و عليه نقول :
الفرق بين الحرية والحريات العامة فهو أن الحرية في الإسلام تعني عدم العبودية، فالدعوة إلى الحرية هي التحرر من الرق، وبما أنه لا رق اليوم فلا دعوة ولا دعاية للحرية. وأمّا الحريات العامة فهي أساس الرأسمالية وأساس النظام الديمقراطي وهي مخالِفة للإسلام في إطلاقها للحريات الأربع: حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية التملك والحرية الشخصية. أمّا الفرق بين السياسة بمعنى الواقعية والسياسة بمعنى عدم الاستحالة، فهو أن الغرب قالوا بأن السياسة هي فن الممكن بمعنى الواقعية فما ليس بواقع ولا واقعية فهو خيال وأوهام وقلدهم في ذلك السياسيون من المسلمين، فهم لا يبحثون في تغيير الواقع ولا يعالجون الفساد إلاّ بما يستمدونه من الواقع، فالسياسة عندهم هي رعاية الشؤون حسب الواقع فلا يُعمل لتغيير الواقع، وأمّا مناداتهم بالحريات وتحرير الشعوب فإنما هو للتخلص من الاستعمار العسكري والانتقال إلى الحكم الديمقراطي ولو بقي الاستعمار الاقتصادي والثقافي والسياسي. وأمّا السياسة بمعنى فن الممكنات مقابل المستحيل فيشمل الواقع ويشمل ما يمكن أن يكون واقعاً، ولهذا يُبحث في الواقع ويُعمل لتغييره، فالرسول صلى الله عليه وسلم أوجد الإسلام الذي لم يكن واقعاً مكان الشرك، وأوجد المجتمع الإسلامي مكان المجتمع الجاهلي فغيّر الواقع الفاسد وأوجد واقعاً صحيحاً. والغرب حينما أوجد مفهوم الواقعية أراد إبعاد المسلمين عن السياسة ليظل سياسيوه متربعين على عرش السياسة.
ولذلك فالمناورة بالحريات وتحرير الشعوب إنما هو خداع للجماهير وتضليل لهم وصرف لهم عن التحرر وإبعاد عن التحرير لأن ذلك لا يغير الواقع الفاسد الذي يعيشون فيه ولا يخلصهم من الحضيض المنخفض الذي يتردّون فيه، وإنما يخلصهم من كل ذلك المناورة بالإسلام وبالدعوة الإسلامية مغايرة للعقيدة الرأسمالية والناس في كل أقطارهم مكتوون بعفونة الرأسمالية.