قصة الخلاف العراقي الكويتي الحلقة رقم (2)
وفي ليل أول أيام الغزو، نزل العراقيون ونهبوا تلك الخزانة، كما نهبوا سوق الذهب ومكاتب الصرافة... وتقع جميعها في "المباركية"... ونهبوا أيضاً وكالات السيارات وقطع الغيار ومخازن السلع الغذائية في "الشويخ" و"الري"... بالإضافة الى مخزون الألبان لدى شركة الألبان الكويتية، ومخزون القمح والدقيق لدى شركة المطاحن الكويتية... وتم نقل ذلك كله بشكل منظم بوساطة الشاحنات الى بغداد.
وكما أخطأت بغداد في تقدير المعارضة الكويتية... كان خطؤها الثاني في تقدير الموقف الدولي، الذي فوجئت به أول أيام الغزو.
فقد أجمع العالم على إدانة الغزو العراقي للكويت، ودعت واشنطن وموسكو ومجلس الأمن الى انسحاب فوري وغير مشروط للقوات العراقية وأعلن تجميد الودائع الكويتية والعراقية في الولايات المتحدة الأميركية والودائع الكويتية في بريطانيا، فيما تحركت قطع بحرية أميركية في مياه الخليج.
* * *
في اليوم الثاني لغزو الكويت، عشنا حالة "اللادولة". فالحكومة الكويتية لحقت بالأمير في "حفر الباطن" بالمملكة السعودية ... والسلطات العراقية مشغولة بتعزيز قواتها على الحدود السعودية والخليج.
والحكومة الحرة المؤقتة "المزعومة" لم تكن موجودة الا على أوراق المتحدثين في إذاعة وتليفزيون بغداد وفي أفواههم، وحين غاب القانون العام، أصبح لكل قانونه الخاص... حالة أشبه بحالة ما قبل المجتمع الإنساني... الغالبية مذهولة وخائفة والأقلية تصفى حساباتها بدءا من تجاوز إشارات المرور الى النهب الى الإغتصاب.
من عزت عليه امرأة أصابها، ومن ابتغى مالاً ناله، ومن راقته سيارة حازها... اذا واتته القدرة والجرأة على الفعل ... والغلبة لمن بيده السلاح.
ووسط تلك الحالة "المرعبة" وصلت "جريدة الأنباء" ... وكان عمود النار والدخان ما زال يتصاعد من وزارة الدفاع التي ظلت ساحتها مغطاة بالجثث.
وحين وصلت، علمت بأوامر الجيش العراق.. بإخلاء مقر جريدة "القبس" لإصدار جريدة تكون لسان حال "المرحلة" تحت اسم "النداء"!
وكان أعظم مشاهد ذلك اليوم، قيام كويتيين ومصريين وفلسطينيين، بتكفين جثمان الشيخ فهد الأحمد الصباح، وتأدية الصلاة على روحه في أحد مساجد منطقة "حولي"، وحمله الى مثواه الأخير.
مشهد عبرت فيه الوجوه عن وفاء عظيم للراحل وعن إدانة صامتة للغزو في آن معاً.
وفي المساء، أعلن تليفزيون الحكومة الحرة المؤقتة، بياناً دعا فيه الكويتيين والمقيمين والأجانب لمواصلة أعمالهم بدءاً من صباح اليوم التالي (السبت)، مهدداً من يمتنع بالفصل ومصادرة مكافأة مدة خدمته وأمواله المنقولة.
كما أعلن أن البنوك، ستباشر أعمالها أيضاً. وكان معنى البيان، تأكيد عودة الحياة الطبيعية الى الكويت.
وفي يوم السبت الرابع من أغسطس، كانت الصورة مختلطة. فلم تنجح التهديدات المنسوبة للحكومة المؤقتة في إعادة الحياة الطبيعية حيث لم يستجب الكويتيون ومعظم المقيمين لنداء العودة الى العمل... وتوجه الناس الى البنوك لصرف بعض أموالهم، فوجدوا أبوابها مغلقة.
وعند الظهر، اقتصر بث الإذاعة الكويتية على نداء بصوت يختنق لحد البكاء.. "أيها العرب.. أهل الكويت تستباح أعراضهم ودماؤهم فهبوا يا عرب لنجدتنا.. أيها المواطنون يا أبناء الكويت... هذا يومكم فلبوا النداء"... ثم انقطع الإرسال تماماً.
وفي الوقت نفسه، كان تليفزيون الحكومة المؤقتة، يكرر إذاعة بيان للعراق يعلن فيه أنه سيبدأ سحب قواته في اليوم التالي.. وأثار استغرابنا أن مذيعي التليفزيون العراقي أنفسهم هم الذين يقومون بإذاعة مواد تليفزيون الحكومة المؤقتة، بعد إلباسهم القطرة "غطاء الرأس" والبشت "العباءة" على الطريقة الكويتية... وكانت عملية مفضوحة لكل ذي عينين، اذ أن الإرسال العراقي قبل الغزو ـ وبعده ـ كان يصل واضحاً جداً الى الكويت... والمشاهدون يعرفون المذيعين العراقيين بدرجة معرفتهم للمذيعين الكويتيين ... وكان الاستنتاج، أن بغداد قد فشلت في الاستعانة بمذيع كويتي واحد.
وفي اليوم التالي (الأحد 5 أغسطس)، تكشفت عملية أخرى من عمليات الخداع العراقي... اذ أن القوات التي انسحبت (فعلاً) هي قوات "الحرس الجمهوري" التي أمكن تمييزها بالمثلث الأمر المفرغ على ألبسة الجنود والآليات.
وهي القوات التي تعتبر رأس الحربة للرئيس العراقي وتأتمر بأمره وأحرزت نجاحات كبيرة وعديدة في الحرب مع إيران.
وجرى استبدال قوات الحرس الجمهوري المنسحبة، بفرق من الجيش العراقي وما سمي "الجيش الشعبي" حولت الاحتلال الى عملية همجية.
وأصابت الناس بذعر جماعي. وكل من عاش أحداث غزو الكويت يعلم جيدا الفارق بين الجيشين.
فحين دخلت قوات الحرس الجمهوري، كانت متبوعة بالإمداد اللازم من المياه والأغذية ومستلزمات الإعاشة، وكانت لديها أوامر واضحة بعدم التعرض للمدنيين ... وكانت عملية النهب التي قامت بها منظمة ولأهداف محددة...
أما قوات الجيش التي دخلت بعد انسحاب الحرس الجمهوري وانتشرت داخل الكويت، فقد كانت بأعداد كبيرة وبدون إمداد ومستوياتها التعليمية متدنية جدا.
ورافق انتشار الدينار العراقي الى جانب الدينار الكويتي... بعد رفض الناس قبوله في الوفاء بالالتزامات في البداية.
وفي مساء ذلك اليوم، ظهر لأول مرة على شاشة التليفزيون، رئيس حكومة الكويت الحرة المؤقتة المقدم علاء حسين (رقى الى رتبة عقيد)... وكانت المناسبة استقبال الرئيس العراقي في بغداد.. بعد انتظار لمعرفة شخصه.
وتبين أنه كويتي متجنس من أصل عراقي و"بعثي".
ثم واصل العراق تحركه لخلق واقع جديد في الكويت، اذ أعلن بعد يومين، ضم الكويت رسمياً فيما سمي بالوحدة الاندماجية الكاملة بين العراق والكويت وذلك بناء على طلب الحكومة الحرة المؤقتة، باعتبار أن الكويت "فرع" من العراق "الأصل"، حسب ما ذكر البيان العراقي.
وفي اليوم التالي (8 أغسطس)، قرر الرئيس صدام حسين تعيين العقيد علاء حسين ـ رئيس ما سمي الحكومة الحرة المؤقتة ـ نائباً لرئيس الوزراء في العراق، وتعيين الوزراء الثمانية ـ أعضاء الحكومة ـ كمستشارين للرئيس صدام بدرجة وزير... وبذلك انتهت "خدعة" الحكومة الكويتية الحرة المؤقتة، بعد ضم الكويت.
وليصبح الضم أمراً واقعاً، كان لا بد من تفريغ الكويت من سكانه (من الكويتيين والمقيمين)، وتغيير تركيبته السكانية بتوطين العراقيين (خاصة في الأحياء الكويتية) وطمس الهوية الكويتية بحرق إدارات الجنسية والهجرة وتغيير أسماء المناطق والشوارع والمرافق ولوحات السيارات(*) ..
( 3) الغنيمة:
الغزو العراقي... والاقتصاد الكويتي
سجل الاحتلال العراقي للكويت، حالة غير مسبوقة في تجارب الاحتلال السابقة... وتلك الحالة هي عدم استطاعة المحتل إلغاء العملة الوطنية رغم صدور قرار إداري بذلك والسيطرة على البنية الاقتصادية رغم تمكنه من الاحتلال الإقليمي الجغرافي.
فالدينار الكويتي، وإن انخفضت قيمته، كعملة وطنية وكرمز من رموز السيادة ما زال مدرجاً في أسواق التداول. والبنية الاقتصادية الكويتية، ظلت في معظمها خارج قبضة الاحتلال العراقي، تديرها السلطات الكويتية الشرعية... لدرجة أن ما يوجد من تلك البناية تحت سيطرة الاحتلال، يأتمر بأوامر "اقتصاد المنفى".
ويرجع فشل الاحتلال العراقي في هذا الإطار الى ثلاثة عوامل أساسية. العامل الأول هو أخطاء تنفيذ خطة الاحتلال ذاتها، والثاني هو الوجود الكبير للأصول الكويتية الخارجية ووجود مراكز كويتية في الخارج لصنع القرار الاقتصادي.
أما العامل الثالث فهو إجراءات الحصار الاقتصادي التي فرضت على العراق.
فشل تنفيذ خطة الغزو:
لم تنجح قوات الغزو (او الاحتلال)، في تحقيق مهمتها الرئيسية أي اغتيال أو اعتقال رموز السلطة الشرعية ـ الكويتية وخاصة الأمير وولي العهد... كما فشل الاحتلال في إيجاد سلطة شرعية بديلة من رموز المعارضة الكويتية لإعطاء مشروعية للعملية العراقية.
وكان من نتيجة ذلك، فشل السلطات العراقية في الاستحواذ على الأصول الخارجية الكويتية والعملة الوطنية كأصل رأسمالي، ولم يقلل من الفشل إعلان بغداد عن وجود حكومة الكويت الحرة المؤقتة، التي لم يعترف بها المجتمع الدولي وقام بتجميد الأرصدة الكويتية...
وأمام ذلك الفشل في الاستحواذ على الثروة الكويتية، لجأت سلطات الاحتلال الى نهب الكويت بوساطة السلاح من جهة، ومن جهة أخرى بمساواة الدينار الكويتي بالدينار العراقي.
فقد سطا العراقيون على بنك الكويت المركزي ونقلوا الى بغداد ما قيمته 106 مليار دولار من الذهب والأوراق النقدية، حسب تقدير محافظ البنك الشيخ سالم عبد العزيز الصباح وذلك بالإضافة الى عمليات نهب للبنوك الكويتية وسوق الذهب ومكاتب الصرافة ووكالات السيارات والمتاجر...
وكان إجراء مساواة الدينار الكويتي بالدينار العراقي ضمن عمليات نهب الكويت، عبر نقل الأصول المتداولة الكويتية الى بغداد بقيمة نسبتها 10 بالمائة الى قيمتها السوقية أي بنسبة قيمة الدينار العراقي الى الدينار الكويتي.
وبعد أن انكشف فشل تنفيذ خطة الغزو (باستمرار الحكومة الشرعية) واتضاح خدعة الحكومة الحرة المؤقتة أمام الأسرة الدولية، أعلنت بغداد "ضم" الكويت الى العراق.
الا أن السلطات العراقية، لم تستطع تسيير المؤسسات الاقتصادية الكويتية الخاضعة للاحتلال ولم يمتثل الكويتيون ومعظم المقيمين لقرارات وتعليمات الرئيس العراقي ورئيس مجلس قيادة الثورة (العراقية) وديوان الرئاسة، وكذلك نداءات التليفزيون والإذاعة بالعودة الى العمل...
وفيما عدا المخابز والجمعيات التعاونية، توقف العمل بالمؤسسات الاقتصادية والجمعيات الكويتية وخاصة في قطاعي النفط والمال (البنوك وشركات الاستثمار والتأمين)... رغم التهديد بالفصل ومصادرة الأموال المنقولة.. والتهديد بالسلاح في بعض الأحيان.
وبما يعني أن البنية الاقتصادية الكويتية في الداخل ظلت مستعصية على الاحتلال.
الأصول والاستثمارات الخارجية:
أصبح من حق صانعي السياسة الاستثمارية الكويتية، أن يباهوا معارضيهم ببعد نظر سياستهم، التي اختارت التواجد الكبير للأرصدة والاستثمارات الكويتية في أمريكا وأوروبا وجنوب شرق أسيا.
اذ انتهى ذلك التواجد، بحماية رد فعل المجتمع الدولي بتجميده بعد الغزو العراقي، الى حماية قسم رئيسي من أصول الثروة الكويتية من نهب الغزو، مع استمرار تدويره كـ "اقتصاد منفي".
فبالنظر الى محدودية فرص الاستثمار في دولة لا تتعدى مساحتها 15 ألف كم، ولتجنب زيادة العمالة الزائدة واختلال التركيبة السكانية وبحثاً عن مجالات للاستثمار ذات قيمة مضافة أعلى.. اتجهت الكويت لتوظيف جانب هام من عوائدها النفطية في الخارج، خاصة في قطاعي الصناعة النفطية وصناعة المال.
وفي هذا السياق، كان يتم اقتطاع نسبة 10% من إجمالي إيرادات الميزانية الكويتية سنوياً، تحت بند احتياطي الأجيال المقبلة، لتدويره بوساطة أكبر مستثمر كويتي وهو "هيئة الاستثمار".
ويترأس الهيئة التي انشئت عام 1982 وزير المالية بمشاركة وزير النفط ومحافظ بنك الكويت المركزي.
وقد استطاع الثلاثي جاسم الخرافي (المالية) وعلي الخليفة الصباح (المالية والنفط) وسالم عبد العزيز الصباح (البنك المركزي)، جعل الهيئة مستثمراً محترماً على الصعيد الدولي من خلال تنويع المحافظ الاستثمارية والتوزيع الجغرافي الجيد للاستثمارات، وبجهد مدير الهيئة د. فهد الراشد ومدير مكتب الاستثمارات فؤاد جعفر.
ورغم وجود الهيئة بالكويت إلاّ أنها كانت تعمل من خلال ذراعين، الأولى ذراع داخلية تتمثل في شركات الاستثمار الثمانية.
وكانت الذراع الخارجية "مكتب الاستثمار الكويتي" في لندن. وبعد أزمة سوق الأوراق المالية المعروفة باسم "المناخ"، توجهت شركات الاستثمار هي الأخرى للتركيز على الاستثمارات الخارجية.
وبذلك، تحولت الكويت الى أكبر مستثمر أجنبي في أسبانيا، اذ بلغ نصيبها ثلث الاستثمارات الأجنبية. فقد تملكت أكثر من 70% من صناعة الأسمدة الأسبانية عبر تملك معظم أسهم مجموعة "إيروكروس"، كما تملكت 72% من أسهم مجموعة "تورراس" للكيماويات والورق، بالإضافة الى 36% من أسهم مجموعة "بريما انموبيلياريا" العقارية.
وفي بريطانيا، تملكت الكويت 9.8% من أسهم "ميدلاند بنك"، علاوة على المساهمة بشركة "مارن" للأحواض الجافة.
وفي ألمانيا، أصبح للكويت 14% من أسهم "مرسيدس بنز"، و20% من أسهم "ايه. جي. ميتال" وحوالي 20% من "هوكست"... وفي الولايات المتحدة الأميركية، استثمرت الكويت حوالي 2.5 مليار دولار في العقارات... كما توجه مكتب الاستثمار الكويتي بعد أوروبا وأميركا الى جنوب شرق أسيا (هونج كونج، سنغافورة، ماليزيا..) وقد وصلت جملة استثمارات هيئة الاستثمار (شركات الاستثمار ومكتب الاستثمار) الى ما يزيد عن 110 مليار دولار كمخصصات لاحتياطي الأجيال القادمة.
والى جانب هيئة الاستثمار، اعتمدت شركة البترول الكويتية التابعة لمؤسسة البترول الكويتية (يترأسها وزير النفط) إستراتيجية استثمارية عبر شراء محطات تكرير وبيع البترول في العواصم الأوروبية.
وأصبح للشركات ثلاث محطات تكرير و6400 محطة لتوزيع المنتجات البترولية تحت اسم "كيلو 8"، بطاقة 400 ألف برميل يومياً.
وبجانب هيئة الاستثمار ومؤسسة هيئة البترول الكويتيين، كان للجهاز المصرفي الكويتي (6 بنوك تجارية وبنكان متخصصان:عقاري وصناعي) تواجد خارجي كبير سواء من خلال الأرصدة النقدية أو الاستثمارات المباشرة أو الفروع الأوروبية أو الملكية الكاملة لبنك الكويت المتحد وأكثر من 10% من أسهم "ميدلاند بانك" في لندن.
وحسب تقدير محافظ بنك الكويت المركزي، يمثل الجهاز المصرفي الكويتي شبكة دائنة لباقي العالم بما قيمته 4.9 مليارات دولار ولسوق المعاملات المصرفية العالمية بحوالي 600 مليون دولار.
أما الودائع الكويتية في أمريكا وأوروبا التي جمدتها الحكومات الغربية فتصل الى 50 مليار دولار، حسب حصر تلك الحكومات.
ويضاف الى كل ذلك، وجود بقية احتياطي الذهب الكويتي (حوالي مليوني أوقية) في بنك الاحتياط الفيدرالي الامريكي والبنك المركزي البريطاني (بنك أوف إنجلند) بعد نهب قوات الغزو العراقية لأكثر من مليون أوقية ذهبا كانت موجودة لدى بنك الكويت المركزي.
الثروة النفطية... والحظر الدولي
بعد مرور شهر كامل على عملية الغزو العراقي للكويت، صرح نائب رئيس الوزراء العراقي سعدون حمادي، أن الصحة الإنتاجية البترولية للعراق الجديد بعد ضم الكويت حسب تعبيره، ستصل الى 4.6 مليون برميل يوميا.
وذلك بإضافة حصة الكويت البالغة 1.5 مليار برميل مقابل الاحتياطي العراقي السابق والبالغ 100 مليار برميل فقط.
وقدر العراق إيراداته من البترول حسب الحصة السابقة وبسعر أدنى قدره 25 دولاراً للبرميل بقيمة 38.3 مليار دولار سنويا.
وتوقع العراق أنه في حالة زيادة الحصة الانتاجية الى 5.5 مليون برميل يوميا ستصل الإيرادات البترولية الى أكثر من 50 مليار دولار سنويا.
ولم يفت المسؤول العراقي أن يذكر أن الاستيلاء على البترول الكويتي، سيمكن العراق من سداد ديونه الخارجية في فترة تتراوح بين عامين وأربعة أعوام.
بيد أن العراق قد بنت تقديراتها فيما يتعلق بتصدير البترول الكويتي وسداد الديون العراقية، متجاهلة قرارات مجلس الأمن بفرض الحصار الاقتصادي على العراق واستخدام الإجراءات اللازمة لتنفيذه بما في ذلك الحصار الجوي.
وهناك من يعمل خارج الشرعية الدولية المتمثلة في قرارات الأمم المتحدة، الا أن ذلك لا يعني استطاعة العراق تصدير 4.6 مليون برميل يوميا في السوق السوداء!
وقد تكون تقديرات العراق مبنية على أساس حدوث صفقة مع الولايات المتحدة الأميركية ـ آجلاً ـ الا أن تلك الصفقة لو حدثت لا يمكن أن تتضمن ضم الكويت الى العراق وهي الحالة الوحيدة التي يستطيع فيها العراق الاستيلاء على بترول الكويت وتصديره.
ويعني ذلك أنه رغم احتلال العراق لحقول البترول الكويتية، فإنه لم يستطع تصدير إنتاجها، بعد أن عجز عن تصدير إنتاجه البترولي أصلاً بفعل إجراءات الصادر الاقتصادي.
اقتصاد المنفى... احتياطي للمقاومة
كان الهدف الأساسي لقوات الغزو العراقي هو القضاء على رموز الحكم الشرعي للكويت، خاصة من أسرة الصباح، للاستيلاء على أصول الثروة الكويتية بمنطق الغنيمة والأسلاب... غير أن العملية منيت بفشل ذريع تجسد في أمرين:
أولهما: استمرت الحكومة الشرعية لتصبح "حكومة منفى" في الطائف.
الأمر الثاني: بقاء معظم أصول الثروة الكويتية خارج الإقليم الجغرافي الخاضع للاحتلال لتمثل "اقتصاد منفى" مركزه لندن.
وسعت الحكومة الشرعية، بدءاً، بالحصول على موافقة الدول الغربية بالسماح لها بإدارة الأموال الكويتية، وذلك قائم في 26 أغسطس 1990،
وأصبح بمقدور الحكومة الشرعية إدارة الأرصدة والاستثمارات الكويتية في الخارج، عبر مكتب الاستثمار الكويتي في لندن وفروع البنوك وشركات الاستثمار في الخارج، والتي تصل تعليماتها ـ أيضا ـ الى مراكزها داخل الكويت.
كما تواجد بنك الكويت المركزي وعلى رأسه محافظه الشيخ سالم العزيز الصباح، في لندن، لتسوية المعاملات بين البنوك الكويتية وبينها وبين بنوك العالم.
وبمساعدة بقية دول مجلس التعاون الخليجي، تحركت مؤسسة البترول الكويتية لضمان توفير 400 ألف برميل يوميا من البترول الخام لتزويد محطات التكرير والتوزيع في أوروبا، حتى يستمر تشغيلها لتزويد زبائنها والوفاء بعقودها.
وبمؤازرة المؤسسات النقدية الخليجية، وضعت ترتيبات خاصة لدعم سعر صرف الدينار الكويتي... وتم ربط الدينار بالعملات الخليجية عند سعر 10 دراهم إماراتية للدينار، بتخفيض يساوي 22% من قيمته.
وبذلك أصبحنا أمام "اقتصاد منفى" يقوم بتدوير أصوله الرأسمالية خارج الكويت لتمويل ثلاثة بنود أساسية في إطار عملية مقاومة الاحتلال العراقي: تمويل مخصصات الإعاشة والسكن لكافة الكويتيين في الخارج، وتغطية جزء من نفقات القوات الامريكية في السعودية والخليج وعمليات المقاومة داخل الكويت، وأخيرا، مساعدة الدول التي تأثرت اقتصاديا من تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بفرض الحصار الاقتصادي على العراق.
مصدر هذا التاريخ ليس مصدر عراقي وذكرنا التاريخ الحقيقي لا تزوير ولا مواضيع أنشاء