الاستشراق .. اتساع أم أفول؟ ماســـيـنيون و التراث العربــــي
ملحق ثقافي
الثلاثاء 13/3/2007
علي محمد إسبر
يُعد المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883 ـ 1962) طوداً شامخاً في علم الاستشراق، ويمتاز عن المستشرقين كافة بنزعة روحية عميقة، وبرؤية كونية صوفيّة شاملة تتوحّد فيها المذاهب جميعها، وتنحلّ الخلافات داخل وحدة واحدة هي الروح الإنساني الكلي الساري في الأرض.
والحقيقة أن شخصية ماسينيون يُمكن أن تُفسّر في ضوء حادثة مرعبة تعرض لها في حياته، وهي أنه كُلِّف من قبل الجنرال دوبيلي في عام 1907 بمهمة القيام بأبحاث وحفائر في الآثار في العراق، وفي معرض ذلك تم إلقاء القبض على ماسينيون من قِبَل أحد الضباط العثمانيين، لأنه اتُهم بمحاولة التخطيط لاغتيال السلطان عبد الحميد. وقد تعرّض ماسينيون من قِبَل الدرك العثماني لأشدّ أنواع التعذيب، وحُكم عليه بالإعدام. وكان الحكم متجهاً نحو التنفيذ، إلا أنه في ظلّ ظروف غامضة تم إلغاء الحكم والعفو عن ماسينيون. وفي أثناء هذه المعاناة الشديدة مرّ ماسينيون بأزمة روحية كبرى، أعادت إليه إيمانه الدين،ي فاختار المسيحية الكاثوليكية بطريقة تتمازج فيها مع التصوف الإسلامي. والواقع أن علي الألوسي ومحمد شكر الآلوسي هما من تمكنا من إنقاذ ماسينيون، نظراً للصداقة العميقة التي ربطت بين هذا المستشرق وعائلة الآلوسي العراقية. فقد احتضنت عائلة الآلوسي ماسينيون، وتمت معالجته من آثار التعذيب. وعندما شُفي تماماً نُقل ماسينيون إلى سوريا مُرافقاً ومَرْعيّاً من قِبل الأب العراقي أنستانس ماري الكرملي. وهنا بالذات تأتي أهمية نشر الرسائل التي بعثها ماسينيون إلى الأب الكرملي ضمن كتاب: علي بدر "ماسينيون في بغداد: رسائل المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون إلى الأب أنستانس ماري الكرملي (1908 - 1919)". والجدير بالذكر أن الأب أنستانس ماري الكرملي من مواليد بغداد في عام 1886 وتعلّم أول الأمر في مدرسة الآباء الكرمليين ببغداد وهو ما يزال طفلاً. وسافر وهو في العشرين من العمر إلى كلية الآباء اليسوعيين في بيروت؛ حيث قام بتدريس اللغة العربية، ومن ثم شرع الأب الكرملي بالتنقل في أنحاء الوطن العربي وفي عدة دول أوربية. وقد كان الأب الكرملي شخصية معرفية استثنائية، ويذكر الباحث والمترجم العراقي علي بدر أنه كان متبحراً باللغات الفرنسية والإيطالية واليونانية والإسبانية والإنكليزية، بالإضافة إلى اللغات الشرقية مثل الفارسية والتركية والحبشية والسريانية والمندائية. إلا أن الأب الكرملي كان عاشقاً شغوفاً للغة العربية، وهذا دفعه إلى أن يضع آلاف الدراسات حولها. وهذا ما دفع السلطة العثمانية إلى نفي الأب الكرملي إلى الأناضول من عام 1914 إلى عام 1916. ويُذكر أن الأب الكرملي قد نشر عدداً كبيراً من الدراسات التاريخية والدينية والأنثروبولوجية متوخياً الأسلوب الفيلولوجي في البحث. وهذه الموسوعية الهائلة جعلت من الأب الكرملي قبلة المستشرقين. وفي أفق الصفات المعرفية العالية التي تمتّع بها، يُمكن أن تُفسّر الصداقة العميقة التي ربطته مع ماسينيون. أما بالنسبة للرسائل المكتشفة التي أرسلها ماسينيون إلى الأب الكرملي، فيعود الفضل في التنبيه إليها إلى الباحث والمحقق العراقي قاسم محمد عباس، الذي أشار على الباحث محرر ومترجم الرسائل علي بدر، بأن يقوم بدراسة مجموعة كبيرة من رسائل المستشرقين، ومن بينهم رسائل ماسينيون إلى الأب الكرملي. ومكان وجود هذه الرسائل هو دار المخطوطات العراقية في بغداد من الرقم 35022 إلى الرقم 35067. فما كان من الباحث علي بدر إلا أن أقدم على ترجمة رسائل ماسينيون وتحريرها والتقديم لها. ومن المشكلات الأساسية التي تترتب على نشر هذه الرسائل، ظهور جوانب عالية جداً من الخطورة فيما يتعلق بالدور المخابراتي الذي مارسه ماسينيون أثناء وجوده في المنطقة العربية، بالإضافة إلى مواقفه من الاحتلال الفرنسي لبعض الدول العربية. وهذا الأمر يمكن حصره في النقاط التالية: أولاً ـ أن ماسينيون حُكم عليه بالإعدام من قبل السلطة العثمانية، نظراً لاتهامه بالجاسوسية وبمحاولة اغتيال السلطان عبد الحميد؛ ثانياً ـ كان ماسينيون مستشاراً سياسياً لـ "بيكو" الذي هو، كما بات معروفاً، مهندس اتفاقية (سايكس ـ بيكو)؛ ثالثاً ـ دور ماسينيون في التبشير للانتداب الفرنسي في سوريا ومعركة ميسلون. لكن هذا الجانب السياسي من شخصية ماسينيون، لا يطعن أبداً في كونه إنساناً ذا نزعة روحية سامية ومثقفاً موسوعياً مدهشاً عميق الرؤية ورجلاً من رجال التسامح الديني، عاش حياته من أجل التقريب بين المسيحية والإسلام في شخص الحلاج بشكل خاص. والحقيقة أن شخصية ماسينيون لا يمكن أن تُفهم إلا ابتداء من أفق الحياة الخصبة التي عاشها؛ حيث استطاع أن يُكوِّن وعياً معرفياً بالغ الندرة ساهمت عوامل عديدة في تحقيقه والمحافظة عليه ودفعه قُدُماً. لقد ولد لويس ماسينيون عام 1883 في ضاحية باريسية اسمها نوجان تقع على نهر المارن. وكان والد ماسينيون نحاتاً شهيراً، وقد وجّه ولده إلى الاهتمام بالعمارة الإسلامية. وفيما بعد انتسب ماسينيون إلى "المدرسة الوطنية الشرقية الحية"، التي تخرّج منها العديد من المستشرقين. وحصل ماسينيون أيضاً على ليسانس الآداب. ودخل الخدمة العسكرية عام 1903 وسافر إلى المغرب، وفي عام 1904 نال دبلوم الدراسات العليا في السوربون بجامعة باريس في تخصص العلوم الدينية. وزار ماسينيون مصر عام 1906 وتابع تعلّمه في "المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة". وفي عام 1907 تعرّف ماسينيون على الحلاج، بفضل تنبيه عائلة الآلوسي له عليه، كما يذكر هو نفسه في رسائله. وكان أول بحث له عن الحلاج رفيق حياته هو "عذاب الحلاج والطريقة الحلاجية" وقد ظهر عام 1909. وبعد ذلك نشر سنة 1913 كتاب "الطواسين" للحلاج محققاً ومقروناً بدراسة وافية. وتزوج ماسينيون عام 1914 وفي العام نفسه اندلعت الحرب العالمية الأولى. فطُلب ماسينيون إلى الاحتياط. وفي عام 1915 حارب حرب الأبطال في معركة الدردنيل، بوصفه ضابطاً في فرقة المشاة في جيش المشرق. وكان ماسينيون بعد ذلك ضمن الجيش الذي دخل القدس عام 1917 تحت قيادة الجنرال أللنبي. وبعد أن انتهت الحرب عاد ماسينيون إلى العمل الأكاديمي. وفي عام 1922 نال ماسينيون درجة الدكتوراه عن رسالته "عذاب الحلاج، شهيد التصوف في الإسلام". ولم يتوقف ماسينيون طوال حياته عن الكتابة والبحث والتأليف، وظل على هذا المنوال حتى وفاته عام 1962. من الجلي إذاً مدى تعقّد شخصية ماسينيون واستسرارها ومدى التجارب الكبرى التي مر بها في حياته وتنوّع صلاته وعلاقاته مع مختلف أصناف الرجال من سياسيين ولاهوتيين وعسكريين. غير أن علاقة ماسينيون مع الأب الكرملي تأخذ بعداً آخر مختلفاً في تجربته، ومرد ذلك إلى أن الكرملي عاصر ماسينيون في أكثر المراحل من حياته حساسية وهي مرحلة بداية تأثره بالثقافة العربية والحكم عليه بالإعدام وعودة إيمانه الديني إليه. وقارئ الرسائل التي بعثها ماسينيون إلى الأب الكرملي يلاحظ الاحترام الكبير والتبجيل والتوقير وما شاكل من هذه الأحوال التي أحاطه بها. ومن الممكن استشفاف رغبة ماسينيون العارمة في الاستفادة من ثقافة الأب الكرملي، فلا تكاد تخلو رسالة من طلب المساعدة من هذا الأب. يقول ماسينيون في رسالة تاريخها 15 أيلول 1908 مخاطباً الأب الكرملي مشيراً إلى امتلاكه أدلة حول مسيحية الحلاج:"سوف أرسل لك نسخة من أدلتي على مسيحيته، إن كان بإمكانك أن تصيغها لي بعربية جيدة، وأن تنشر عنه مقالة لي بخطك في مجلة المشرق". ويقول ماسينيون في رسالة أخرى أرسلها إلى الأب الكرملي بتاريخ 23 ـ 3 ـ 1911:"أنت تعلم كم أنا ممتن لما قدمته لي خبراتك وأبحاثك من مساندة، سواء تعلق الأمر بموضوع أطروحتي أم بموضوع مقالاتي حول الصحافة العربية. فليكن إذاً معلوماً بيننا، إني أتمنى أن أبقى في كل هذا أسير فضلك، وأن أطلب منك الاستمرار بمساعدتي بخصوص الحلاج ..." وختاماً نقول إن هذه الرسائل تكشف عن جانب هام جداً في شخصية ماسينيون وهو جانب العلاقات الوجدانية الصادقة مع من عاصره من أعلام الثقافة العربية، وهذا يُعطف على رغبة ماسينيون الصريحة في التعلم من أبناء هذه المنطقة والإفادة منهم في تكوين وعي استشراقي، يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الرؤية الاستعمارية ومطامحها والنزعة اللاإنسانية التي تسيطر على مفكريها ودعاتها. وقد استطاع ماسينيون بفضل روحيته العميقة ونفاذ بصيرته أن يقبض على ما هو مشترك في جميع العقائد. وهذا ما يفسّر توحّد ماسينيون مع الحلاج، توحداً شبه مطلق، حتى أن آخر ما قاله ماسينيون قبل لحظات من وفاته هو الآية القرآنية الكريمة:" لن يجيرني من الله أحد" (الجن:آية 22).