة الدولة ذاتها قبل أن تتمكن من خداع الأفراد
كما أن ثلاثتهم من أساطين الأدب العربي وحفاظه على الرغم من ابتعاد مجالاتهم الرئيسية عن الأدب وتاريخه .. وتلك الصفة تثبت أن التاريخ الأدبي والتراثي عبارة عن مكنون السر والمستودع الحقيقي لكل مفكر فبسواه سيفتقد إلى جسر التواصل اللغوى اللازم للوصول لتلامذته
فالشعراوى كان رحمه الله من رواة الأدب العربي وفنونه كما كان شاعرا قديرا .. وكثيرا ما استخدم الأجوبة المسكتة والمستحسنة فى الأدب العربي للرد بها حين يتعرض لموقف مماثل للذى قرأه فى التراث كما حدث عندما كان بالقاهرة حديثا ووجد شيخه عاتبا عليه لأنه رآه ماشيا فى شارع عماد الدين بوسط القاهرة وهو الشارع الذى اشتهر بالملاهى الليلية فى تلك الفترة
فقال لشيخه فى تخابث ومرح .. وكيف رأيتنى هناك يا شيخنا الفاضل ؟!!
وهو موقف شهير فى التراث العباسي لأحد القضاة رفض شهادة أحد الشهود بالقضية المعروضة أمامه فلما سأله الشاهد عن سبب المنع قال له القاضي " رأيتك فى مدينة كذا ساعة كذا وهى مدينة مشهورة بشهادة الزور والمتاجرة بالذمم "
فقال الرجل فى هدوء .. " أصلح الله القاضي .. عرفنا الحجة ولكن هلا دللتنا ما الذى كان يفعله القاضي المعصوم هناك؟!"
فضحك القاضي لفطنة الرجل وقبل شهادته أمام منطقه الحاسم
والعقاد كان فلته فى نقد العربية والخبرة بها إضافة إلى خبرة مماثلة فى الأدب الغربي .. حتى أنه المفكر الوحيد تقريبا الذى حسم نسبة بعض القصائد التراثية المختلف على نسبتها فى الشعر العربي
وهيكل بلغت عدد أبيات الشعر التى يحفظها ألفي بيت تقريبا من شتى صنوف الشعر قديمه وحديثه ولا توجد جلسة له لا يستشهد بها ببيت شعر عربي أصيل أو مقولة مأثورة كما حدث أثناء لقائه الشهير بالجامعة الأمريكية عام 2000 عندما دعوه ليلقي كلمته وكان مضطرا لإلقائها جالسا ..
فاستهل كلماته معتذرا عن عدم الوقوف أثناء الحديث بخفة ظل وتواضع قائلا ..
كنت أود الوقوف لكن الميكروفونات المثبتة فى سترتى منعتنى وان هذا الموقف يذكرنى ببيت شعر شهير يقول
قل لمن يبكى على طللٍ درس ×× واقفا .. ما ضر لو كان جلس
وهو بيت شعر شهير لأبي نواس الحسن بن هانئ الشاعر الفحل من قصيدته التى رواها لنا صاحب العقد الفريد وكانت تعبر عن سخرية أبي نواس من الشعراء العرب القدامى الذين كانوا يصرون على البكاء وقوفا بأطلال الأحبة فى مستهل قصائدهم

وقد كان الإمام رحمه الله بعيدا بنفسه نائيا عن توافه الأمور والقضايا .. وكانت عقليته الجبارة عبارة عن مقياس حساس لما يعرض له من مسائل يقيمها ويعطيها الوقت تبعا لقيمة كلٍ منها .. مع إدراكه الوثيق لمدى الجدل والمراء الذى تكاثر فى قضايا خلافية حسمت ونوقشت دهرا
ولم تقتصر تلك المزية على الإمام وحده .. بل نجح بعقلية الأستاذ المعلم فى بثها لمختلف تلامذته وما أكثرهم بمصر والعالمين العربي الاسلامى
أولئك الذين جلسوا إليه فى مستهل خواطره وهو يقول قولته الشهيرة .. " وقفنا فى اللقاء السابق عند قول الحق سبحانه ... "
ويختتم أيضا بمقولته الشهيرة " والى لقاء آخر إن شاء الله "
فامتدت بهم الجلسة إلى نهاية التسعينيات حيث وافته المنية غير مقصر ..
ترى الواحد من تلامذته وهو من عامة الناس ذو عقلية موزونة ومتوازنة إزاء قضايا مجتمعه ينأى بنفسه عن كل مراء جريا على دروس شيخه .. وان كان الله مريدا بتلك الأمة خيرا فنأمل أن يكون تلامذة الشيخ قد نقلوا تلك الخصال إلى بنيهم عبر التواصل المأمول بين الأجيال
ولذا كانت ردود الإمام فى القضايا الخلافية حاسمة ومختصرة حسب عمق القضية وغالبا ما كانت تلك القضايا التى تشغل المجتمع تافهة المضمون وتزيت بزى العمق .. مثال ذلك قضية المساواة بين الرجل والمرأة .. سؤل عنها الشيخ فأطلق زفرة حارة تعبر عن سأمه وقال ..
" أريد أن أفهم .. أين هى القضية فى هذا الأمر إذا كان السؤال نفسه خاطئ فى الأساس .. فالسؤال على تلك الشاكلة يجعل من الرجل والمرأة كائنين متناقضين بينما هما متكاملان .. والمقارنة بينهما كالمقارنة بين نعمتى البصر والسمع .. فكلاهما تسد الحاجة فى مكانها فلا محل للمقارنة .. والمساواة قضية مقارنة بين متماثلين وهو ما لا يتوافر بالرجل والمرأة "
والمتأمل الحيادى لإجابة الشيخ يجد فكرا بمعنى حروفه .. يفتت القضية ويعيد تكوينها ثم يردها للسائل بإجابتها ..
أيضا فى مسألة الزى الاسلامى وما انتشر على يد الأفكار المسممة لمختلف الجماعات المذهبية .. من أن الإسلام له زى معين فترى هؤلاء وقد قصروا البنطال على نحو قبيح أو أضافوا الجلباب للبنطال وحرموا ما سواه .. وغير ذلك من مشاهد التنطع الغريبة ..
كان رد الشيخ حاسما .. حيث قال ..
" لا يوجد للإسلام زى محدد .. والأصل بالزى حكما هو مداراة العورة وما تعداه زينه ولم يحرمها الله شريطة ألا تكشف حراما "
بجملة واحدة حوى حكما نافذا قاطعا .. ولكن أين هى القلوب والأبصار ؟!!
وما أكثرها القضايا التافهة التى أخذت موقع الصدارة بين الناس فألهتهم عن حقائق دينهم ودنياهم .. والتى أشك أن مفتعلة الإثارة لكثرة ما نصادفها بحياتنا اليومية .. مثال ذلك الجدل الدائر حتى وقتنا هذا حول حكم الغناء وحكم دخول المنزل بالقدم اليسري و.. و ..
ومنذ فترة خصص أحد البرامج التليفزيونية الحوارية وقت البرنامج لعدة حلقات فى مناقشة علاقة الفراش بين الزوجين ولماذا فقدت رونقها ..؟!
وتلك قضية لا يجوز من الأساس أن تكون محورا لنقاش كما حسمها الإمام الشعراوى بقوله أن العلاقة لا تتطلب وصاية ولا تعليما وفتحها للنقاش يسئ إليها ولا يضيف لأن تأسيسها كعلم وقواعد يقتل الفطرة التى يجب أن تحكمها .. وان كان آباؤنا وأجدادنا أقاموا تلك العلاقة بالرغم من بساطة حياتهم والحياء النقي الذى حكم تربيتهم فهل الأجيال الحالية عاجزة عن استيعاب ما فعله آباؤهم وهم بهذا العصر المتقدم .. فضلا على أن تلك العلاقة يجيدها الحيوان الأبكم بفطرته .. فما بالنا بالإنسان ؟!
وقد أشار الإمام إلى نقطة هامة بتلك القضية عندما قال إن العلاقة الجنسية بين زوجين لم تقنن لتصبح الزوجة مطالبة باتخاذ السبل لإثارة زوجها .. بل كان الزواج إشباعا من حلال لغريزة تثور فى أوقاتها وليس مطلوبا أو كائنا أن تثار بوسائل صناعية للمتعة الحسية فهذا قتل لرسالة الزواج ومساواة بين كرامة العلاقة الشرعية وبين ابتذال بيوت الهوى
وكان من نتاج هذا الإسفاف والابتذال أن خرج من الأجيال أحد الشباب فى قلب رمضان توجه إلى الدكتورة عبلة الكحلاوى أستاذة العقيدة بكلية البنات ليسألها هل يجوز له وهو يشجع النادى الأهلى أن يطلق زوجته التى تشجع نادى الزمالك ؟!
وآخر توجه إلى الدكتور عطية صقر ببرنامجه الشهير فتاوى وأحكام ليسأله هل يجوز له أن يقبل خطيبته فى نهار رمضان؟!

كارثة ولَدها التسطيح للقضايا العقائدية والاجتماعية ألهت الفرد عن التواصل مع عقيدته ومن ثـَم مجتمعه .. وهى ذاتها التى أدت بأحد الكتاب فاقدى البصر والبصيرة لإخراج كتاب كامل أطلق عليه اسما لافتا " لا .. يا شيخ شعراوى " ..!
وبالطبع لفت الكتاب نظر الكثير من تلامذة الشيخ الذين خفوا لشرائه ومحاولة إدراك الكارثة التى وقع بها الشيخ حتى تدفع الكاتب لهذا الاعتراض العنيف .. وبتقليب صفحات الكتاب نكتشف أن الكاتب أقام الدنيا وأقعدها ضد الإمام الذى تسبب فى كارثة فنية لمصر وريادتها بسبب دعمه للفنانات المعتزلات !!
وتلك القضية ذاتها هى التى كانت بمثابة الأرض الخصبة لعدد من الصحف والمجلات لردح طويل من الزمن .. وإذا تأمل المرء فيما يكتبون يجد عجبا .. ويزداد العجب بمطالعه مدى الجرأة فى طرح القضية وبدوا كأنهم يتحدون أن يعلن بحرمة الفن كما يسمونه ..
مع أن القضية فى مجملها بالغه البساطة ..فأين العقل والمنطق الذى يقول باباحه الابتذال تحت مسمى الأعمال الفنية فى مجاهرة علنية بالتسيب .. وأين ما يستند إليه المدافعون بكل حمية عن تلك الأفعال .؟
فالأعمال الفنية ـ بكلمة واحدة ـ ليست حراما فى ذاتها .. بل ما يتجاوز منها حد العقيدة هو الحرام وغيره مباح .. فأين القضية فى الأصل؟!
إن المشاهد المتجاوزة التى تحفل بها بعض الأعمال ليس هناك من دليل على حرمتها من المجتمع قبل أن تكون من العقيدة غير أنها لو حدثت فى طريق عام يُعاقب مرتكبها بإحالته للقضاء بتهمة الفعل الفاضح ..
فكيف يُلام من يفعلها فى طريق عام ولا يُعاقب من ينشرها على الملأ عبر وسائل الإعلام ؟!
ولا يمكننا إهمال سوء النية تجاه الإمام فى هذا الشأن مع محاولات التشهير والطعن .. وكلها وسائل أتت بخيبة أمل لأصحابها لافتقارها للحد الأدنى من الذكاء .. فحتى العداءات والافتراءات يلزم لها قليل من الحكمة حتى يمكن أن تثير الجدل المطلوب وتؤدى أغراضها ..
ولذا فان محاولات النيل من شيخنا الجليل أتت لتدل على تغييب عقول من حاولوا ذلك .. واستخفافهم بعقول الناس لتوجيه مثل تلك الاتهامات الطفولية والتى سكت الإمام عن أغلبها لأنه كان لا يغضب لنفسه إلا نادرا .. بعد أن رهن غضبه لعقيدته وعفا عما دون ذلك
ونذكر من أمثلة تلك الاتهامات البالغة الغرابة له ما جرى على ألسنة خصومه من أنه أضفي على الرئيس السادات صفة الألوهية فى واقعه شهيرة ودلل المتهمون لذلك بقول الإمام عن السادات " أنه لا يـُسأل عما يفعل "
وأصل الواقعة كانت فى إصدار الشيخ الشعراوى إبان توليه وزارة الأوقاف قرارا فى حدود اختصاصه الوزارى فقام رئيس الجمهورية وقتها أنور السادات بإلغاء القرار .. فسأل البعض عن كيفية سكوت الإمام عن هذا الإلغاء ؟
فاندهش الإمام للسؤال الغريب وقال كيف أعترض على قرار سيادى لرئيس الجمهورية وأنا وزير فى حكومته .. الرئيس مسئول وهو لا يسأل عما يفعل من قرارات ؟
وظنها البعض الفرصة المطلوبة للافتئات على الشيخ مستغلين ما ظنوه زلة لسان .. والغريب أن الاتهام جاء من أناس يفترض فيهم أنهم صحافيون وكـتـَاب مرموقين .. فكيف يغيب عنهم وهم أهل الحكم فى ذلك أن القرارات التى يتخذها رئيس الجمهورية تـُعد من قرارات السيادة وهى التى يعرَفها القانون الدستورى بأنها القرارات التى تتخذ لمصلحة الدولة وفقا لرؤي رئيس الجمهورية ومستشاريه ولا يكون مسئولا عنها أمام أحد إلا الهيئة النيابية المختصة .. ولا يوجد أى حق لأى وزير فى الإصرار على معرفة سبب لقرار أو إلغاء قرار سيادى إلا بإبداء الرأى وإلا انقلب الوزير رئيسا .. والإمام الشعراوى قـبـِل الاشتراك بالوزارة ومن ثم عليه التزام أى وزير فى التدرج الادارى دونما تمييز كما أن للوزير حق الاستقالة فى حالة عدم الاقتناع بقرار أقره أو ألغاه رئيس الدولة .. أو رئيس الحكومة
بالمثل .. الجندى فى ميدان القتال .. تصدر إليه الأوامر من قائده فيكون لزاما عليه تنفيذها حرفيا ولا يحق له حتى مجرد نقاشها لأن القائد له أسبابه التى لا يـُـتصور طرحها للنقاش حيال تنفيذها وإلا انتهى معنى القيادة من أساسه .. فمسئولية القائد تنبع فى الأصل من تحمله أثر قراراته وما يمكن أن ينتج عنها طبقا لموقعه

هذه واحدة ..
والثانية وهى الأهم افتقاد الاتهام لأى منطق ولو بسيط يخول لمن رمى به أن يرميه .. فكيف يمكن أن يقوم الإمام الشعراوى ـ وهو من هو ـ بإضافة الألوهية لبشري أيا كان وتحت أى ظرف .. بل اننى أتجاوز فأقول إن الإمام لو كان مخادعا أو مهادنا أو مدع .. لما خانه ذكاؤه ودفعه إلى مثل هذا الفعل المكشوف حتى لطفل صغير ..
ثم من قال إن عدم المساءلة يـُعد من صفات الألوهية .. فماذا إذا عن الطفل غير المدرك .. وماذا عن المجنون .. وماذا عن النائم ؟!
هل تـُسأل تلك الفئات عن أفعالها يا ترى .. ؟!

وأيضا من أمثلة الجدل حول الإمام تلك الواقعة التى حدثت فى منتصف التسعينيات اثر صدور كتاب الأستاذ محمد أبو العينين عن الإمام الشعراوى وهو الكتاب الذى احتوى تفاصيل لقائه بالإمام وكان عنوانه .. " الشعراوى .. أنا من سلالة آل البيت "
وبالقطع كان العنوان الذى يحوى عبارة " أنا من سلالة آل البيت " لافتا للنظر .. وبتقليب صفحات الكتاب سنجد أنه كان حوارا مثمرا وبديعا مع الشيخ الإمام وعلى عكس ما كان متوقعا أنه حوار شخصي من صحفي موهوب مع إمام مجدد .. لم يحتو الكتاب على تفاصيل شخصية عن الإمام الشعراوى إلا فى الصفحات الأولى من الكتاب والتى صرح فيها الشيخ للمرة الأولى أنه ينتمى إلى أصول يرجع نسبها إلى المصطفي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم ..
وبعد ذلك انهمك الكاتب فى نقل رواية الشيخ لأحداث موقعه كربلاء وصاغها على نحو محكم يستدر الدمع من عين القارئ المنصف وهو يسترجع تلك الفاجعة التى راح ضحيتها سيد شباب أهل الجنة وعيون أحبابه وأصحابه لا سيما وأن الكاتب اقتبس تأثره من تأثر الشيخ فى روايته ..
إلى هنا والأمر طبيعى وليس به ما يلفت النظر ..
غير أنه بمجرد صدور الكتاب قامت ما يشبه الزوبعة استنكارا لسطر واحد بالكتاب وتركوا ما سواه .. وهو السطر الذى يعلن فيه الشيخ أنه من أهل البيت الأشراف .. ولم يبين المتسائلون ما هو وجه الغرابة بهذا الشأن فهناك نقابة كاملة للأشراف بها أعضاء يثبتون نسبهم إلى أهل البيت الكريم فى طول مصر وعرضها دون أن يلفت هذا نظر أحد ..
وفى إحدى الحوارات الصحفية مع أحد مشاهير الشيوخ بمصر ممن شغلوا مقعد الفتوى فى تلك الفترة .. وأثناء الحوار سأله الصحفي إن كان قرأ ما يتردد من نسبة الشيخ الشعراوى نفسه لأهل البيت .. فإذا بالشيخ الفاضل يعقب قائلا ..
" نعم قرأت هذا الكتاب ولكننى لا أظن أن الشيخ الشعراوى يصرح بهذا الأمر وأظنه أنكره فى حوار صحفي تالي لهذا الكتاب !!"
والسؤال هنا ما هو الفعل الخاطئ فى تصريح الشيخ الشعراوى حتى تقوم الزوبعة المصطنعة حول تلك النسبة ..
وان كان فى الأمر شيئ فلم لم يتوجه أحد باللوم إلى الدكتور أحمد عمر هاشم الذى شغل مقعد رئيس جامعه الأزهر فترة طويلة من الزمن كما أنه شغل مقعد نقيب الأشراف وعضوية مجلس الشعب بالتعيين وله عشرات الأحاديث التى يذكر فيها فضل الله عليه واعتزازه بنسبته إلى أهل البيت
وبمثل هذا كانت معظم الجدليات الدائرة حول الشيخ الإمام من أقلام مصرية ومسئولة تجاه قيمة وقمة فقهية وفكرية ملأت الدنيا شرقا وغربا بعبق غاب عنا منذ عهد أولى الكلمة والرأى العظام ..

فكر الإمام فى الآداب وفنونها ..


للإمام محمد متولى الشعراوى باع طويل مع العربية شعرا ونثرا .. ورؤاه فيها دون شك محل اهتمام واستيعاب أولى الأمر المهتمين والقائمين على فنونها .. إضافة إلى إحاطته علما بتراث العربية إحاطة الفلاسفة لا إحاطة العلماء فقط .. فقد حفظ من أبيات الشعر وكلام الأولين ما تستعصي عليه ذاكرة الحفاظ ولم يكن يحفظ فقط .. بل كان يحفظ من تأمله وفلسفته حول ما وعى من تراث الأدب العربي
ولذلك رأينا إجلاله لشوقي أمير الشعراء إجلالا عظيما لما كان من شوقي فى تاريخه المشرف وأدبه اللافت ونبوغه المتفرد حتى أنه لم يعارض عظيما من عظماء الأمس إلا كان كفؤا له .. وكان بحق واحدا من معشوقي اللغة العربية التى أحبته فباحت له بمكنونات أسرارها
ومن دلائل إجلال الإمام لأحمد شوقي ما قاله عنه فى إحدى حلقات خواطره حول القرءان حيث روى بيتى الشعر الشهيرين
أرسلت بالتوراة موسي هاديا ×× وابن البتول .. فعلـم الانجيلا
وفجرت ينبوع البيان محمدا ×× فسقي الحديث .. وناول التنزيلا

حيث شرح الشيخ البيت الثانى ومدى إبداع شوقي به حين استخدم لفظ السقاية للحديث فى إشارة إلى أن الأحاديث النبوية بالمعنى من عند الخالق سبحانه واللفظ من عند الرسول عليه الصلاة والسلام .. بينما استدم لفظ المناولة مع القرءان الكريم لكون القرءان لفظا ومعنا من عند الله تعالى .. وهو بالتأكيد استخدام لا يقوي عليه إلا من كان بملكة العملاق شوقي
وعقب الشيخ بعد شرحه للبيت قائلا فى إعجاب " هذا هو شوقي .. هذا هو شوقي "
ومن أقوى أفكاره حول الأزمة المعاصرة فى الأدب العربي أجاب الإمام فى هذا الشأن ردا على سؤال المذيع اللامع طارق حبيب فى البرنامج الرائع " من الألف إلى الياء " قائلا
" نعم نعانى من أزمة فى العبقريات الأدبية دون شك بالعصر الحالى .. ومن الغريب أن المتأمل فى العصر الذى تلا العصر المملوكى والعثمانى يشاهد أننا عاصرنا صحوة غير تقليديه فى الأدب العربي من أمثال شوقي وحافظ والبارودى والرافعى والمنفلوطى .. بالرغم من أن هؤلاء الأساطين تربوا على خميرة ضعف إلا أن النهضة بدأت بمعول البارودى وانطلقت بعد ذلك وكان مقدرا لها أن تستمر
غير أنها تراجعت على غير المتوقع .. ويرجع هذا فى الأساس لسببين هامين ..
الأول
وهو نظرية الانبهار .. وهو أن الانبهار الحادث بتلك الشخصيات العملاقة صنع أشبه ما يمكن أن نقول عنه ستارا عن طموح إدراك تلك المواهب .. فعندما ينبهر الناس بشخصية معينة انبهارا يزيد عن الحد يكون هذا الانبهار دافعا على اليأس من محاولة إدراكهم لإيمان المنبهرين بأن من انبهروا بهم فلتات غير قابلة للتكرار
والسبب الثانى
ـ وهو الأهم ـ خنق العبقريات والمواهب والتى أدت إلى ما يشبه الكساح فى كل ألوان مواهب الإبداع .. وحدث هذا بمجئ الأمور التى جدت من حيث الكلمة المحاسب عليها والحظر المفروض والكبت وما عداه من أساليب التسلط .. فتلك الأشياء من أقوى المؤثرات السلبية التى تقف عائقا أمام صعود أصحاب الكلمة لأن العبقرية ترى نفسها حرة ومنطلقة تأبي التحكم وتنفر من التضييق فان تم خنقها فى مجال واحد ابتعدت بطبيعتها عن بقية المجالات وانزوت حتى الموت .."
ويضيف الشيخ فى أسباب الضعف افتقادا الأجيال للتواصل الفكرى مع التاريخ البالغ الثراء فى الأدب العربي وفنونه التى بلغت ذروة لم تبلغها فنون الغرب التى انبهر بها الشباب ..
وضرب الشيخ مثالا بتجربته مع الأدب الغربي المترجم وكيف أنه أدب يتصف بالجدية وبلغ مستوى جميلا من الإجادة لكنه كأدب وفكر لم يرق مطلقا إلى معشار ما ارتقت إليه الفنون والآداب العربية ودلل على ذلك بالمناقشة التى جمعت بينه وبين أحد زملائه من مجيدى الانجليزية وهو الشيخ رياض الخطيب وكيف أن هذا الأخير روى له عن أدب عملاق بريطانيا " ويليام شكسبير " وكيف أنه طلب إلى الشيخ رياض أن يعقدا سويا مقارنة بين موروث شكسبير وموروث نظرائه من فحول العرب فكان الشيخ رياض الخطيب يقول ما قاله شكسبير ثم يأتى الإمام الشعراوى بما يقابله من الأدب العربي ويقارنا المستوى التعبيري والبلاغى وبالطبع كانت المقابلة محسومة
ويخلص الإمام الشعراوى إلى أن جهلنا بآدابنا هو سبب انبهارنا بأعلام الغرب ..
فكر الإمام فى القراءة والكتابة ..
فى نفس اللقاء الحافل من برنامج " من الألف إلى الياء " سأل طارق حبيب عن فلسفة الإمام ورؤاه بالنسبة للمقروء والمكتوب فى حاضرنا فاعتدل الإمام مجيبا ..
" لي فى الكتب وجهة نظر عبر عنها الشاعر أحمد الزين فى قصيدته التى رثا فيها حافظ بيك إبراهيم بدار الأوبرا والتى يقول مطلعها
أفي كل عام .. وقفةٌ فى اثـر ذاهبِ ×× وصوغ دم أرثي به حق صاحبِ
أودع صحبي واحدا بــعد واحدٍ ×× فأفقد قلبي .. جانبا بعد جانبِ

قال فى شأن الكتب والمكتبات
فيا ضيعة الأوراق فى غير طائلٍ ×× ويا طول ما حملت رفوف المكاتبِ
فأزمتنا الحالية للأسف أزمة كثرة المكتوب بغير طائل يذكر مع التكرار والنقل وغيرها .. فإذا تأملت المكتوبات وجدتها مسوخا من الأحرف نتيجة لأن كل شخص أحب أن يكون كاتبا أو مؤلفا بغير موهبة حقيقية .. وقد حاولت أن أقرأ فما وجدت إلا الغث عدا ما ندر ولذا يعد العمر الاطلاع الحقيقي لي قد انتهى بعام 1940 م .. وما تلا ذلك فما يرشحه لي غيري من ثمار ما يقرأ المتخصصون تجنبا منى للغث
أما ما يستميلنى فعلا فهو الاطلاع الدائم على قصص التجارب المعملية وما تنتهى إليه من إثبات قدرة الله فى كونه
أما بالنسبة للكتابة فأنا لا أركن للكتابة غالبا وسبب ذلك أن الكتابة بالنسبة لي مهمة شاقة لأنى حين أكتب لا أعترف بمجرد النزوع للكتابة لأن القلم لهم هيبته ومكانته ومن ثم تكون الكتابة شاقة علىَ .. ولذا يكتب عنى غيري غالبا فيما أقوله سماعيا .. وأيضا أننى حين أكتب سأكتب لمن يقرأ .. بينما حين أتكلم سيكون الخطاب للجميع من يقرأ ومن لا يقرأ "
وفى واقع الأمر أن الإمام كان على حق فيما ذهب إليه من التشاؤم بشأن المقروء هذه الأيام بعد أن امتلأت المكتبات بالغث وطردت السمين وأصبحت دور النشر الجادة فى حالة من الضغط والإفلاس لا سيما المختصة بالتراث منها بعد ضعف الإقبال عليها .. وفى نفس الوقت فان شباب القراء والمثقفين يعانون الويلات فى سبيل الحصول على مرجع نظرا لغلو ثمنه وتكلفة طباعته على إمكانياتهم ..
وان المرء لينظر بعين الحسرة إلى تجربتين رائدتين فى طباعه الكتب وأمهات المراجع التراثية وهما تجربتى سلسلة الذخائر وسلسلة مكتبة الأسرة والتى ترعاهما الدولة .. نظرا لأن التسيب والاستهتار طالهما لغرابة الأمر فبدا هذا العصر ضانا على المثقفين بأى لمحة ضوء رغم عدم اهتمام الناس بالثقافة والمثقفين الذين دفنهم الإهمال ومع ذلك لم يكتفوا بهذا بل بادروا لتمزيق أى منبع لهم أو تركهم لحالهم
فسلسلة الذخائر والتى تختص بطباعه التراث من أمهات الكتب أدبا وفكرا وتاريخا .. تجدها غير منتظمة الصدور فى موعدها المعروف فتارة تصدر عدة كتب فى وقت واحد وتارة أخرى تمتنع عن الصدور لأشهر طويلة .. مع أنها تمثل نافذة المثقفين الكبري لمطالعه التراث فى كتب جيدة الطباعة رخيصة الثمن .. هذا بخلاف عدم توافر نسخ الإصدارات بالقدر الكافي الأمر الذى تسبب فى اضطرارنا لشرائها من باعه الكتب بسور الأزبكية والسيدة زينب وشبرا والعديد من أحياء القاهرة والمحافظات بأسعار السوق السوداء نظرا لندرتها .. وبالطبع بأضعاف الثمن المضروب للكتاب ومنها على سبيل المثال طبعه ألف ليلة وليلة الكاملة ـ العقد الفريد لبن عبد ربه ـ أساس البلاغة ـ ديوان المتنبي وأبو تمام ـ بدائع الزهور فى وقائع الدهور لبن إياس ـ وهناك أحد الباعة بسور السيدة زينب " رضي الله عنها " تمكن من جمع سلسلة الذخائر من أول كتاب إلى آخر كتاب ليعرضها للبيع بثلاثة آلاف جنيه دفعه واحدة ..
وغير ذلك كثير من عيون التراث التى كان من المستغرب على القائمين عليها النهوض لإحيائها ثم لم يكلفوا أنفسهم رعايتها بالشكل الذى يغطى احتياجات أهل القراءة الذين دعتهم حاجتهم إلى استشراق تلك الطبعات فى عصر فقر أهل العلم قبل أن يكون عصر فقر العلم !!
أما المشروع الضخم وهو مشروع مكتبة الأسرة التى تطبع مختلف الكتب فى شتى المجالات بأسعار زهيدة .. فتلك كارثتها أكبر على ناحيتين الأولى فى معيار المجاملة الذى حكم القائمين عليها لإعادة طبع كتب تافهة المعنى والمضمون ولا تهم القارئ الجاد وتلك العينة التى تجدها متوافرة وبكثرة كاثرة فى أى معرض لهيئة الكتاب
والثانى كان فى خضوعها لنفس الداء الذى أصاب الذخائر وهو قلة النسخ المتاحة من أمهات الكتب الفكرية والتراثية وخضوعها لنظرية السوق السوداء على نحو يثير العجب فهناك العديد من مطبوعات كتب التراث لا يمكن لأى قارئ شراءها بسهولة من أى معرض حتى لو كان فى الهيئة ذاتها ولسنا ندرى أين تذهب تلك النسخ .. مثال ذلك طبعه كتاب الطبقات الكبري لمحمد بن سعد الواقدى والذى طبعته مكتبة الأسرة فى إحدى عشر جزء بسعر أربعه جنيهات فقط للجزء بينما ثمن الكتاب الأصلي بدار الخانجى للتراث يتجاوز أربعمائة جنيه .. وهو على تلك الشاكلة يمثل فرصة حقيقية لاقتنائه بأقل من عشر ثمنه .. لكن وللأسف الشديد ما حدث كان العكس تماما فهو غير موجود فى مكتبات الهيئة الرسمية ومتوافر فقط عند الباعة المختصين بأسوار الكتب المختلفة حيث تباع نسخته بأضعاف ثمنها
نفس القصة مع كتاب الحيوان للجاحظ وكتاب التاريخ الأندلسي " دولة الإسلام فى الأندلس " للمؤرخ العلامة محمد عبد الله عنان وتاريخ الجبرتى لعبد الرحمن الجبرتى ..
ومع البحث والتقصي كانت الصدمة فاعلة بتجربة شخصية لي بسور الأزبكية عندما تصادف أن أحد الباعة بهذا السور كان موظفا قياديا بدرجة مدير إدارة بهيئة الكتاب ولخبرته قام بممارسة بيع الكتب بعد خروجه من وظيفته بسن المعاش .. ولأن الرجل متخصص فى مجاله فقد بادرت بسؤاله عن سر انعدام نسخ المطبوعات الهامة لمكتبة الأسرة وندرتها بمعارض الهيئة على النحو الذى يجبرنا على شرائها من الخارج بأضعاف ثمنها ..
ففوجئت بالرجل يطرح أمامى تفسيرا ـ لو صدق ـ لكانت كارثة محققة .. ومؤداه أن بعض القائمين على مشروع مكتبة الأسرة يطرحون نسخ تلك الكتب لمن يعرفونهم من باعه الأسوار ويحجبونها عما سواهم فى صفقة منفعة متبادلة على حساب مصلحة القارئ الذى يضطر إلى شرائها من الخارج وفق الأسعار الجديدة !!
وهو الأمر الذى ذكرنى بما يحدث فى أيام الأعياد والمواسم عندما يخف المغتربون بالقاهرة إلى السفر لقراهم ومدنهم الأصلية فتكون الحاجة ماسة إلى حجز مسبق وتنعدم التذاكر بمنافذها الرسمية وتتوافر فقط عند موظفي الفنادق المحيطة بمحطات القطارات فمن أراد الحجز والحصول على إحدى التذاكر عليه ابتياعها من الفنادق بزيادة تعادل ثلث ثمنها الأصلي !!
والأمر على ذا النحو كفيل بقتل أى أمل لدى سائر المثقفين الذين يعجزون عن مجرد ضمان استمرارهم فى المطالعة رغم رخص ثمن المطبوعات والمشاريع التى تشرف عليها الدولة اسما وتتركها للنهب والاستغلال إثما .. ولا عزاء للفكر وأهله !

وفى مثل هذا الجو الخانق من إهمال الثقافة أولا ثم التضييق عليها فيما بعد .. كان طبيعيا أن يتوجه منحنى الإجادة فى المكتوب إلى منحدر عميق .. فامتلأت جدران المكتبات بأغلفة زاهية ومضامين فارغة على النحو الذى عبر عنه الشيخ الإمام .. وهو الرجل القدير على الكتابة حيث عرف لها حقها رفض اللجوء إليها إلا فيما ندر طالما كان ليس باستطاعته أداء واجب التأليف بضوابطه التى لا يعرف عنها مؤلفو هذه الأيام شيئا .. وهو الأمر الذى انعكس على كلا مجال ..
فمحمد عبد الله عنان أنفق عمره تحضيرا وإجادة ليتمكن من إخراج موسوعة تاريخ الأندلس .. وهيكل يعكف بنفسه على مراجعه كتبه وتصحيح أخطائها المطبعية لفترة طويلة احتراما لقارئه خلافا لفترة الإعداد والكتابة التى قد تطول فى بعض الأحيان من عام لثلاثة أعوام .. والشعراوى أبي الكتابة إلا إذا كان مستعدا لها .. ومؤديا لضوابطها
وقديما كانت أم كلثوم تقضي شهرا على الأقل إعدادا وتدريبا ومراجعه مع فريق عملها قبل خروج القمر ليلة أول خميس فى كل شهر احتراما لمستمعيها الذين ينتظرون روائعها فى شبق وعاطفة ..
فأين نحن من هذا بعد أن صارت الفنون والأفكار خاضعة للنسق الأمريكى فى الوجبات سريعة التجهيز !!

المشهد الأخير

فى المسلسل التليفزيونى الشهير " إمام الدعاة " الذى قام ببطولته الفنان حسن يوسف وقام بتجسيد شخصية الإمام الراحل كان التناول الذى أخرج به المسلسل مشهد انتقال الإمام لرحمة الله عز وجل منافيا لما حدث بالفعل ..
حيث جاء المشهد مصورا الشيخ وهو يتمتم بالشهادة متطلعا إلى الفراغ أمامه قائلا " أشهد أن لا اله الله .. وأشهد أنك محمد رسول الله "
أما الواقعة الحقيقية فقد كانت خلاف ذلك حيث روى من حضر وفاة الإمام بأنه تمتم بعبارات ترحيب وتهليل لأئمة قدماء من أهل البيت رضوان الله عليهم جميعا ..
وفى تبرير هذا التغيير قال الفنان حسن يوسف
" اننى فضلت الكناية بمشهد رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام عن رواية الواقعة الحقيقية لأنها أمور غيبية ليس كل عقل قادر على استيعابها "
وواقع الأمر أن وفاة الإمام الراحل عام 1998 م .. كانت خاتمة خير لداعية خير على أحسن ما يفضل الله به عبده الصالح الذى نحسبه على خير ولا نزكى على الله تعالى من أحد وهو حسيبه ..
وكان مشهد النهاية كما رواه المقربون مشهدا يشرف من انتمى إلى الراحل نسبا أو فكرا حيث دلت كلمات الإمام على رؤياه لأهل البيت رضوان الله عليهم وهو بالنزع الأخير .. وأسلم الروح خاتما حياته بكلمات الشهادة لرب العزة والوحدانية له بعد أن حقق أمله الكبير فى إتمام خواطره عن القرءان وهو الأمر الذى كان الإمام يدعو به ليل نهار منذ أن نطق باسم الله تعالى بادئا رحلة التفسير ..
وقد ثار التساؤل فى مصر عقب وفاة الإمام الراحل عن الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القرءان والتى لم يسجلها التليفزيون المصري ولم تذع على الجمهور .. حتى اتضح أن الإمام قام بتفسيرها فى مرحلة سابقة ومسجلة لدى البعض من تلاميذ ورفاق الشيخ بالمملكة السعودية وهو الأمر الذى سر من كان يطمح لإتمام تلك الخواطر خاصة بعد أن سخر الله لنا من قام بطبعها وتوزيعها كاملة من أول الأجزاء لآخر الأجزاء بأسطوانات مضغوطة بمقابل متاح بالشكل الذى يكفل لعلم الإمام استمرارا وبقاءً فى المطبوع والمسموع
فرحمه الله من عالم عامل .. ومفكر متكامل .. ورجل أزاح الغمام عن عشرات الخصال التى تاهت بتعاقب الأجيال ..
فكان مثلا فى التواضع والإخبات .. ومثالا إنكار الذات ..

رد إلى الله فضل نعمته .. فأتم الله عليه فيض مثوبته .. ودعاؤنا له أن يجزيه عنا خير الجزاء بجنته ..
بعد أن منَ الله عليه بالخصال الثلاث التى تتيح للمرء عدم انقطاع عمله فى الدنيا بعد وفاته ..
علما يتواصل نفعه فى صدور شاكره .. وأولادا ما أكثرهم يسألون الله له المغفرة .. وعملا ما أطيبه وأطيب أثره فى الآخره

مصادر هذا الفصل


• " من الألف إلى الياء " ـ برنامج مسجل للمذيع طارق حبيب مع الإمام الشعراوى على أربع حلقات مطبوعة / إنتاج شركة " السبكى للإنتاج الفنى
• تفسير الشعراوى " مجلدات متواصلة الإصدار " ـ للإمام الشعراوى / دار أخبار اليوم
• " الشعراوى .. أنا من سلالة آل البيت " ـ محمد أبو العينين / دار أخبار اليوم
• سقوط نظام ـ محمد حسنين هيكل / دار الشروق للطبع والنشر
• عبقرية محمد ـ عباس محمود العقاد / دار المعارف للطبع والنشر
• مذكرات سعد زغلول ـ تحقيق د. عبد العظيم رمضان " ج 8 ـ ج 9 " / الهيئة المصرية العامة للكتاب
• أعداد مختلفة من المجلات والجرائد التالية " الأهرام ـ الأخبار ـ الفجر ـ صوت الأمة ـ روز اليوسف "






التوقيع

الإيميل الجديد
 
رد مع اقتباس