السلام عليكم
مقال قديم نشره محب الدين الخطيب في مجلته الزهراء , لكنه قيّم جداً في موضوعه, يسرني اطلاعكم عليه :
حول المعجم العربي
بعض حاجاتنا العلمية ـ سلطان اللغة العربية ـ اللغة العربية قاعدة التوحيد ـ تدوين اللغة ـ نشوء المعجم العربي ـ عيوب معاجمنا ـ المعجم الذي نحن في حاجة إليه
" بعض حاجاتنا العلمية "
حقاً إنها لحالة محزنة:
أمة ناهضة, تموج أنحاء المغرب من آسيا بشعوبها, وتتغنى ربوع الشمال من إفريقية ببيانها, ويرجع العالم الإسلامي في جميع الدنيا إلى مكتبتها وعلومها باحترام وإجلال, وهي لا تزال ـ مع ذلك ـ فقيرة فيما لا غنى لأمة عنه:
من كتاب في التاريخ منقّح محرر, يروي غلّة الصادي من شباب هذه الشعوب العربية إلى تعرّف دخائل ذلك الماضي المليء بالبطولة والمروءة والإحسان والعرفان, والمتعثّر بالغلطات والتراخي والتقاطع والنسيان, ويستعين به أفاضلنا على فهم ما كان أجدادنا متحلّين به من سجايا نهضت بأعباء مجدهم, ثم ما طرأ على الأمة بعد من أخلاق وأمراض ودسائس وكوارث أودت بنا إلى ما صرنا إليه؛ مع عزو كل فقرة إلى مصدرها, وإرشاد المطالع إلى جميع المراجع التي تمكّنه من الإستقصاء في التوسع إذا شاء.
ومن معجم يحيط بتراجم رجالنا في العلم والعمران والسياسة والحرب والشعر والرواية والموسيقى وغيرها, من أقدم الأزمان إلى الآن, على اختلاف بلدانهم ومذاهبهم ومشاربهم, بحيث يجمع هذا المعجم من أخبار رجالنا خلاصة ما في كتب التراجم والطبقات والوفيات وأسفار الجرح والتعديل وما تبعثر في كتب التاريخ والأدب وغيرها مخطوطة أو مطبوعة, حتى لا يكاد يخلو من هذا المعجم الحافل ذكر رجل يرد اسمه في كتبنا العربية؛ هذا مع الإيجاز البليغ والتنقيح المنخول, والتنبيه في نهاية كل ترجمة إلى الكتب التي توسعت في ذكر هذا المترجم له ليرجع إليها من أراد البسط والتفصيل. ويزداد هذا المعجم حسناً إذا كان له في آخره فهارس تصنّف فيها التراجم كلها بحسب العلوم التي اشتهر بها المترجم لهم: فتكون ثمة فهارس لطبقات الفقهاء والشعراء والأطباء والنحاة.....إلخ, وأخرى بحسب البلدان كالمصريين والشاميين والعراقيين واليمانيين والمغاربة والأندلسيين.....إلخ, وثالثة باعتبار المذاهب كطبقات المعتزلة والشيعة......إلخ, ورابعة بترتيب العصور لأعيان المائة الأولى والثانية والثالثة.....إلخ.
وحاجتنا ماسة أيضاً إلى معجم جغرافي يحيط بأسماء البلدان والأماكن والجبال والأنهار والبقاع والقصور والمساجد والمباني الأثرية وغير ذلك مما يرد ذكره في دواوين الشعر وكتب الأدب وحوادث التاريخ وتراجم الرجال, بحيث يجمع ما ذكره ياقوت إلى ما أورده أبو عبيد البكري ومن أتى قبلهما أو بعدهما من جغرافيي العرب المحققين, واكمال ذلك بما حدث بعد هؤلاء جميعاً في وطننا الأكبر من بلدان ومباني وآثار عمرانية, والإشارة إلى الأسماء القديمة التي بدّلت بأسماء مستحدثة, مع الإستعانة بالمصوّرات(الخرائط) الموضعية والعامة التي تعين القارئ على فهم الوصف الجغرافي.
ونحتاج إلى معجم ثالث لجماعاتنا القوميّة والدينية: من قبائل ونحَل ومذاهب وبيوت كبرى ممن سجّل لهم التاريخ آثاراً علمية أو سياسية أو عمرانية , بحيث تنتظم في هذا المعجم كلّ المعلومات المتفرقة في كتب الأنساب والتاريخ والتراجم عن هذه البيوت والجماعات, وجميع ما في كتب النحَل والفِرق من التحقيقات المنقحة عن هذه المذاهب , مع الحرص على اقتباسها من كتب أهلها بقدر الإمكان والابتعاد عمّا يقوله أهل المذاهب بعضهم عن بعض.
وما لم تتغلب العزائم والهمم ـ من أنصار العلم وأهل الإختصاص وذوي الحول والطول ـ على تذليل العقبات وتسهيل السبل لإظهار مثل هذه الكتب والمعاجم وتقريب يوم انتشارها في أيدي الناشئة فمن الصعب أن تكون لنا معْلَمة (دائرة معارف) للعلوم العربية والمعارف الإسلامية يمكن الإعتماد عليها, لأن هذه الكتب ـ إذا كانت تامة الإحاطة ومشاراً فيها إلى جميع المصادر والمراجع مع تعيين مواضعها ـ هي الأساس للمعْلَمة, وهي الطليعة بين يديها.
ولو كان في شبابنا العدد الكافي من المتطوعين لخدمة العلم , المنقطعين للإشتغال به, الذين يؤثرون حياة الخلود على حياة الفناء؛ أو لو كانت لنا سجية التعاون والإشتراك في الأعمال التي لا يقوم بها الفرد وحده؛ أو لو كانت حكومات بلاد الناطقين بالضاد متشبّعة بإدراك الواجب القومي فتمد يد المعونة لمثل هذه الأعمال العظيمة, كما تفعل حكومة الترك لهذا العهد؛ بل لو كان الأزهر ـ الذي يُنفق عليه من أوقافه ما لا يقل عن مائتي ألف جنيه مصري في كل سنة ـ أعدّ نفسه لتكوين الدعائم الأساسية في المعارف العربية والإسلامية؛ لو كان هذا كله ـ أو شيء منه ـ موجوداً , إذن لكانت تكون حركة التأليف والنشر في العالم العربي متمشية مع نهضة شعوبه, ولائقة بكرامته, وجديرة بممالكه الكثيرة وسكانها الذين لا يؤتون من قلة.
وإذا كانت هذه المعاجم والكتب ـ بل و(المعْلَمة العربية والإسلامية) نفسها ـ معدودات من الضروريات لأمة ناهضة, فنحن في حاجة أمسّ , وفاقة أعظم, إلى ما هو أكثر استعمالاً, أعني (المعجم اللغوي) الذي لا تكون للأمة حياة علمية وأدبية إلا به. وهو ما أردت أن أتكلم عليه في هذا المقال بتوسع, مكتفياً بالإشارة السريعة إلى مثل الكتب التي ذكرتها آنفاً.
وإن المجال في هذه الصفحات يضيق عن استعراض أسماء المعاجم العربية التي ألفها علماؤها في اللغة من أيام الخليل بن أحمد رحمه الله إلى اليوم, وعن بيان مزية كل معجم ونقائصه والغرض الذي أُلّف لأجله والبيئة التي ألّف لها؛ فإن تاريخ المعاجم جدير بأن نفرد له مقالاً خاصاً به.
" سلطان اللغة العربية"
اللغة العربية فرع من اللغات السامية, وهي أخت اللغات التي كان يتكلم بها الكلديون والأثوريون في العراق, والسريانيون والفينيقيون والعبرانيون في الشام, والحبشة وراء الساحل الغربي من بحر القُلْزُم , ولها صلة عظيمة جداً بلغة قدماء المصريين. وكانت هذه اللغات في العصور الأولى متشابهة بحيث يُعتبرن كلهن لهجات للغة واحدة , ولذلك استطاع سيدنا ابراهيم عليه السلام أن ينتقل بين العراق والشام ومصر والحجاز وأن يتفاهم مع جميع سكان تلك الأقطار, إذ لم يكن يومئذ بين لغاتها من فرق إلا كما يوجد الآن بين لهجات العربية في المغرب ومصر والشام وسائر هذه البلاد. ولا نستطيع القول بأن واحدة منهن هي الأصل وأن الأخرى فروع عنها, بل الراجح أن اللغة الأصلية ـ التي ترجع إليها كل هذه اللغات ـ ذابت فيهن, غير أن الحالة التي كانت عليها كل اللغات السامية قبل ظهور الإسلام تحملنا على القول بكل جزم وتأكيد أن العربية أرقاهن, ومعنى هذا أنها أعرقهن في القدم, فلا يبعد أن تكون هي البنت البكر لأمها السامية الأولى. وأرى أن من معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي لم يذكرها العلماء في جملة معجزاته أنه أعاد للبلاد السامية وحدتها القومية واللغوية لغة الأمم السامية كلها كما كانت أمها اللغة السامية الأولى لغتهن قبل التشتت والإنقسام. فحيثما ترى العربية راسخة الدعائم ثابتة الأصول يعضّ أبناؤها بالنواجذ على آدابها وبديع أسرارها, فاعلم أن ذلك عن إرث من اللغة السامية الأولى, انتقل إلى بنتها البكر لغة زهير بن أبي سلمى وأبي تمام الطائي وأبي الطيب المتنبي وحكيم المعرّة. وقد انتشرت العربية في أواسط آسيا وجنوب أوروبا حيناً من الدهر غير أنها تراجعت عنهما بتراجع الجيوش العربية ولم تثبت إلا حيثما كان لها من تراث أمها السامية أسس ودعائم. فالوطن العربي الحاضر قائم على أساس صحيح من القومية, وله من الإستحالات اللغوية سلطان شرعي خالد. وإذا كانت المطامع الأوروبية قد قطعت كل آصرة سياسية بين أقطار الوطن العربي الأكبر فإن البيان العربي سيمثل دوره العجيب, في المستقبل البعيد أو القريب, والليالي من الزمان حبالى.
" اللغة العربية وقاعدة التوحيد"
انبلج نور الإسلام في جزيرة العرب واللغة العربية سائرة إلى غاية لا تلائم قاعدة التوحيد التي هي روح الإسلام, فكان للإسلام أثره الإجتماعي البليغ في ردها عن طريقها ذاك, ومنْعِها من الإستمرار فيه. فكما كانت اللغة السامية الأولى قد بلغت ـ قبل ألوف السنين ـ الطور الذي جعلها تتفرع إلى لهجات صارت فيما بعد لغات مختلفة, هكذا كانت العربية العدنانية ـ وهي بنتها البكر كما قلنا ـ تتحول رويداً رويداً إلى لهجات يتباعد بعضها عن بعض حتى يكون مآلها الإفتراق. وفي الواقع كانت العربية عند ظهور دين التوحيد لغة قبائل: لربيعة في شمال جزيزة العرب لهجة, ولتميم وقيس ومن انضاف إليهم في وسط الجزيرة لهجة, ولكنانة وهذيل وثقيف وخزاعة وأسد وضبّة وألفافها من عرب الحجاز وتهامة لهجة, فضلاً عن لغة اليمانيين في جنوب الجزيرة. وكانت لهجة القبيلة الواحدة تفترق عن لهجة غيرها في مادة اللغة وفي كيفية النطق بها.
ولما جمع الله العرب بالإسلام تحت لواء واحد, وائتلفت قبائلهم في السراء والضراء, واختلطت في السلم والحرب, في مواطنهم والبلاد التي فتحها الله لهم؛ كان للإجتماع والإئتلاف أثرهما على ألسنتهم فخطا بالعرب خطوات في سبيل توحيد اللغة: فبعد أن كانت اللهجات المتعددة مظهراً من مظاهر الفرقة والضعف القومي تحوّلت فيما بعد إلى سبب من أسباب الإتساع الأدبي. لأن تعدد الأسماء عند القبائل المختلفة للمسمى الواحد دعا عند تباري علماء الإسلام في تدوين مادة اللغة في الدفاتر والمعاجم إلى ما نرى من غناء اللغة العربية بالمفردات وكثرة المترادفات , وما كان من اختلاف تلك القبائل في كيفية النطق ـ من إمالة وتفخيم وهمز ومد وقصر ـ أفاد وسيفيد أهل كل قطر عربي في معرفة القبائل التي نزلت ديارهم في صدر الإسلام وقبل ذلك وبعده, لأن افتراق القبائل في مصر والشام والمغرب وسائر الأقطار قد ترك أثراً من لهجة كل قبيلة على ألسنة أهل البلاد التي نزلتها, وما نراه اليوم من اختلاف لهجات المصريين والشاميين والعراقيين والمغاربة راجع إلى أسباب هذا من أهمها.
علم القراء مما تقدم أن الإسلام كان ينزع إلى التوحيد حتى في غير العقائد, وأن من مظاهر ذلك ما كان له من التأثير في توحيد اللغة العربية. وقد روى عشرون من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف ", ونصّ أبو عبيد على أن صحة هذا الحديث بلغت حدّ التواتر لكثرة رواته. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أقرأني جبريل على حرف فراجعته. فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" . وقد ذهب العلماء مذاهب في تفسير السبعة الأحرف, ومن مذاهبهم فيها أنها سبع لغات كل حرف منها لقبيلة. ورويت عنهم نصوص في تعيين هذه القبائل فقال بعضهم: خمس في هوازن واثنتان لسائر العرب. وقال آخرون: لغة قريش ولغة لليمن ولغة لجرْهم ولغة لهوازن ولغى لقضاعة ولغة لتميم ولغة لطّئ . وقال عبد الله بن العباس: لغة الكعبَين وهما كعب بن عمرو وكعب بن لؤي, ولبطونهما سبع لغات. ورأى آخرون أن السبعة الأحرف هي الهمز والإمالة والفتح والكسر والتفخيم والمد والقصر, وهي أيضاً من لغات القبائل.
" تدوين اللغة"
كان للتوحيد اللغوي والإجتماعي في الإسلام نوعان من التأثير في لغة العرب: أحدهما داخلي , والثاني خارجي. فتوحيد الأمة العربية نفسها جعل لغة قريش التي ظهر الإسلام فيها تحت تأثير لهجات من اختلطت قريش بهم من سائر العرب كما أنها هي نفسها قد كُتب لها الغلبة عليهن لأن الله اختارها لكتابة وحكمة رسوله صلى الله عليه وسلم ولأن الدولة الإسلامية مدة الراشدين وبني أمية وصدر من بني العباس كان كبار رجالها وذوو التأثير فيها من قريش وبني عمومتهم من مُضر , فذهب ذلك بلغات القبائل الأخرى ولم يبق منها إلا ما حفظه شعرها وما اندمج في لغة قريش فصار منها. أما التأثير الخارجي فقد تجلّى في اختلاط العرب بسائر الأمم فنشر فيها لغة الضاد وأعاد إلى سلائل الأمم السامية وحدتهم اللغوية, غير أن اللغة العامية كانت قد انفرجت مسافة الخلف بينها وبين الفصحى, فكان ذلك مما حمل علماء القرن الثاني للهجرة وما بعده إلى جمع مادة اللغة العربية من أفواه عرب البادية وفصائحا وشعرائها ممن لم يصل تأثير الأعاجم إلى بيئتهم ولم تشب ألسنتهم شائبة. وكان عملهم هذا من أعظم ما خدم به علماء أمة قوميتهم أنهم حفظوا مادة هذه اللغة ذات الأسرار العجيبة والتكوين المعجز, ولو تأخروا في جمعها قرناً واحداً لكتن ذلك الإهمال كارثة لا يقوى الزمان على تلافيها.
إذن فلنذكرهم بالرحمة والرضوان, ولنوسع لهم من قلوبنا وصدورنا موضع حرمة وإجلال يتوارثه عنا أولادنا إلى الأبد.
يتبع