صابرين الصباغ .. قراءة لونية
( 1 )
قال الله تعالى في سورة الأعلى ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى ... )
كنت أقف طويلا عند حرف الفاء ، بين الخلق والتسوية .. هنا تكمن مقدرة الخالق سبحانه الذي لم يترك مخلوقاته دون أن يجملها ويجعلها محط أنظارنا ، لنستمتع بروعتها ، ونكسر حدة الرتابة اللحظية المتكررة ، لذلك فإن حرف الفاء جاء أيضا يحمل بعدا زمنيا ( لي بحث في هذا الشأن غير مطبوع ) وهو غير قصير أبدا بمفهومنا البشري ، وهو أيضا لحظي ، يكمن بين الكاف والنون ..
ف .. سوى المخلوقات جميعا على شاكلتها التي نرى ( فن الرؤية الفكرية ، البصرية / اللون والشكل ) لأن الإنسان منذ أن خلقه الله سبحانه وتعالى ، خلقه في أحسن تقويم : الهيئة والأخلاق وأجهزة التلقي والإرسال ، فكانت متعة التلقي عند آدم عليه السلام مقرونة بالمعرفة ، التي برزت بشكل أو بآخر في تصرفاته واحتياجه العضوي للمرأة ( التي أعتبرها مخلوقا كائنا بذاته ، يختلف جذريا عن الرجل في نصف الخلق ، فهما متكاملان ‘ واعتذر عن التشبيه ‘ كالسيارة والمحرك كمثال بسيط ) ..
لذلك ، هناك ما يشد أحدهما للآخر ، دون أن يخططا مسبقا ، فتخرج منهما منظومة جديدة بذات التفاصيل والمورثات الجينية ( سلسلة بعضها من بعض ) ..
هنا تكمن الجمالية البشرية في التعبير ‘ بالكلمة واللون والحركة ‘ في محاولة لاستعادة الحالة الكونية الأولى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )..
( 2 )
الناس إذن يحملون الإبداع ، يتميزون في مجالات شتى ، منهم من يستطيع أن يعبر عما بداخله بالكلمة / الشعر وغيره من صنوف الأدب ، وآخرون بالرسم / اللون .. وقلة قليلة يقترن عندها اللون والكلمة ، فيخرج العمل المنتج مثل ( جوزة تحت قشرة واحدة ) .. وهو تعبير للشاعر الروسي بوشكين ..!
الإبداع ، قد يكون قنبلة موقوتة في دواخلنا ، تنفجر فجأة ، في أي وقت أو مكان ، أو باقة ورد تنثر لونها وأريجه ، بعد ذلك تكون النتائج الواضحة عند المتلقي ..!
( 3 )
هنا أقرأ صابرين في إبداعها المكتوب:
إبداع البعض لوحة، والبعض قصيدة..
.. تنقلني صابرين إلى نزار قباني السياسي بعد نكسة حزيران ، وبرقياته الشعرية الموجعة كانفجار قنابل . وكذلك تنقلني إلى الفنان الراحل ناجي العلي ، الذي كان يجرح صمت جلودنا بخطوطه البسيطة العظيمة في حنظلة وفاطمة .. فلسطين.
صابرين.. تقدم باقة كقنبلة ..!
تقدم لوحات ببراويز واضحة جدا بداخلها انفجار عاطفي ملون ..
كل لوحة حكاية مستقلة ..
قبل ذلك تأملت الصورة المرافقة للنصوص ، اللوحات ، ولم أعر الانتباه حتى اللحظة للتعليقات والمدائح ، لأني على يقين أنها ( تتعربش ) على النص اللوحة / اللون المفرح الذي يكون على شاكلة ثلم جارح ، يوحي في النهاية بالأحمر ، وهو ليس الدم هنا ، بل الدفء ..!!
الصورة لوجه صابرين، لم تواجهنا ، مباشرة ، تقول ،دون أن تقصد ، أنها تدفع للاستكشاف والتساؤل ، الصور العادية تقدم لنا الوجه كاملا ، بالعينين والأنف والأذنين حتى لا تجهدنا العلامات الفارقة ، كما يقول جواز السفر ..!!
( 4 )
.. هل هي فنانة تشكيلية تختزل اللوحة في كلمات قليلة ..؟
نعم .. أجزم بذلك ..
هذه النماذج اللوحات ، البرقيات ، أعادتني أيضا إلى غزو بيروت 1982 وخروج المقاومة إلى المنافي ..
يومها ، كنت مثل صابرين محشوا بالكلمات .. فكانت تخرج كقذائف ، لا أحد وقتها يفكر في كيفية صنعها أو تفكيكها ..
قنابل صابرين ، باقات ورد ، اللون فيها هو سيد العاطفة ، وبالتالي فإن الوجع المختزل داخل البراويز هو ليس حزنا أو يأسا بقدر ما يكون سمة نبيلة ترتقي بالأحاسيس إلى سدتها .. هو الوجع اللذيذ، مثل حك الاستشفاء ، نحبه ونخاف أن يدمي جرحنا ، الجرح الذي لا تريد صاحبتنا أن يغادرها أو يغادرنا ..!!
( 5 )
صابرين ..
لا أحب التوقف لأنني في حال من الدهشة ، والكلام لا ينتهي ، بوركت قلبا وقالبا ، على هذا التميز الشفيف الذي أشعر به من كل قلبي ..
أريدك أن تبقي بقوة هذا العطاء ،
أتمنى أن تقرأي بعض محاولاتي في هذه المنابر التي أعطتنا كل هذا المتاح ...
وأحب أن أقرأك كإنسانة ، أيتها المخلوق النبيل ..
حسن سلامة
[email protected]