20-12-2006, 02:49 AM
|
رقم المشاركة : 1
|
معلومات
العضو |
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
( مشهد موت ) - قصة
وازيتُ السيارة بعيداً بالرصيف، إذ لم أتمكن من إدخالها شارعنا الذي ازدحم فجأة بالبشر، الكثير من البشر. حاولت تفقد الأمر بعيني وأنا اتجه ناحية المنزل فلاحظت أنهم شباب جميعاً ، اغتظتُ.. فسلوكيات الشباب غريبة ومقلقة، حاولت تبين إن كانوا يحتفلون بفوز فريقهم للكرة ، لكن وجدت الحزن بادٍ على الوجوه، بل ويبكي بعضهم بحرقة.. ظننت أن حدثاً جللاً أصاب البلاد، لكن لم أهتم بسؤال أحد .
دلفت مدخل العمارة محتمياً بها من حرّ بعد الظهيرة، فوجدت ابنة البواب الصغيرة متسخة الفم واليدين تأكل سمكة ، كان منظرها كوميدياً جداً ، ابتسمتُ لها :
- إزيك يا عاليا ؟
- كويثة يا أثتاذ .
- بتاكلي إيه أومال ؟
- ثمكاية مغلباني قوي .
ضحكتُ ضحكة قصيرة.. طفلة لم تتعدى الأربعة أعوام ، وتبدو عليها البراءة دوماً .. سألتها :
- أومال إيه الزحمة اللي برة دي ؟
أجابت بفم ممتلئ :
- عييل ثغير قد كدهو ، مات .. ومثتنيين يودوه القرافة .
- حد من العمارة هنا ؟
- لا من الشارع اللي جنبنا .
سعدتُ لأنني لن أرتبط اليوم بواجب عزاء ، وصعدتُ مخلّفاً الطفلة مع سمكتها .
نزلتُ وقت المغرب ، وقد نسيت كل شيء عن حواري مع ( علياء ) ، حتى وجدتها من جديد في مدخل البوابة ، مهندمة تتحرك كثيراً .. ابتسمتُ لها وحييتها :
- أهلاً يا أثتاذ .. شوفت اللي حثل ؟
- حثل إيه بقى يا ثتي ؟
ضحكتْ ، وأجابت :
- الواد الثغير لثة ما جاش عشان يروحوا القرافة .
- يا سلام .. وانتي شاغلة بالك ليه ؟
- مش شاغلة، بث عشان الذحمة دي تروح بقى ، عايذة ألعب على الرثيف التاني مع العيال .
- مش لازم لعب النهاردة ، خليها بوكرة وخلاص .
قالت هازة رأسها باستسلام :
- طيب .
تركتني بعدها ودخلتْ الغرفة المخصصة لسكنهم ، فخرجتُ وسط الزحام متجهاً إلى سيارتي .
طوال المسافة التي قطعتُها حتى السيارة ، مررت بالعديد من الشباب الأقل من عشرين عاماً يبكون ، منتشرين على الرصيف يبكون كأن الذي مات أخو كل منهم أو أمه.. تعجبت من هذا التصرف الجماعي، وانطلقت بالسيارة.
عدت في حوالي العاشرة ، لم يقلّ تكدس الشباب ، بل خيّل لي أنه ازداد . صففتُ السيارة بعيداً وترجلتُ ناحية المنزل، لا أدري سبب كل هذا الوقت الضائع من أجل شخص مات .. كان يتوجب دفنه سريعاً لينقضي الأمر .
فجأة وبينما أمرّ بالوجوه العابسة ، تعالى صوت سارينة الإسعاف المميزة ، نهض الجميع من على الأرصفة ومن الشوارع الجانبية وبدأوا يتحركون باتجاه الشارع الرئيسي ، تعالى كذلك صوت عويل النساء وتقريع الرجال لهم.. ظهرتْ سيارة ( تحت الطلب ) ثم توقفت بمحاذاة المسجد الذي لم يغلق أبوابه رغم مرور صلاة العشاء منذ فترة، فتحوا الباب الخلفي للسيارة وأخرجوا نعشاً.. تعالى بكاء الشباب ، وهم يلتفون حول النعش .
وقفتُ أتابع كل هذه الأحداث بدافع الفضول ، أنا لا أعرف الميت ولا أكن له أية مشاعر ، لم أكن أعرف أي معلومات مفيدة ، ما ذكرَته لي ابنة البوّاب لا غير .. فقط جذبني التجمع واقتراب نهاية الأحداث عندما سمعت صوت السارينة .
كنت بعيداً ، وفجأة اختفى المشهد خلف ظهور الشباب المقبلين على السيارة السوداء ، ثم سمعت صياح شخص يردعهم، ويأمر السائق بإعادة الخشبة إلى السيارة .. تفككتْ مساحة استطعت أن أرى عبرها شيخاً يوجّه السيارة السوداء ناحية القِبلة ، وأعلن أنه سيؤم الناس لصلاة الجنازة في الشارع .
في هذه اللحظة قررتُ أن أصلي معهم ، أسرعت ناحية العمارة وتوضأت في غرفة البواب – بمعرفته – ثم خرجت للناس من جديد.. فرصة لأن أجد مثل هذا العدد يصلي عليّ لاحقاً .
لم نكد نفرغ من الصلاة ، حتى عاد عويل النساء ، يصحبه زجر الرجال .. جاء واحد من الخلف يسألني:
- هو فيه إيه يا أستاذ ؟ مين اللي مات ده ؟
- مش عارف .
تطوع أحد الشباب لإفادتنا بأسى:
- ده واحد زميلنا ساكن في الشارع ده ، مات وهو بينزل من القطر قبل ما يقف ، مش عارفين مات قبل ما ينزل ، يعني سكتة قلبية ، ولا وقع والقطر داس عليه !.
- وكل الولاد دول صحابه ؟
- أيوة ، كلنا زمايله في المدرسة وجيرانه من البيت القديم ، وفيه ناس قرايبه طبعاً .
- وليه واقفين طول المدة دي ؟
- أصله مات في اسكندرية ، وكان بيتغسـّل هناك .. والإجراءت بقى .
- لاحول ولا قوة إلا بالله .
يبدو أنه كان شاباً رائعاً ليتجمع من أجله هؤلاء لكل هذا الوقت .
بدأتْ السيارة السوداء في التحرك ، ولمحتُ امرأة ترتدي الزي الأسود تدق على صاجها بقوة ، وشرعتْ تصرخ منادية على ابنها.. حاول الشيخ ردعها وحاول رجل آخر – قد يكون زوجها – أن يهدئها ، وبدأ السائق يزيد من سرعة السيارة ، لكن تشبثت الأم بصادم السيارة الخلفي ، فجرّتها السيارة قليلاً قبل أن ينادي الناس على السائق ليتوقف .
شعرتُ لحظتها كأن الميّت شخصاً عرفته .. ولما دخلت العمارة ، قابلتني علياء :
- مالك يا أثـتاذ ؟
- مالي ازاي يعني ؟
خرج صوتي متقطعاً مبحوحاً ، لم اكن لاحظت الغصة في حلقي :
- انت بتعيّط اهو .
لم أكن قد لاحظت هذا أيضاً .
**
|
|
|
|