الاستشراق .. اتساع أم أفول؟ الموقف من الشعرية العربية الحديثة
ملحق ثقافي
الثلاثاء 13/3/2007
خضـر الآغـا
ثمة من يعتقد أن الشعر العربي الحديث بدأ بالظهور منذ مئة عام. الحقيقة، لا يمكن التحدث عن شعر عربي "حديث" منذ مائة عام. في ذلك الوقت كان الشعر، في أغلبه، مرتهناً لشرطه التاريخي،
يكافح أو يحرض أو يهادن العثمانيين ثم بقية الاحتلالات الغربية للمنطقة العربية، فلم يكن حديثا بالمعنى الذي ينطوي عليه مفهوم "الحديث" إن من حيث المعنى أو من حيث شكل ظهوره. بل كان تقليدياً من جهة تقييده إلى عمود الشعر، واجتماعياً وسياسياً من جهة تقييده لشرطه التاريخي. لذلك سيكون التأريخ لـ "شعر عربي حديث" حصرياً في أربعينات وخمسينات القرن العشرين بعد أن أطلقت نازك الملائكة (ثم السياب وآخرون...) مفهوم "الشعر الحر" الذي ينطوي على تحرر من بحور الخليل وعمود الشعر الذي تحول من عمود رخامي إلى عمود إسفلتي باهت، ثم انبثاق قصيدة النثر في أبهى أشكالها مع سنية صالح ومحمد الماغوط وأنسي الحاج. ربما يعتمد ذلك بصفة دقيقة، تأريخياً، على ظهور مجلة "شعر" والسجالات شديدة الحرارة بينها وبين مجلة "الآداب". نذكر في هذا الخصوص المقال الذي كتبته خالدة سعيد حول ديوان "حزن في ضوء القمر" لمحمد الماغوط، ونشرته في "شعر"، والمقال الذي كتبته نازك الملائكة في "الآداب" رداً على دعاة قصيدة النثر وعلى خالدة سعيد، واعتبرت فيه أن ما تعنيه قصيدة النثر هو "ما جاء في مقال كتبته السيدة خزامى صبري عن كتاب نثر فيه تأملات وخواطر لأديب لبناني ناشئ". وخزامى صبري هو الاسم الذي وقعت به خالدة سعيد مقالها، أما الأديب (اللبناني) الناشئ فهو محمد الماغوط.
في هذا المناخ المفعم بالتطلع إلى آفاق جديدة ظهر الشعر العربي الحديث كانقلاب حقيقي على الشعر العربي التقليدي، وكتطور طبيعي للشعر العربي الكلاسيكي بنقلاته الكبرى مع بشار بن برد وأبي نواس وأبي تمام والمتنبي والمعري... الخ الذين يمكن اعتبارهم الجذور العميقة لحركة التجديد الشعري التي أسفرت عن ظهور الشعر العربي الحديث. هذا يجعل الحديث عن احتذاء الشعر العربي للنماذج الغربية ينطوي على الكثير من العسف الذي قد يكون ناتجاً عن: إما سوء فهم لتاريخ الشعر العربي من جهة ولحركة بنيته التي تؤول إلى التجديد من جهة ثانية، وإما عن موقف استشراقي، وإما عن عقدة كولونيالية تصيب التابع ويعمقها المتبوع. يجب أن نتذكر أن نماذج الشعر الشرقي (عربي و فارسي) مهدت كثيراً لظهور قصيدة النثر في أوروبا، وذلك عبر حركة الترجمة التي أثبتت أن الشعر، بعد أن حررته من الوزن والقافية، يكمن في أمر آخر غير الإيقاع الخارجي. ولا شك أن ترجمة الشعر الغربي، الفرنسي بخاصة، أثرت في ظهور قصيدة النثر العربية، فيما يؤكد على دورة الحضارة التي تسمح بما يمكن تسميته تبادل الفائدة. وما حدث للشعر العربي والغربي من تأثر بالترجمة حدث لآداب العالم جميعاً وفق ما يؤكد الباحثون. في فرنسا يعتبرون أن حركة الترجمة في القرن التاسع عشر هي التي ساعدت على ظهور قصيدة النثر أيضاً. في موازاة حركة التجديد الشعري ظهرت حركة تنظيرية للشعر الحديث. وقد استندت هذه الأخيرة في كثير من مراجعها على حركة التنظير الغربية، وبصفة خاصة كتاب سوزان برنار "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" الذي استفاد منه كثيراً أنسي الحاج في مقدمة "لن" وأدونيس في تأصيله لقصيدة النثر عام 0691. لكن هذه الاستفادة لم تكن منقطعة الجذور عن التراث العربي، إنما المهمش، الغني بتأكيداته على أن الشعر يمكن أن يتحقق، بصورة كاملة، بالاستغناء عن الوزن والقافية. ربما تكون الاستفادة التنظيرية من الغرب ساهمت في إساءة الفهم تلك وجعلت الحديث عن احتذاء الشعر العربي للنماذج الغربية ممكناً. فيما، في حقيقة الأمر لم يحدث شيءٌ من هذا. القصة تنطوي، بالإضافة إلى تطور الشعر تطوراً طبيعياً نحو الحداثة، على تأثر وتأثير في دورة الحضارة وعلى قانون التخصيب الإبداعي شديد المرونة والفاعلية. لذلك كله، نجد أن الشعر العربي الحديث أنقذ الشعر العربي برمته من جمودٍ وقع فيه حقّاً بعد انحسار موجة العمالقة: بشار، أبي نواس، أبي تمام، المتنبي، المعري، وغيرهم... وأثبت أن الشعر قادر في كل الظروف على تجاوز نفسه والتمرد على ذاته باستمرار، وأنه إذ ينقلب على ذاته فإنه ينقلب على الجميع بوصفه تأسيساً متواصلاً للعالم. ألم يثبت نزار قباني أن الشعر في متناول الجميع، وأدونيس، في مقابل ذلك، ألم يثبت أن الشعر نخبوي برفعة، وأنسي الحاج أثبت أن الشعر وحشيٌّ بصورة فائقة وأنه طقس تعبدي. الأمثلة كثيرة جداً وقد أثبتت بحق مقدار الامتنان الذي يدين به الشعر العربي عبر عصوره للشعر العربي في العصر الحديث. أما وأن وقف هذا الشعر في نقطة اعتبرها أصحابها ذروة، وراح يعيد نفسه ويكررها، في الوقت الذي تأكد فيه أن الشعر ليس ذرا، بل هو فضاء لا نهائي، فإن الشعر العربي الجديد، يمكنني التحدث عن الشعر الجديد في سورية، مؤهل، بصفة موسعة، لتجاوز ذلك والانطلاق به من جديد إلى سماوات بالغة الرحابة. الأمر الذي نستند عليه في ذلك يتمثل في انحسار الشوائب الخارج - نصية التي دخلت على شعر الحداثة –سأطلق تعبير "شعر وشاعر الحداثة" على شعر وشعراء الخمسينات والستينات من القرن العشرين، فيما سأطلق تعبير "الشعر والشاعر الجديد" بدءاً من ثمانينات وتسعينات القرن ذاته- إن ظهور الإيديولوجيات وما يسمى بالأفكار الكبيرة ساعد، على نحو من الأنحاء، على نمو حركة شعر الحداثة، إذ أن هذا الأخير شكل جزءاً من مفردات المعرفة التي تحتاجها السلطة، وذلك بمفهوم ميشيل فوكو لعلاقة معرفة / سلطة، إذ يعتبر أن كل تشكل للسلطة في حاجة إلى معرفة لا تتوقف علية، ولكنها تكون، هي ذاتها، بدونه عديمة الفعالية. يروي جيل دولوز، في هذا السياق، كيف أن مؤرخي العصر القديم يبينون تكامل المدينة الإغريقية والهندسة الاقليدية، ويقول: "لا يحدث هذا لأن الهندسيين يملكون السلطة، وإنما لأن الهندسة الاقليدية تشكل المعرفة التي تحتاج إليها المدينة من أجل تنظيمها السلطوي". لقد تم تبادل الفائدة حقاً بين السلطات السياسية الصاعدة آنذاك، وبين شعراء الحداثة. وحيث أن الأمر كان يتعلق بمعرفة استفادت منها السلطة، بصرف النظر عن طبيعة هذه الأخيرة وتوجهها، فإنه جرد تلك الحركة الشعرية، فيما بعد، من أهم أسلحتها: بقاؤها كحركة شعرية، إذ أنها تحولت إلى مذهب شعري يماثل المذهب الإيديولوجي والسياسي السائد آنذاك. إنه لمن المعروف أن المذهب يخنق الحركة. لقد تحول شعر الحداثة إلى مذهب بدءاً من تحوله إلى عمود آخر قريب من / أو شديد الشبه بالعمود الشعري الذي أراد تجاوزه، وبدءاً من حشوه بتعابير تلك المذاهب الإيديولوجية والسياسية، الأمر الذي أدى إلى وحدة الرؤى والمواقف بين الشاعر والإيديولوجي، ما يجعلنا ملزمين أن نقول "مذهب" شعر الحداثة عوضاً عن أنه "حركة". الذي حدث مع الشعر الجديد أن تلك الإيديولوجيات والنظم السياسية وصلت إلى طريق مسدود، أو ظهرت سلطات سياسية لا مشاريع وطنية لديها: سياسية كانت أم ثقافية، الأمر الذي أراح الشاعر الجديد من هذا العبء أو الهم الذي ربما كان سيضغط عليه في حال وجوده. من هنا فإن المرجعية تحولت من خارج – نص إلى مرجعية داخل – نص، أو إلى لا مرجعية. سوف نبحث عن العالم داخل النص الجديد، بل سوف نكتشف العالم داخله. إن انحسار المذاهب الإيديولوجية أبعد خطر تحول حركة الشعر الجديد إلى مذهب هي الأخرى. الشاعر الجديد شاعر جوال، مغامر، هارب من الأنساق، منزو، منعزل، ومطرود من الجنة. هذا الشيطان الكاتب لا مذهب له، وبالتالي فهو يسخر من كل المذاهب، مفضلاً الحياة في هذه الحركة المتواصلة التي تتأبى عن التوقف والوقوف. وعندما يشعر بخطر المذهبية الشعرية، فإن عليه أن يقتلها ولو أدى الأمر إلى أن يقتل نفسه. إن هذا الترافق بين تحولات المجتمع والمعرفة من جانب، وبين تحولات الشعرية الجديدة من جانب آخر، دليل على أن حركة الشعر، بما فيها الشعر العربي، حركة كونية، من العسف أن ننسبها إلى احتذاء من أي نوع. ثمة تيار دافق من الشعر العربي باتجاه الشعر بكافة اللغات، ومن الشعر بكافة اللغات باتجاه الشعر العربي. إن البحث عن الأصل: أصل قصيدة التفعيلة، أصل قصيدة النثر، أصل الرواية العربية...إلخ، ضرب من الهذر. وكذلك الأمر في ما يسمى التأصيل: تأصيل قصيدة التفعيلة، تأصيل قصيدة النثر...إلخ، فالحركة طبيعية: من - إلى، ذلك يشبه إلى حد بعيد الصيرورة، أو أنه هو ذاته الصيرورة. يجب أن يكون نيتشه قد أقنعنا، حقاً، أنه يجب مواجهة التاريخ بالصيرورة. إن الأمر يتوقف على صيرورة عربي – غربي، غربي – عربي، عمود – نثر، كما صيرورة أنثى – ذكر، ذكر – أنثى، كتابة – وجود...إلخ.