عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 05-01-2007, 01:32 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
التجاني بولعوالي
أقلامي
 
إحصائية العضو






التجاني بولعوالي غير متصل


افتراضي الجواب عن أسئلة الباحثة والقاصة السعودية عفراء خالد

الجواب عن أسئلة الباحثة والقاصة السعودية عفراء خالد

الشاعر والأخ التجاني بولعوالي
اسمك هو أول ما شدّني حين قرأت لك قصيدة (أرخبيل.. لانجذاب الذات)، ولم أعلم حينها أنك صاحب هذه السيرة الرائعة (ما شاء الله لا قوة إلا بالله).
س- سؤالي الأول يتعلق بمعنى إسمك الذي أتساءل إلام يرمز؟


ج- أختي الفاضلة عفراء، ولو أن هذا السؤال يبدو نوعا ما بعيدا عن جادة الحوار الأدبي والفكري الذي نسعى إليه من خلال هذا اللقاء، فإنني سوف ألبي رغبتك بالإجابة عنه، حتى نحافظ على روح التواد والتآخي والتعايش التي هي من السمات الأساسية لمنتدى أقلام.

فيما يتعلق باسمي الشخصي (التجاني) أو (التيجاني بياء المد التي تلي الجيم)، فله تفسيران، أولهما لغوي يحيل على لفظة التاج وجمعها التيجان، وهي تعني في اللغة العربية الإكليل، وإضافة الياء إلى جمعها يصبح التيجاني، فيدل إما على صاحب الأكاليل أو صانعها، أما التفسير الثاني فيجد أصله في اسم مؤسس الطريقة الصوفية المعروفة التي يطلق عليها الطريقة التيجيانية، وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد التجاني، ولد عام 1150 من الهجرة بقرية عين ماضي التي وفد إليها جده محمد، فاستوطن بها وتزوج من قبيلة فيها تدعى تجاني أو تجانا فكانت أخوالاً لأولاده وإليها نسبوا. وهذا يعني أن هذا الإسم يحيل على تلك القبيلة. أما سبب تسميتي بهذا الإسم، فهو يرتبط بجدي من أبي الذي كان له صديق حميم، كان إماما لإحدى المساجد في منطقة الريف المغربي، وكان على الطريقة الصوفية التيجانية، وعندما ولدت طلب من جدي أن يسميني بهذا الإسم فلبى طلبه.

أما فيما يخص اسمي العائلي (بولعوالي)، فهو يحيل، كما كنت تروي لي جدتي، على أن الجد الأكبر كان يملك أفراسا، ويطلق عليه باللغة الأمازيغية بولعواذي، أي صاحب الأفراس، وعندما دونوها بالعربية، انقلبت الذال لاما، فأصبحت (بولعوالي).


س- أما سؤالي الثاني فهو يتعلق بالتصوير الغامض -والمعقـّد- في شعرك، فما الذي يدفعك لنهج هذا الأسلوب؟
التصوير الذي ترسم به لوحة شعرك: كيف يقفز إلى ذهنك؟ خاصة وأنها تأتِ بما قد لا يخطر على البال!


ج- إن مسألة الغموض في الشعر، كما سبقت الإشارة، تشكل مكونا أساسيا في بنية الكثير من النصوص الشعرية، فهو الذي يمنحها سر الجمال والتميز، وبسقوطه تسقط قيمتها الفنية، بل وإنه يولد في النص ما يشبه الانكسار في الدلالة أو التركيب أو الإيقاع، وهو في حقيقة الأمر ظل للانكسار النفسي الذي يعتري ذات الشاعر. بناء على هذه الرؤية فهو نابع عن الحالة النفسية والشعورية التي يخوضها الشاعر، التي ينطبع النص بها، بناء ومعنى، لذلك فكلما تناول الشاعر قضية نفسية أو انفعالية مؤثرة، مثل الموت، الفراق، المأساة، أسئلة الوجود المبهمة، وغير ذلك، كلما تخللت نصوصه بؤر خلفية مستعصية عن الفهم المباشر، وفي هذا الصدد يحضرني تفسير عبد القاهر الجرجاني للغموض الذي يعتري معنى الشعر، حيث يقول في كتابه (دلائل الإعجاز): "فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعنى، كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلا أن تشقة عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في التوصل إليه. فما كل أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كل من دنا من أبواب الملوك فتحت له الأبواب". فهذه القولة تومئ إلى أن ثمة من الغموض ما هو واجب وضروري في النص، يجعلنا نشقى في إيجاد السرداب الموصل إلى الحقيقة، ونتلهف في بلوغ سلم الفهم؛ ذروة القراءة، وهو فعل يمتزج فيه التأويل بالتشويق، البحث بالأمل، التوقع بروح المغامرة...

وعلى ذكر مسألة التوقع، حيث أشرتِ في خاتمة سؤالك إلى أنني آت بما لا يخطر على البال، وهذا أمر صحيح، لأنني أؤمن بأن الشاعر المعاصر ليس مجرد واصف وناقل للكائن أو الواقع، فهذه مهمة المؤرخ أو الصحافي، وإنما يحاول أن يفهم الكائن ويفسره، حتى تتسنى له إمكانية استشراف الممكن، فمثله مثل عالم المستقيليات الذي يتميز ببصيرة نافذة، تمكنه من أن يبني توقعات انطلاقا من معطيات واقعية وإحصائيات علمية، في حين يبني الشاعر استعارات انطلاقا من تجارب نفسية وحالات اجتماعية.

وحتى تكون الصورة أكثر وضوحا، لنتريث عند التجربة الصوفية في التاريخ الإسلامي، التي يرى فيها الكثيرون انحرافا خطيرا عن المعتاد، وتمردا جارفا على مؤسسة المجتمع، فينعتون الصوفية بالبذىء من النعوت، والحقير من الأوصاف، يقينا ثمة من المتصوفة من سقط في دائرة الشرك والتحامل على ثوابت العقيدة الإسلامية، لكن التجربة الصوفية المعتدلة لم تنشأ إلا نتيجة مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغير ذلك، حيث منذ عهد الدولة العباسية سوف تنشط الحركة الصوفية، التي سوف تنتشر بشكل كاسح قبل نهاية هذه الدولة وبعدها، لتصبح مكونا أساسيا من مكونات المجتمع الإسلامي، والمتمعن في كتابات هذه الحركة الشعرية والنثرية، يستجلي أنها غامضة ومبهمة، وما هذا الغموض، وذلك الإبهام إلا نتيجة منطقية للوضع العام المتدهور، الذي يمسه القهر والظلم والاضطهاد، حيث وجد المتصوفة أن استعمال لغة الرموز خير وسيلة تعبيرية تخلصهم من عقاب ورقابة الحكام، فنشأ عندهم معجم صوفي خاص، لا نفهم البعد الدلالي لأدبهم إلا إذا كنا على دراية بمعنى الرموز التي يوظفونها، واطلاع على جوانب من ذلك المعجم، من هنا فإن القارىء العادي يستهجن تلك النصوص الغامضة، في حين فإن القارىء المتمرس يقبل عليها ويستملحها، وهذا نفسه قد ينطبق على بعض تجارب الشعر العربي المعاصر، التي يتخللها الغموض، فلا يمكن فهمها إلا بفهم السياق العام الذي تندرج فيه، والدوافع الخفية التي أملت على الشاعر أن يسلك هذا النهج في كتابته.