لم آتِ إليكِ صدفة!
جئتُ لأحجز مقعدا للذكرى.
جئت لنأكل وجبتنا من الحنين على ذات طاولة الوحشة.
جئت لأقول لكِ بعد كل شيء أن لا شيء تغيّر، سوى.. كل شيء.
هل تعلمين؟
ما أوسع ذاكرتي ولشدّ ما تضيق بك صفحاتي، كأنك الحريّة على خارطة الوطن الكبير.
في غمرة هذا الضغط والالتزام أخلق فسحة في الوقت لأسكبك حبرا على بياض الصفحات. في الحقيقة أنا أكتب بالرصاص الآن، لربما لسهولة محو أخطائنا حين نكتب بالرصاص. فقد تكونين إحدى أخطائي.
أكره فيك ذلك التمثيل السيئ الذي لا ينطلي على رجل قارح مثلي، تعبثين بكل شيء كما الأطفال؛ تكسرين وتخرّبين.. وفي النهاية تكذبين. لكنك كما الأطفال عاجزة عن إخفاء الجريمة، وسرعان ما تنكشفين!
أعلمُ جيّدا غبطتكِ وأنتِ تقرأين هذه الكلمات وتحلّقين في خيلائكِ عاليا، كنتُ أقسمتُ ألا أكتبَ لك ذات يوم، ولكنّي حنثت... وكتبت.
هل ستنادين أمّكِ الآن لترى ما كتبَ لك النزق المغرور؟!
سأقول الحقيقة:
حين أمسكتُ القلمَ كنتُ أكتبُ لي. لا أدري كيف ساقتني الذكرى إليكِ كأنّ الكلمات تتربّص بي، مرغما وقعتُ في الشرك. شرك الكتابة كي لا يذهب بك الخيال بعيدا.
هل تعلمين أيضا؟!
لو كنتِ تقدّرين الكتابة حق تقدير لأتيتِني جاثية على ركبتيك، أو لخلقتِ فسحةً في الوقت لتمسكي بذلك الصغير اللعين وتضغطي على أزراره عشر ضغطات لن تكلّفك جهدا كثيرا، ويكفي أن تسأليني:
- أما زلتَ حيّا؟!
سؤال استنكاري ما دامت الكلمات قد تكفّلت بالإجابة قبل أن تفكّري بالأمر- على أقل تقدير.
بي رغبة مجنونة لأعرف كيف تقرأين الآن هذا الكلام المشحون بكل ثغرات العاطفة، مؤسف حقا أن تقرأيه كأي نصٍّ عابر، حينها سأكون صادقا إن قلت لك: أكرهك.
لو كان لي ما يكفي من الوقت لسألتك أشياءً لن تكلّفكِ عناء الإجابة عنها كثيرا، لكنّها ستكلّفك عناء التفكير بها. كأن أسألك عن أشياء لا علاقة لك بها ولكنّها على صلة وثيقة بك.. كأن أسألك عن نفسك في خلوة مع نفسك.. كأن لا أسألك عن شيء!!!
أيّنا الأحمق؟
ذلك الذي لم يتعوّد الكتابة إلى أحد ويكتب الآن، أم تلك التي قطعت عليه عهدا أن يكتبَ لها كي يعلّمها أبجدية اللغة؟!
سأعلّمك أبجدية اللغة على أن تعلّميني أبجدية العشق، ففي كل قصة أشرعُ بها أكتشفُ أنّي معجبٌ بالفكرة لا بالمرأة، وأعود مسرعا لأنفض ما علق منها بجسدي. لقد قلتُ ذلك يوما.
نسيتُ أن أسألك:
- هل أنت على ما يُرام؟
أنا ما لا يُرام. ولم تسقط ال"على" سهوا، بل قصدا.
-هل ارتسمت بذهنك علامات استفهام كثيرة؟!
لن تكون بأي حال أكبر من تلك التي رسمتِها أنتِ بذهني حين قرّرتِِ الانتقام مني على طريقة عصرية ومبتكرة، وها أنا مع ذلك أكتبُ لك. وفي الحقيقة: دائما أهديتك أجمل ما كتبت. فما أضيق ذاكرتي ولشدّ ما تتسع لك صفحاتي، كأنّكِ السجن على خارطة الوطن الكبير!