الفصل الثاني:
قضية التحريف والتزوير
إن المؤرخين والمفسرين المسلمين عدوا التوراة كتاباً سماوياً مقدساً, وفي الوقت نفسه كانت أمامهم آيات قرآنية منها فيه اتهام صريح بتحريف التوراة ومنها خلاف ذلك, مما أدى إلى وقوعهم في تناقضات وعدم الحسم التام.
فمنهم من لفق التوفيق بين التحريف والقداسة؛ بحيث لا يمس النص التوراتي. ومنهم من عدّ التحريف في المعنى, ومنهم من عده في الألفاظ, ومنهم من عده في التفسير والتأويل...
وهناك تحريف وتزوير يتعلق بجغرافية التوراة, وقضية كنعان وفلسطين.. إلا أن ذلك لم يخطر في بال الأقدمين لأنهم تبنوا رؤية التوراة بأن أرض كنعان وبلاد الشام آلت إلى الإسرائيليين..
***
مفهوم التحريف والتزوير عند القدماء:
سنستعرض مفهوم التحريف قديماً عند ثلاثة من المفكرين القدماء, الذين لهم ثقلهم في الفكر الإسلامي وهم: ابن خلدون وابن كثير وابن حزم. ثم نشرح المفهوم في القرآن الكريم.
ابن خلدون:
ينفي ابن خلدون التحريف الجوهري في التوراة ولا سيما النسب والقصص:
(وقد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى عليه السلام وإسرائيل وشعوب الأسباط، ونسب ما بينهم وبين آدم صلوات الله عليه. والنسب والقصص أمرٌ لا يدخله النَسْخُ، فلم يبق إلا تحرّي النُسخ الصحيحة والنقل المعتبر. وأمَّا ما يقال من أنّ علماءَهم بدَّلوا مواضع من التوراة، بحسب أغْراضهم في ديانتهم. فقد قال ابن عباس، على ما نقل عنه البخاري في صحيحه: أنّ ذلك بعيد، وقال معاذ الله أنّ تَعْمد أُمَّة من الأمَم إلى كتابها المُنْزَل على نبَيها فتبدله أو ما في معناه، قال وإنما بدَّلوه وحرفوه بالتأويل. ويشهد لذلك قوله تعالى: "وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ" "سورة المائدة 43", ولو بدّلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراةُ التي فيها حكم الله. وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم، فإنما المعني به التأويل، اللهم إلا أنّ يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط. وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة، لا سيما وملكهم قد ذهب، وجماعتهم انتشرت في الآفاق، واستوى الضابط منهم وغيرُ الضابط، والعالمُ والجاهل، ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذَهاب الملك، فتطرَّق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف، غير متعمد من علمائهم وأحبارهم. ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه) (1).
يستشهد ابن خلدون بابن عباس على أن التحريف هو في التأويل, أما الألفاظ فلم يمسها أي تحريف. وربما يقع بعض التغيير غير المتعمد نتيجة الغفلة وعدم الضبط!
***
ابن كثير:
ابن كثير يتظاهر بموقف متشدد, فهو يهاجم التوراة بشدة, ويتهم اليهود بالتحريف في المبنى والمعنى:
(وهذه التوراة التي يبدونها ويخفون منها كثيراً فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير, يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه. وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر وكان ينقل شيئاً عن أهل الكتاب فكان عمر رضي الله عنه يستحسن بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفاً لقلبه, فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده, وبالغ أيضاً هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوي مداده ومنها ما هو باطل لا محالة, ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذي بأيدينا. وقد قال البخاري وقال أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال إنه كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب, وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب يعني من غير قصد منه. وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال كيف يسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرأونه محضاً لم يشب, وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً, ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألته, لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم. وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله أعلم) (2).
نجد هنا رأياً لابن عباس يتناقض مع رأيه الذي أورده ابن خلدون. وورود روايتين متناقضتين منسوبتين لراوٍ واحد ظاهرة عادية في تراثنا القديم. وستمر معنا في الفصول القادمة نماذج عن ذلك, كما سنرى أيضاً أن بعض آراء ابن عباس كانت ترفض.
ولم يكتف ابن كثير بما ذكره, بل قال ما هو أكثر إن التوراة كلها منسوخة ويحرم أخذ شيء منها:
(قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولاً, ثم هو بعد ذلك كله منسوخ. والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلاً ولا كثيراً ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية) (3).
ويفرق بين التوراة بلسانها العبري وبين التوراة المعربة؛ فالتوراة المعربة فيها تحريف كثير في المبنى والمعنى, والتي بلسانهم لا يعرفها ولكنه يظن أنهم كذابون:
(وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح. وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جداً, فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم فلا اطلاع لنا عليه, والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه) (4).
ولكن على الرغم من كلام ابن كثير السابق الحاسم ظاهرياً, إلا أنه وجد مخرجاً لقبول الاستشهاد بالتوراة؛ فقد قسم الموقف منها إلى ثلاثة أقسام, والقسم الثالث بحسب تقسيمه يفتح له المجال واسعاً للأخذ من روايات كثيرة عن العهد القديم بما في ذلك الخرافات, وهو يعلل لنفسه القبول بذلك:
(وأما الأخبار الإسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جداً. ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع, وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعه زنادقتهم وضلالهم. وهي ثلاثة أقسام منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله, ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه كما ثبت في الصحيح إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم, وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (5).
وينتهي ابن كثير إلى نتيجة غير منطقية لمقدماته فهي لا تناسب تسلسل مناقشته حيث ينسف كل ما أظهره من تشدد تجاه التحريف؛ فالتوراة صحيحة كما يذكر:
(وهذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم أن التوراة انقطع تواترها في زمن بخت نصر ولم يبق من يحفظها إلا العزير "عزرا", ثم العزير إن كان نبياً فهو معصوم, والتواتر إلى المعصوم يكفي اللهم إلا أن يقال إنها لم تتواتر إليه, لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلهم كانوا متمسكين بالتوراة. فلو لم تكن صحيحة معمولاً بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصومون) (6).
ذاك الضباب في موقف ابن كثير ما بين القبول والرفض فتح له درباً للأخذ من التوراة, وكل شيء له مبرراته!
وذاك التناقض عند ابن كثير في موضوع التحريف, وكما في مدحه لكعب الأحبار ثم اتهامه بالكذب.. هو ظاهرة عامة مكررة عنده وعند غيره.
فالتناقض والتبرير سمتان من سمات المنهج في تراثنا القديم!
***
ابن حزم:
قاد ابن حزم - كما مر معنا - حملة عنيفة على الخرافات ورواتها.. وهو في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل", يدخل في مجادلات طويلة ينتقد فيها التوراة ويتهم اليهود بالكذب والتحريف:
(وأما التوراة فما وافقنا قط عليها لأننا نحن نقر بتوراة حق أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام وأصحابه, لأنه تعالى أخبرنا بذلك في كتابه الناطق على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق, ونقطع بأنها ليست هذه التي بأيديهم بنصها بل حرف كثير منهم وبدل وهم يقرون بهذه التي بأيديهم ولا يعرفون التي نؤمن نحن بها. وكذلك لا نصدق بشريعتهم التي هم عليها الآن بل نقطع بأنها محرفة مبدلة مكذوبة وهم لا يؤمنون بموسى الذي بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبرسالته وبأصحابه. فاعلموا أننا لم نوافقهم قط على التصديق بشيء من دينهم ولا مما هم عليه ولا مما بأيديهم من الكتاب ولا بالنبي الذي يذكرونه لما قد أوضحناه من فساد نقلهم ووضوح الكذب فيه وعموم الدواخل فيه) (7).
موقف ابن حزم هنا واضح تماماً: التوراة محرفة كلها!
ويؤكد أن التوراة كتلة من الأكاذيب:
(من الكذب الظاهر في الأخبار وفيما يخبر به عن الله تعالى ثم عن ملائكته ثم عن رسله عليهم السلام من المناقضات الظاهرة والفواحش المضافة إلى الأنبياء عليهم السلام. ولو لم يكن فيها إلا فصل واحد من الفصول التي ذكرنا لكان موجباً... لكونها موضوعة محرفة مبدلة مكذوبة فكيف وهي سبعة وخمسون فصلاً, من جملتها فصول يجمع الفصل الواحد منها سبع كذبات أو مناقضات فأقل, سوى ثمانية عشر فصلاً يتكاذب فيها نص توراة اليهود مع نص تلك الأخبار بأعيانها عند النصارى والكذب لائح ولا بد في إحدى الحكايتين, فما ظنكم بمثل هذا العدد من الكذب والمناقضة في مقدار توراتهم...) (8).
وذاك الكلام الواضح الذي لا لبس فيه, يلحقه ابن حزم بكلام يخلق رؤية ضبابية, فهو يصل إلى نتيجة غريبة عن السياق؛ فالتوراة محرفة, ولكن الله يتدخل فلم يدع اليهود يحرفون كل شيء ليكون حجة عليهم:
(إن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا, وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء) (9).
فهل يقصد ابن حزم أن ما بقي ليكون حجة هو فقط ما يتقاطع مع القرآن والأحاديث الصحيحة, أو أنه أبقى الباب مفتوحاً مواربة, للقبول المقنن لما لا يتقاطع مع النصوص الإسلامية؟!
إذاً ما قاله ابن حزم لا يعني الرفض المطلق؛ فهو وإن انتقد نصوصاً توراتية كثيرة (10) لكن نقده كان للجزئيات, ولم يمس الإطار العام للتوراة!
فهو مثلاً يقبل بالوعد وبالمملكة المزيفة حيث لا يرى فيهما تحريفاً, ولكنه يسفه امتداد المملكة المذكور في الأسفار من النيل إلى الفرات, وبالتالي هو بنظره محرف:
(وبعد ذلك ذكر أن الله تعالى قال لإبراهيم "لنسلك أعطى هذا البلد من نهر مصر النهر الكبير إلى نهر الفرات", وهذا كذب وشهرة من الشهر لأنه إن كان عنى بني إسرائيل وهكذا يزعمون, فما ملكوا قط من نهر مصر ولا على نحو عشرة أيام منه شبراً مما فوقه. وذلك من موقع النيل إلى قرب بيت المقدس, وفي هذه المسافة الصحارى المشهورة الممتدة والحضار ثم دفج وغزة وعسقلان وجبال الشراة التي لم تزل تحاربهم طول مدة دولتهم وتذيقهم الأمرين إلى انقضاء دولتهم, ولا ملكوا قط من الفرات ولا على عشرة أيام منه. بل بين آخر حوز بني إسرائيل إلى أقرب مكان من الفرات إليهم نحو تسعين فرسخاً فيها قنسرين وحمص التي لم يقربوا منها قط ثم دمشق وصور وصيدا التي لم يزل أهلها يحاربونهم ويسومونهم الخسف طول مدة دولتهم بإقرارهم ونصوص كتبهم....) (11).
كما أنه قبل رواية التوراة حول خروج بني إسرائيل من مصر مع موسى, ولكنه استنكر عددهم الذي ذكرته التوراة, بالاستناد إلى الآية القرآنية على لسان فرعون بأنهم شرذمة قليلون. واستنكر أيضاً أعداد بني إسرائيل عندما تم إحصاؤهم في عهد داود... (12).
***